نظرية الانضغاط الاستراتيجي على ضوء ثورة الـ(AI) وعالم (VUCA)

كانت إحدى القواعد المتعارف عليها، غير المكتوبة في التاريخ الاستراتيجي، أن إنتاج أثر كبير يحتاج إلى فاعل كبير. فالحرب تحتاج إلى دولة، والجيوش تحتاج إلى ملايين البشر، والقوة الاستخبارية تحتاج إلى مؤسسات واسعة وخبراء مختصين ومال وفير، والتأثير الإعلامي يحتاج إلى شبكات ضخمة، أما القدرات الاستراتيجية المعقدة فتحتاج إلى موارد ومال وبنية تحتية ولوجستيات لا تتوافر عادة إلا للدول والمؤسسات الكبرى؛ لكن هذه العلاقة التاريخية بين حجم الفاعل وحجم الأثر بدأت تتعرض لتبدلات عميقة.

الذكاء الاصطناعي، الأتمتة، الحوسبة السحابية، الشبكات العالمية، الأنظمة الذاتية، التقنيات المدنية مزدوجة الاستخدام، وربما مستقبلاً الحوسبة الكمية، كُلها قد تسمح تدريجياً لفرد أو مجموعة صغيرة جداً بإنتاج بعض الآثار التي كانت تحتاج سابقاً إلى مؤسسة ضخمة. وهذا ليس تغييرا فقط في مفاعيل الدور إنما في مفاعيل القوة نفسها وفي دور المؤسسات وبنيتها.

ومن هنا اقتراح مفهوم الانضغاط الاستراتيجي (Strategic Compression): أي انخفاض الحجم البشري والتنظيمي والمادي اللازم لإنتاج وحدة معينة من الأثر الاستراتيجي. وبذلك قد يكون التحول الأهم في القرن الحادي والعشرين ليس ظهور أسلحة جديدة فحسب، وإنما انهيار الحد الأدنى من الحجم اللازم لكي يصبح الفاعل استراتيجياً.

ظهر في مقاربة لذلك، في الأدبيات المعاصرة تصور قريب هو الفرد فائق التمكين (Super-Empowered Individual)، أي الفرد الذي تمنحه التكنولوجيا قدرات تفوق كثيراً ما كان متاحاً للفرد التقليدي.

لكن التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تسمح بالذهاب إلى أبعد من ذلك. فالمسألة لم تعد مجرد إضافة قوة إلى الفرد، بل يمكن أن تصبح الحالة ضغطاً للمؤسسة داخل الفرد أو الجماعات الصغيرة أو المتفلتة.

كانت المؤسسة التقليدية توزع وظائفها بين مئات أو آلاف الأشخاص: محللين، مترجمين، مبرمجين، مخططين، خبراء إعلام، مراقبين، إداريين، وباحثين وأدوات… أما منظومات الذكاء الاصطناعي والوكلاء الاصطناعيون فقد تجعل فرداً واحداً قادراً على إدارة مجموعة من هذه الوظائف بالتوازي. ويمكن أن تظهر بالتالي وحدة جديدة: أي الإنسان مع الذكاء الاصطناعي بوصفهما مؤسسة اصطناعية مصغرة. والأخطر تفلت الذكاء الاصطناعي نفسه واتخاذ القرارات من ذاته!

وعندئذ لا يعود السؤال: كم شخصاً يملك دور الفاعل؟ بل: كم وظيفة استراتيجية يستطيع تشغيلها في الوقت نفسه؟ وهكذا يتم تعديل النظرية الوظيفية بتعديل حجم الأدوار. وهذا انقلاب مهم في قياس القوة و الأثر الناجم عنها.

فك الارتباط بين الحجم والأثر

يمكن تلخيص المنطق التقليدي للقوة بالعلاقة:

مؤسسة ضخمة تؤدي إلى قدرة ضخمة إلى أثر استراتيجي ضخم. هذا ما كانت عليه مفاهيم القوة؛ أما مع مفهوم الانضغاط الاستراتيجي فالواقع يدفع باتجاه:

مؤسسة صغيرة يمكن أن ينتج عنها استطاعه متقدمة جداً مما ينتج عنها أثر وفعل استراتيجي غير متناسب مع صغرها!

