بعضٌ مِن عِبَر التاريخ السوري.. المقاوم سلطان باشا الأطرش (1)

بعد كل ما جرى ولا يزال يجري في بلادنا الشامية، لم يعدْ أمامنا سوى التاريخ لنستقي منه العِبَر، علّنا جميعاً نعيد النظر في ما نحن عليه اليوم، وفي ما ننوي تحقيقه في المستقبل!

أعود من جديد إلى الثورة السورية الكبرى، التي دامت اثنتي عشرة سنة (1925-1937)، حسب قناعة قائدها العام، وحسبما أثبتت الوثائق في أرشيفه المحقَّق[1].

المقاومة والتحرير

إنّ قيام الثورة في جبل العرب ضد الانتداب الفرنسي أخذ طابع الانسجام مع كلّ ما سبقها من تحرّك وطني قام به بنو معروف (الموحّدون الدروز): فهم ملتزمون بوحدة البلاد وتحريرها: فالتوحيد ديدنهم دينياً ووطنياً. وهدف الثورة السورية الكبرى الأول، هو “توحيد البلاد السورية ساحلاً وداخلاً” والهدف الثاني هو “الاستقلال”.

كان القائد العام للثورة السورية الكبرى يعي منذ العام 1916 أن ما يقوم به من جهاد هو في سبيل الأمة العربية وفي سبيل سورية، بلاد الشام، التي هي جزء أساسي منها ومتكامل معها: وهاتان العبارتان تتكرّران في رسائله.

ومن الأهمية بمكان أن أذكر هنا أنّ المقاومة في جبل العرب كانت مستمرّة: فمنذ مناهضة الأتراك، وبالذات حملة سامي باشا الفاروقي في أواخر العام 1910، إذ وقف ذوقان مصطفى الأطرش، والد سلطان، مع ابنه وآخرين كثر من الجبل لمقاومة هذه الحملة الغاشمة، ودفع حياته ثمناً لذلك الموقف، إذ شنقه الأتراك في المرجة في دمشق في الخامس من شهر آذار/مارس من العام 1911؛ فكان الشهيد العربي الأول الذي سبق شهداء 6 أيار/مايو 1916، وذلك حسب رأي الأديبة السورية ناديا خوست في روايتها (حب في بلاد الشام) المنشورة في أواخر تسعينيات القرن العشرين في دمشق )اتحاد الكتّاب العرب(؛ إلى إيواء سلطان الأطرش للعرب الفارّين من الجيش التركي في داره، إذ خصّص لهم غرفتين بشكل دائم[2]؛ ثم إلى انضمام سلطان الأطرش إلى الثورة العربية الكبرى 1916 – 1918، إذ كان لخيّالة جبل العرب وفرسانه بقيادته الفضل في فتح دمشق ورفع العلم العربي في سمائها، على سراي الحكومة، ولهذا السبب منحه الشريف حسين لقب باشا، أي رتبة عسكرية تقابل رتبة جنرال اليوم؛ إلى الذهاب لنجدة وزير الحربية يوسف العظمة في 24 تموز/يوليو 1920، ووصول فرسان جبل العرب وعلى رأسهم سلطان الأطرش قرب بلدة براق، إلى الجنوب من دمشق، حيث جاءهم نبأ استشهاده. لقد أثبت يوسف العظمة باستشهاده أن الاستعمار “لا يمكنه أن يمرّ إلّا على أجسادنا”، ولا يمكن لنا تسليم البلاد دون مقاومة! آنئذٍ، قال سلطان كلمته الشهيرة: “خسارة معركة واحدة لا تعني خسارة حربنا ضد المستعمِر”. ثمّ إلى رغبة سلطان الأطرش بتنظيم المقاومة في جبل العرب تحت راية الشرعية في سورية، ولهذا السبب دعا الملك فيصل الأول للاستقرار في جبل العرب بدلاً من الرحيل إلى أوروبا، في العام 1920. لكنّ الملك أجاب رسول سلطان إليه آنذاك قائلاً:

