صدمت حروب دونالد ترامب أغلبية الأمريكيين، وأثارت ذعر الحلفاء، وعززت جرأة الأعداء. ومنذ وصوله إلى الحكم للمرة الأولى عقب انتخابات 2016، خاض ترامب حربًا ضد الدستور الأمريكي الذي أقسم على صونه وحمايته والدفاع عنه. ثم خاض، ولا يزال، حربًا ضد الآلية الانتخابية التي أوصلته إلى السلطة مرتين ومنعته منها مرة واحدة. وخاض ترامب حربًا ضد البيروقراطية الحكومية الفيدرالية التي وصمها بـ«الدولة العميقة» المتآمرة ضده وضد الشعب الأمريكي. ولا يزال ترامب يشن حربًا ضروسًا ضد الهجرة والمهاجرين، وضد الإعلام والإعلاميين.
ولم تقتصر حروب ترامب على الداخل الأمريكي، بل امتدت إلى ما وراء حدود بلاده، لتطال النظام القانوني الدولي وقواعد التجارة العالمية والتحالفات التاريخية لواشنطن، ودولًا بعينها، في مقدمتها فنزويلا وإيران. وهذه الحروب لا تعيد رسم خريطة المشهد الجيوسياسي الإقليمي والعالمي فحسب، بل تسهم في تغيير ثقافة المجتمع الأمريكي وآلياته ونظامه السياسي بصورة لم يتخيلها أحد قبل عقد واحد من الزمن.
***
لم يدخل ترامب غمار الحياة السياسية بوصفه مرشحًا أيديولوجيًا بالمعنى التقليدي ينتمي إلى أحد الحزبين، على الرغم من أنه كان طوال حياته متبرعًا للحزب الديموقراطي، وصديقًا للكثير من الساسة الجمهوريين. ولم يمارس ترامب السياسة في مستوياتها المحلية الدنيا، وصولًا إلى التنافس على المستوى القومي، بل كانت الانتخابات الرئاسية مدخله الأول إلى عالم السياسة، في حالة استثنائية نادرة.
ولم تشكل الأيديولوجيات التي يعتمد عليها الجمهوريون أو الديموقراطيون مزاج ترامب السياسي، بل شكّله أكثر من نصف قرن من التنافس الشرس في سوق العقارات، واللهو والتعامل مع مشاهير مدينة نيويورك في الوقت ذاته. ودفعت هذه الخبرات ترامب إلى قناعة راسخة بأن الحياة مباراة صفرية، وأن القوة هي العامل الوحيد المهم، وأن الهدف الأسمى هو إعلان الانتصار حتى في حالات عدم تحقيق الفوز.
ويرى ترامب العالم بوصفه سلسلة من المعارك المستمرة. وفي كتابه الشهير «فن الصفقة»، الصادر عام 1987، صاغ ترامب فلسفته بعبارات تميز نهجه الرئاسي في مواجهة أزماته الداخلية أو الخارجية: اضرب بقوة، وأبقِ الجميع في حيرة وترقب، ولا تُظهر لأحد ضعفك، ولا تعتذر ولا تتراجع.
تلك غرائز تقليدية قد تتوقعها وتتقبلها من محارب، إلا أنها لا تناسب رجل دولة، خاصة إذا كانت هذه الدولة بضخامة الولايات المتحدة وأهميتها، وكان هذا الرجل رئيسها والقائد الأعلى لقواتها المسلحة. من هنا، ميّز حكمَ ترامب، منذ دخوله الأول إلى البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2017، أسلوبٌ قائم على المواجهات والصراعات، وغابت عنه المواءمات والصفقات التي طالما ادعى سعيه إليها.
ولم يتطور فهم ترامب للعالم من حوله في فراغ، فقد نضج سياسيًا في حقبة خيبة أمل أمريكية عميقة، مثّلتها كارثة حربَي أفغانستان والعراق، والأزمة المالية عام 2008 التي انطلقت من أمريكا، في وقت ضربت فيه تبعات العولمة الداخل الأمريكي، بما أدى إلى إفقار الطبقات العاملة وانكماشها، فيما ازدهرت النخب الساحلية وتراكمت ثرواتها.
وقبل ذلك، تأثر ترامب، الذي وُلد عام 1946 بعد أقل من عام على انتهاء الحرب العالمية الثانية، بهزيمة بلاده في حربها في فيتنام، وما صاحبها من تغيرات ثقافية وسياسية هزت الثوابت الأمريكية، متمثلة في نجاحات حركة الحقوق المدنية الأمريكية في أواخر ستينيات القرن الماضي، وصولًا إلى فضيحة ووترغيت التي تزامنت معها آخر فصول هذه التحولات.
ودفع ذلك كله إلى تراكم الشعور لدى شريحة واسعة من الناخبين بأن المؤسسات والساسة المحترفين الذين أشرفوا على هذه الإخفاقات وأداروها وخططوا لها أفلتوا من المساءلة. وأدرك ترامب، بحسه الغريزي لا بعقله التحليلي، أن في هذه الشكاوى طاقة سياسية كامنة، وأن أجدى وسيلة لاستنهاضها ليست الحجج السياسية المعقدة، بل المواجهة المفتوحة البسيطة.
***
وكان ترامب على حق؛ فقد نجحت حملته الرئاسية عام 2016، وهي الحملة التي سخر منها السياسيون المحترفون، ولم تُعرها استطلاعات الرأي الجدية الاهتمام الواجب، وذلك لأن ترامب أشار إلى ضرورة مواجهة الأعداء بدلًا من أن يقترح الحلول.
وخرجت تصريحات صادمة على لسان ترامب، منها أن المكسيك ترسل المجرمين إلى أمريكا، وأن المسلمين يُشكلون خطرًا إرهابيًا، وأن الصين تسرق وظائف الأمريكيين، وأن الإعلام يكذب، وأن الانتخابات تتعرض للتزوير. واستنهضت كل هذه الادعاءات وترًا نفسيًا جريحًا لدى ملايين الأمريكيين ممن آمنوا بأنهم شعب يتعرض للهجمات والاستهداف من العالم كله، وأن ما يحتاج إليه هو بطل مستعد للقتال.
إلا أن ما لم يتوقعه أحد هو أن يمد ترامب منطق المواجهات والحروب إلى مؤسسات وقيم كانت تُعد في السابق فوق التنازع الحزبي، ومتفقًا عليها بين أغلب الأمريكيين. وأصبح الدستور والمحاكم وأجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية والمؤسسات الفيدرالية، ومنظمة التجارة العالمية وحلف الناتو، جميعها، بطرق شتى وفي لحظات متباينة، أهدافًا للهجوم الترامبي.
ولم تكن الحروب التي شنها، ويشنها، ترامب مخططة دائمًا أو تتبع منطقًا محددًا؛ فكثير منها جاء رد فعل أو ارتجالًا، مدفوعًا برؤية شخصية لترامب، لكنها تتراكم، في المحصلة، لتُشكل شيئًا متماسكًا بما تمثله من تحدٍ لتقاليد محلية ودولية حكمت الحياة الأمريكية وسياستيها الداخلية والخارجية لعقود طويلة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