وبذلك يبدأ ما يمكن تسميته فك الارتباط الاستراتيجي (Strategic Decoupling) بين حجم الفاعل وحجم الأثر الذي يستطيع إنتاجه.

فالفاعل الصغير ليس مضطراً إلى امتلاك القوة العسكرية لدولة حتى يصبح فاعلاً استراتيجياً. إذ يكفي أن يستطيع إنتاج حدث يجبر دولة بعينها على تعديل حساباتها أو إنفاق موارد ضخمة أو تغيير سلوكها.

ومن هنا يمكن إعادة تعريف الفاعل الاستراتيجي بأنه: كل فاعل يستطيع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إجبار فاعل أكبر منه على تغيير سلوك ذي أهمية استراتيجية. وهذا ما رأينا في حروب استخدمت فيها الطائرات المسيرة بكثافة كبيرة!

فعلى سبيل المثال: من يسيطر على «العقد ونقاط الاختناق الاستراتيجية» يمتلك قوة قد تواجه قوة دولة عظمى:

مضيق هرمز، قناة السويس، مضيق ملقا، نظام الدولار، شبكات المدفوعات، الرقائق الإلكترونية، المعادن النادرة، البرمجيات، السحابة، نماذج الذكاء الاصطناعي، الأدوية، الغذاء، الموانئ، الكابلات البحرية.. كلها تصبح أدوات قوة.

وهذا يقود إلى انقلاب مهم في مفهوم القوة: فالقوة في القرن العشرين كان كانت تساوي امتلاك الموارد. أما بصورة مختلفة ومن خارج الصندوق: فالقوة في القرن الحادي والعشرين تساوي القدرة على التحكم بتدفق الموارد التي يحتاجها الآخرون. أي أن الموقع داخل الشبكة قد يصبح أهم من الحجم المطلق للقوة.

وهذا يفسر كيف تستطيع دولة متوسطة أو حتى فاعل صغير نسبياً إحداث أثر استراتيجي هائل إذا سيطر على (عقدة) حساسة في النظام الدولي!

لهذا السبب تبدو عبارة دمقرطة الأثر الاستراتيجي (Democratization of Strategic Effect) أدق من عبارة «دمقرطة السلاح» التي تم استخدامها للتعبير عن امتلاك فئات صغيرة لسلاح تمتلكه دول.

فالمهم ليس ما يمتلكه الفاعل، وإنما ما يستطيع أن يجعل الآخرين يفعلونه نتيجة لفعله. أي الأثر الاستراتيجي.

فقد يكون الفعل صغيراً، لكن نتائجه المتسلسلة هائلة. وهذا يشعرنا بأننا نتحدث عن شيء شبيه بأثر الفراشة ولكن الفارق أن أثر الفراشة غير محسوب الاتجاه والقوه بينما أثر الفاعلين في عالم الذكاء الاصطناعي كبير ومحسوب إلى حد ما.

ويمكن تصور ذلك بالعلاقة:

قدرة محدودة → رد فعل نظامي → تأثير استراتيجي غير متناسب

أي عبر بناء دولة مرنة (resilient) استراتيجياً تستطيع تحمل الحصار والعقوبات والهجمات الإلكترونية واضطرابات التجارة والطاقة. تصبح مرونة التحمل الاستراتيجي (Strategic Resilience) جزءاً من القوة القومية.

هنا تظهر فكرة القوة التحفيزية: (Catalytic Power).

فالفاعل الأكثر ذكاءً ليس بالضرورة من ينتج الضرر الأكبر مباشرة، وإنما من يستطيع دفع الجهة المستهدفة إلى إنتاج جزء كبير من التكلفة بنفسها: كاستنفار واسع، وتعطيل احترازي، وإعادة انتشار، واضطراب الأسواق، وقرارات سياسية متسرعة، أو سوء تقدير بين قوى أكبر. أي أن الأثر الاستراتيجي قد يصبح أكبر كثيراً من التصور المبدئي عن الفعل الذي أطلقه.

القوة الشبحية (Ghost Power):

يقود الانضغاط الاستراتيجي إلى شكل جديد يمكن تسميته: القوة الشبحية (Ghost Power).