“فات الأوان”![3]؛ ثمّ إلى الانتفاضة الأولى في تموز/يوليو من العام 1922 من أجل تحرير الثائر أدهم خنجر الذي اتهمّه الفرنسيون بمحاولة اغتيال الجنرال غورو؛ وقد تمّ الحكم بالإعدام على سلطان الأطرش من الفرنسيين بسبب معركة تل الحديد التي قتل فيها الكابتن بوكسان وثلاثة جنود آخرين، وتم أسر أربعة، وتحطيم مصفّحتَين للفرنسيين. إلى الثورة السورية الكبرى، التي انطلقت في تموز/يوليو من العام 1925 ودامت فيها المعارك لسنتين، أفنى فيها أربعمئة ثائر من جبل العرب حملة ميشو في معركة المزرعة الشهيرة في أوائل آب/أغسطس من العام 1925، وكان قوام تلك الحملة حوالى ثلاثة عشر ألفاً من جنود وضباط فرنسيين! لكنّ المقاومة، برفض الاستسلام للعدو وبرفض تسليم السلاح، استمرت عشر سنوات، حفلت بالمقاومة السياسية ضد الفرنسيين في سبيل إرساء قواعد الاستقلال والتحرّر؛ إلى دعم قضايا العرب الكبرى بعد الاستقلال وعلى رأسها قضية فلسطين والقدس والجولان وكافة الأراضي العربية المغتصبة.

فجبل العرب وحده، قدّم حوالى أربعة آلاف شهيد في أثناء الثورة السورية الكبرى، في الوقت الذي كان فيه تعداد سكانه لا يزيد عن أربعين ألف نسمة، أي أنّ نسبة الشهداء فقط هي عشرة في المئة، ناهيك عن آلاف الجرحى والمصابين والشهداء المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ، ولا بدّ أنهم يُعَدّون بعشرة آلاف نسمة وأكثر! كما أن شهداء كثيرين ارتقوا في سبيل تحرّر الوطن السوري من نير الاستعمار في الشمال والساحل والبادية والغوطة وإقليم البلّان ولبنان، وفي كل أرجاء الوطن.

شرعة حقوق الإنسان

في العام 1922، أكد سلطان الأطرش ورفاقه في رسالة موجهة إلى عصبة الأمم على “رفض الانتداب رفضاً باتاً، وطالبوا بالاعتراف بالاستقلال التام لسورية بحدودها الطبيعية استقلالاً خالصاً من كلّ شائبة؛ وبإنابة اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني بإيصال [صوت الثوار إلى عصبة الأمم]”. كما قام الثوار بلفت نظر عصبة الأمم منذ ذلك التاريخ في هذه الرسالة إلى أعمال السلطة الفرنسية المخالفة لحقوق الإنسان، كتدمير القرى بقنابل الطيارات وقتلها للنساء والأطفال والشيوخ وإحراق البيادر، مؤكّدين أن الثوار سوف يردّون على فظائع فرنسا بالمثل[4].

يئس سلطان الأطرش من المندوب السامي، فأرسل إلى عصبة الأمم عدة رسائل وأطلعها على أن فرنسا لا تنفّذ الأمانة التي أمّنتها عليها في مساعدة سورية “مساعدة صادقة لتسير بها في سبيل الحكم الذاتي، وعليه اضطررنا أن نلبّي دعوة بلادنا وأن نقوم بواجبنا الوطني لكي نحرّرها من نير الظلم والاستعباد. (…) وقد قررنا نهائياً أن نتابع ثورتنا إلى أن نحصل على حقوقنا الوطنية العادلة، وهي استقلال بلادنا الشامية”[5].

غير أنّ عصبة الأمم استمرّت في صمّ آذانها عن هذا النداء! وتالياً، فإنّ المجتمع الدولي تحمّل، منذ ذلك الحين، ولا يزال إلى اليوم، يتحمّل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن الفظاعات التي وقعت وتقع في بلادنا!

كان ثمة وعي لدى ثوار جبل العرب وقائدهم العام بأهمية المجتمع الدولي ورأيه في الانتداب الفرنسي، لذلك فقد ناشدوه عدة مرات وفي أكثر من مناسبة قبل انطلاق الثورة في العام 1925 وبعدها، غير أن الثوار والرجال الوطنيين لم يكونوا على وعي تام بأن المجتمع الدولي، في معظمه، متواطئ مع المستعمِر إلى الحد الذي يستخفّ فيه بآلام الإنسان وما عاناه ويعانيه حتى اليوم في بلادنا العربية. إن شرعة حقوق الإنسان هي “كذبة” ابتدعها المجتمع الدولي ليضغط من خلالها على الدول المستضعفة، وليس هدفها حماية الإنسان أينما وجد، كما يدّعي.

دليلي على ذلك معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الاستيطاني الصهيوني بكل فظاعاته ومجازره التي ارتكبها ضد الشعب الفلسطيني والعربي في كل مكان، ووقوف معظم المجتمع الدولي إلى جانب المجرم لأكثر من ثلاثة أرباع القرن، “والحبل على الجرّار”! هذا دليل على نفاق هذا المجتمع الدولي، وأقصد هنا سياسات الغرب المجرم، الذي تمرّ جرائمه دون عقاب إلى هذه اللحظة!

إقرأ على موقع 180  الأغلبية الصامتة.. حزب الكنبة السوري!

لقد قام الفرنسيون بفظائع رهيبة في سورية ولبنان، وفي راشيا بالذات قتلوا وفظّعوا بالدروز والمسيحيين على السواء من أجل اتهام الثورة بهذه الفظاعات: هم منافقون وكاذبون، وليس هدفهم حماية المسيحيين كما زعموا، ولهم في أجدادهم الفرنجة ” القدوة”، إذ قام أولئك بإحراق مسيحيي أنطاكيا وهم أحياء خلال حروب الفرنجة![6]

وعي القائد العام لأهمية دور الإعلام

من المهم أن أذكر أنه وبعد معركة المزرعة، اضطرّت السلطة الفرنسية إلى طلب الهدنة ووقف القتال، وذلك قبل أن يستجيب زعماء الحركة الوطنية في دمشق لنداء الثورة في جبل العرب من أجل تعميمها على كامل الأراضي السورية واللبنانية. ومن مطالعتي لمذكرات الدكتور عبد الرحمن شهبندر، يتبيّن أنه لم يخرج من دمشق إلى الجبل إلّا بعد 21 آب/أغسطس. أما أول وفد وطني وصل من دمشق إلى الجبل، فكان في 17 آب/أغسطس 1925 وضم السادة أسعد البكري وتوفيق الحلبي وزكي الدروبي. وقد انتهت المفاوضات مع الفرنسيين قبل وصول هذا الوفد من دمشق في ذاك التاريخ!

وقد صرّح سلطان الأطرش للصحافيين الألمانيين اللذين جاءا لتصوير نتائج معركة المزرعة، وأحدهما كان مندوباً عن جريدة (الفوسيشي زيتنغ)، قائلاً: “إن الفرنسيين لا يسعون جدياً إلى السِلم في مفاوضاتهم، حتى أن الشروط المعتدلة التي تقدّم بها وفدنا سوف لا يحقق الجنرال ساراي شيئاً جوهرياً منها. إنهم يريدون إلهاءنا ريثما تصل قواتهم العسكرية الجديدة التي بعثوا يستقدمونها من فرنسا أو من مستعمراتهم القريبة. أما نحن، فسوف لن نعيد الأسلحة التي غنمناها في ساحات القتال ما دمنا على قيد الحياة، ولا نرضى إلا باستقلال سورية ووحدتها الكاملة وإقامة حكم وطني دستوري فيها. ويجب أن تقتصر مهمة الدولة المنتدبة على تقديم الإرشادات والمساعدات الفنية والإدارية لا غير، وذلك عن طريق المستشارين والخبراء المؤهَّلين، تطبيقاً لما نصّ عليه ميثاق عصبة الأمم في العام 1919 حول موضوع الانتداب”[7]. وكان الشرط الذي وضعه سلطان الأطرش على المفاوضات مع الفرنسيين هو ألا تتعدّى الأيام الثلاثة. إذن، هذا ما حدث في الواقع قبل وصول الوفد الوطني من دمشق.. والقول إن هذه الوفود أتت لمنع الثوار من التسليم للفرنسيين افتراء وخطأ تاريخي فادح وتزوير في التاريخ السوري الحديث!

لقد أدرك سلطان الأطرش أهمية الإعلام في القضية الوطنية السورية، فأرسل، في 15 تشرين الأول/أكتوبر من العام 1925، رسالة باللغتين العربية والإنكليزية إلى محرّر جريدة “التايمز” (TIMES)[8] البريطانية لإطلاع “الرأي العام في أوروبا على الأسباب الحقيقية للثورة السورية الكبرى التي يحاول الفرنسيون إخفاء حقائقها بقصد تضليل الرأي العام الأوروبي وخصوصاً فرنسا”. في هذه الرسالة، تمّ فضح تنكيل الفرنسيين بالأهالي من إلقاء للقنابل من الطيارات على النساء حول الآبار، وهنّ يقصدنَ جلب الماء إلى بيوتهنّ، إضافة إلى قتل الأطفال. أما الثوار، فقد احترموا جميع الأنظمة الدولية في معاملة الأسرى وإعادة النساء الفرنسيات، نساء الضباط، اللواتي كنّ في السويداء إلى عائلاتهنّ.