وهي ليست القوة غير المرئية بمعناها البسيط، وإنما:

القدرة على إنتاج أثر استراتيجي مرتفع مع إبقاء البصمة اللازمة لإنتاجه منخفضة. أي عدم معرفة من يقف وراء إنتاج الأثر الاستراتيجي إن أرادت جهة إخفاءه.

وتشمل هذه البصمة:

البصمة البشرية، والتنظيمية، والجغرافية، والمالية، واللوجستية، والاتصالية، وإمكانية الكشف، وإمكانية الإسناد (Attribution). وتحميل المسؤولية.

ومن ثم يمكن التفكير في نسبة تقريبية تقول:

كلما ارتفع الأثر وانخفضت البصمة ارتفعت «شبحية» القوة.

وهنا تصبح القوة الاستراتيجية أقل ارتباطاً بما نراه وأكثر ارتباطاً بما يمكن أن يحدث دون أن نستطيع بسهولة تحديد البنية التي أنتجته.

نحن ربما في عالم اليوم لا ننتقل فقط من النظام الدولي إلى اللا نظام، وإنما:

 من «النظام» إلى النظام الشبكي.

لن تختفي القواعد، وإنما ستصبح متعددة ومتداخلة. ولن تختفي المؤسسات، لكنها ستفقد احتكارها. ولن تختفي التحالفات، لكنها ستصبح مؤقتة ووظيفية.

وهنا تصبح الوحدة الأساسية في السياسة الدولية ليست «القطب» بمفاعيله المعروفة فقط، وإنما العقدة (Node).

فالدولة التي تسيطر على عقدة مهمة في شبكة عالمية تستطيع إنتاج قوة أكبر بكثير من وزنها التقليدي.

فالقوة الاستراتيجية لم تعد متناسبة بالضرورة مع الحجم الجغرافي أو العسكري للفاعل؛ بل مع قدرتها على الوصول إلى نقاط الاختناق، والعقد النوعية في عالم التشابك الذي هو ميزة عالم مابعد الحداثة وتعطيل الشبكات الترابطية وإنتاج أثر غير متناسب مع حجمه.

الفاعل الاستراتيجي عديم الكتلة

ومن هذه النقطة يمكن الانتقال إلى مفهوم آخر: الفاعل الاستراتيجي عديم الكتلة (Massless Strategic Actor).

والمقصود ليس انعدام الكتلة حرفياً، وإنما انخفاض الكتلة المادية والتنظيمية مقارنة بحجم الأثر! فالدولة التقليدية تحتاج إلى أرض وسكان ومؤسسات وموازنات وقواعد ومنشآت وسلاسل إمداد.

أما الفاعل الشبكي الجديد ، فقد تكون بنيته المادية محدودة بينما ينتشر عمله عبر البنية العالمية.

وهكذا قد ننتقل من عالم القوة المتمركزة جغرافياً إلى: القوة الموزعة شبكياً. فتصبح الجغرافيا أقل قدرة وحدها على تفسير توزيع القوة.

إقرأ على موقع 180  ميقاتي يقطف "اللحظة" لبنانياً.. بضمانة "الوزراء الملوك"!

كل هذا يؤدي إلى تبدل نوعي في المفاهيم المرتبطة بالنظام الويستفالي ومن أمثلتها الجديدة:

صعود مفهوم السيادة المفككة

فالأكثر إثارة هو أن هذا التحول قد يمس مفهوم السيادة نفسه. فقد لا يمتلك الفاعل الصغير دولة، لكنه قد يمتلك وظيفة من وظائف الدولة.

ومن هنا يمكن الحديث عن: السيادة المفككة أو غير المجمّعة (Unbundled Sovereignty).

أي انفصال بعض القدرات التي كانت مجتمعة تاريخياً داخل الدولة، وإمكانية امتلاكها بصورة منفردة بواسطة فاعلين آخرين وحتى بدون أحجام الدول. وهذا يعني الانتقال من السؤال:

من هو صاحب السيادة؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يمتلك أية وظيفة من وظائف السيادة؟ وما هو حجم تأثيرها؟

وقد تظهر بذلك أشكال من السيادة الميكروية (المجهرية MicroSovereignty) : تتمثل في جيوب وظيفية صغيرة من القدرة السيادية موزعة بين شركات وشبكات وجماعات وأفراد وربما جماعات متمردة عابرة للجغرافيات و قد تكون منظومات بشرية-اصطناعية، وقد نذهب بعيداً للحديث عن الذكاء الصناعي المتفلت في سيناريوهاته المستقبلية. وهذا ما يبدل مفهوم السيادة بشكل نوعي.