إيمان القائد العام بالمواطنة الكاملة والمتساوية

كان ثمة وعي كبير لدى القيادة العامة للثورة بحساسية المسألة الطائفية في بلادنا، لذلك، ومنذ البداية، تمّ رفع شعار الثورة “الدين لله والوطن للجميع”. وقد تمّ الجهر به عالياً، وبخاصة حين توجّهت الحملة إلى إقليم البلّان وراشيا وحاصبيا في لبنان، كي لا تُستَغَلّ المسألة الطائفية ضد الثورة، وهذا ما فعلتْه فرنسا بالطبع. لقد أكدت بيانات القيادة العامة على حيادية الثورة تجاه المسيحيين، بشكل لا لبس فيه[9].

يقول سلطان الأطرش بوضوح تام، في إحدى رسائله إلى شقيقه زيد، نائب القائد العام للثورة السورية الكبرى، وقائد حملة إقليم البلّان: “حافظوا على المسيحيين وإياكم أن تجعلوا أحداً يأتيهم بسوء. أمّنوهم على أنفسهم وحياتهم وأموالهم وامنعوا التعديات عنهم لأننا كلّنا أبناء وطن واحد وكلّنا عرب سوريون على حد سواء”[10].

نجد في ذلك وعياً عظيماً من القائد العام للثورة بأن لبنان وسورية بلد واحد، وبأن مواطني هذا الوطن الواحد لا فرق بينهم.

إن التجاوزات التي قام بها بعضٌ قليل من الرجال في أثناء الثورة تسيء إلى سمعتها، وقد نبّه القائد العام لهذا الموضوع ودعا إلى قمعه، وأكّد على أن هدف الثورة هو الاستقلال والحرية الكاملة لسورية، وبإمكان أي سوري، من كل الأطياف، الاشتراك فيها، ولا يجوز ارتكاب التجاوزات مطلقاً[11].

فنّد سلطان الأطرش مزاعم فرنسا الكاذبة في ما يخص المسيحيين في البلاد، وأكّد على أن الثورة قامت “بالاشتراك مع إخواننا المسيحيين”[12].

تُرى؛ هل ثمة مَنْ يعتبر من التاريخ؟

[1] المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989، تحقيق د. ريم منصور سلطان الأطرش، بيروت، دار أبعاد، 2021، خمسة أجزاء.

[2] صفحات مجهولة من تاريخ بلاد الشام (من ذكريات أحمد الخطيب)، منيف الخطيب، بيروت، دار النفائس، 2011، ص 69.

[3] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش، راجعها وصحّحها ومهّد لها منصور سلطان الأطرش، دمشق، دار طلاس، ط2، 2008، الصفحة 57.

[4] الوثيقة رقم 14، في، المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه…

[5] الوثيقة رقم 76، في، المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه…

[6] الوثيقة رقم 102، في، المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه…

[7] جبل الدروز… سلطان باشا الأطرش، حنا أبي راشد، القاهرة، مكتبة زيدان، 1925، الصفحة 291.

[8] الوثيقة رقم 76، في، المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه…

[9] الوثيقة رقم 93، في، المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه…

[10] الوثيقة رقم 100، في، المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه…

[11] الوثيقة رقم 105، في، المذكرات الحقيقية لِ سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه…

[12] من أهم الشخصيات المسيحية التي شاركت في الثورة في جبل العرب المجاهد عقلة القطامي؛ ومن أهم الشخصيات المسيحية الدمشقية التي دعمت الثورة المجاهدان يوسف وحبيب الشويري، إضافة إلى الوطني المعروف سعيد عمون.

Print Friendly, PDF & Email
ريم منصور سلطان الأطرش

كاتبة عربية، دمشق

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حلفاء ترامب حائرون يتساءلون: ماذا يريد من الشرق الأوسط؟