القوة السائلة

ينتج عن كل ما سبق تحول آخر لا يقل أهمية. فالقوة التقليدية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على المخزون (Stock): من عدد الجنود والطائرات والسفن والقواعد والمصانع…الخ. أما بعض القدرات المستقبلية فستكون أكثر سيولة.

فالمعرفة بشكل عام، والبرمجيات، والحوسبة، والخدمات الرقمية، والخبرات المتخصصة، وبعض الأنظمة المؤتمتة يمكن جمعها وإعادة تركيبها ونقلها بسرعة أكبر كثيراً من القدرات المادية التقليدية.

وهكذا ننتقل جزئياً من معادلة قوة المخزون إلى قوة التدفق: (Stock PowerFlow Power)

وخاصة لجهة تدفق المعلومات التي تتحول بدورها إلى قدرات مادية.

وهذا يغير السؤال الاستخباري جذرياً. فبدلاً من أن نسأل فقط:

ماذا يمتلك الفاعل الآن؟

ينبغي أن نسأل: ماذا يستطيع تجميعه من مفاعيل القوة بسرعة؟

كيف يمكنني أن يتحول بسرعة في ميزان القوة الذي نراه والذي يمكن أن ينتج بسرعة فائقة.

القدرة الاستراتيجية الكامنة

من هنا ينبثق مفهوم شديد الأهمية: القدرة الاستراتيجية الكامنة (Latent Strategic Capability).

قد يبدو الفاعل في لحظة معينة محدود القدرة، لكنه يمتلك المعرفة والعلاقات والوصول إلى التكنولوجيا والموارد التي تسمح له بتجميع قدرة أكبر خلال فترة قصيرة. وهذا ما قصدناه قبل قليل بسيولة التحول من المعلومات إلى القدرة المادية والاستراتيجية.

وبذلك لا تصبح القوة هي ما يملكه الفاعل بالفعل فقط، وإنما القدرة الكامنة:

فتكون القوة مساوية للقدرة الموجودة وسرعة التحول في القدرات الكامنة إلى قدرة مادية واستراتيجية.

وهذا يقود إلى متغير جديد: وهو تعيين زمن التحول إلى القدرة الاستراتيجية. فيكون السباق مع الزمن هو معيار تحول القدرة الكامنة إلى قدرة مادية فاعلة: (Time to Strategic Capability) —ولنرمز إليه اختصاراً بـ(TSC).

فكلما انخفض الزمن اللازم للانتقال من الإمكانية الكامنة إلى القدرة الفعلية، أصبح الفاعل أكثر أهمية استراتيجياً حتى لو كانت بصمته الحالية محدودة.

وبهذا يصبح الزمن المضغوط بذلك أحد أهم مقاييس القوة في المستقبل.

كل ما سبق يمكن أن ينقلون إلى مصطلح جديد له أهمية قصوى في عالم اللا يقين:

تسليح عدم اليقين

أخطر نتائج القوة الشبحية قد لا تكون القدرة نفسها، بل عدم اليقين الذي تنتجه. فالسؤال المهم هنا هو:

من قام بالفعل؟ هل هو فرد؟ أم جماعة؟ أم دولة؟ أم وكيل لدولة؟ وهل تصرف بصورة مستقلة؟ هل العملية حدث منفرد أم بداية سلسلة؟ ما الذي يستطيع فعله لاحقاً؟ وما هي حدود القوة لديه الحالية و المقبلة؟

هنا يصبح عدم اليقين نفسه مورداً استراتيجياً!

ويمكن تسمية ذلك: تسليح عدم اليقين (Weaponization of Uncertainty).

فالخصم الذي لا يعرف طبيعة التهديد يضطر إلى توزيع موارده على مجموعة واسعة من الاحتمالات. وبذلك يستطيع فاعل صغير إجبار فاعل كبير على تحمل تكلفة عدم اليقين.

وهذه نقطة جوهرية: فقد لا يحتاج الفاعل الصغير إلى امتلاك موارد كبيرة؛ يكفي أحياناً أن يجبر خصمه على إنفاق موارد كبيرة لأنه لا يعرف حدود قدرته. فعالم اللايقين يدفع الطرف الذي لا يعرف إلى استهلاك موارد كبيرة.

الردع بلا عنوان

وهنا تظهر مشكلة تاريخية بالنسبة إلى نظريات الردع. فالردع التقليدي يحتاج إلى ثلاثة عناصر تقريباً:

فاعل معروف و أصول يمكن تهديدها و علاقة واضحة بين الفعل والعقاب.

لكن ماذا يحدث إذا أصبح الفاعل موزعاً، صغيراً، متحركاً، أو كانت علاقته بالدولة الراعية قابلة للإنكار؟ والأخطر من كل ذلك ماذا لو كان الفاعل عبارة عن مجموعة مارقة أو غير متعينة والأخطر ماذا لو كان ذلك من نتاج الذكاء الاصطناعي!

هنا نصل إلى ما يمكن تسميته: معضلة الردع بلا عنوان. أي بدون تعيين الإسناد (Addressless Deterrence).

فالتهديد موجود، لكن «العنوان الاستراتيجي» الذي ينبغي توجيه الرد إليه غير واضح.

ويصبح لدينا: أثر استراتيجي بلا عنوان استراتيجي واضح؛ وهذا قد يضعف الردع التقليدي، لكنه يولّد أيضاً خطراً معاكساً: الإسناد الخاطئ.

فإذا تعرضت دولة لحدث استراتيجي كبير ولم تستطع معرفة الفاعل بدرجة كافية من الثقة، فقد ترد على الطرف الخطأ ويؤدي ذلك إلى حروب استراتيجية في عالم من العماه (chaos). وعندها يمكن لفعل صغير أن يصبح محفزاً لصراع كبير ويدخل العالم في فوضى عارمة!

الوكيل غير المأمور

يزداد الأمر تعقيداً مع ظهور ظاهرة يمكن تسميتها الوكيل غير المأمور (Uncommanded Proxy).

فالنموذج التقليدي للوكالة هو: (StateProxyAction)؛ أي الدولة تدعم وكيلاً يقوم بدور الوساطة ويقوم بدوره بالفعل.

لكن البيئة الشبكية تسمح بنموذج آخر:

أي أن فاعلاً مستقلاً قد يقوم بعمل يتوافق موضوعياً مع مصالح دولة ما دون أن تكون تلك الدولة قد أمرته بذلك. أوقد تستفيد تلك الدولة من النتيجة، أو تتبناها سياسياً، أو تساعد الفاعل لاحقاً. أي بصبح ذا دور يتجاوز فعل الوكيل إلى الشريك حتى لو كان فاعلاً محدود الوزن أو الكتلة الظاهرة.

وهنا يصبح الخط الفاصل بين الوكالة والاستقلال والتوافق العرضي في المصالح شديد الغموض.

وينج عن ذلك: انهيار الوحدة التقليدية للتحليل الاستراتيجي.

لهذا قد تكون المشكلة الأعمق أن ثنائية:

الدولة/الفاعل من غير الدولة (State /Non-State Actor).

لم تعد كافية. فقد يصبح النظام الدولي طيفاً متصلاً:

الدولة → المؤسسة → شبكة الوكلاء → المجموعة الصغيرة → الفرد الاستراتيجي → الوحدة البشرية-و تفلّت الذكاء الاصطناعي ذاتياً أو بتأثير جماعة تمتلكه→ شبكة الوكلاء المستقلين. وهنا تظهر وحدات قوة هجينة لا تنتمي بالكامل إلى أي تصنيف تقليدي.

ومن ثم قد نكون أمام بداية:

النظام الاستراتيجي ما بعد المؤسسي (Post-Institutional Strategic Order).

ولا يعني ذلك اختفاء المؤسسات أو الدول، بل انتهاء افتراض أن المؤسسة الكبيرة شرط ضروري لإنتاج الفعل المؤثر الكبير.

كل ما سبق جزءٌ لا يتجزأ من عالم اللا يقين والتشابك المتعقّد والهشاشة والالتباس؛ عالم (VUCA).

Print Friendly, PDF & Email
عماد فوزي شُعيبي

كاتب وباحث عربي

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  شيرين.. يا ربيعاً أزهر دماً