الدولة التي اشتهاها موسى الصدر قبل 48 عاماً.. ما زالت فكرة!

ثمانية وأربعون عاماً على غياب الإمام السيد موسى الصدر. غيابٌ ما زال أبعد من قضية رجل خرج في رحلة ولم يعد.. لقد غاب الصدر في واحدة من أكثر لحظات لبنان قسوة وحساسية، حين كانت الحرب اللبنانية، منذ عام 1975، تمزق المجتمع اللبناني، بينما كان الجنوب اللبناني مكشوفاً أمام الخطر الإسرائيلي بعد اجتياح 1978. بعد قرابة نصف قرن، تبدّلت الوجوه والتحالفات والحروب، لكن أسئلة كثيرة بقيت معلّقة: أي دولة يريدها اللبنانيون؟ أي مواطنة تجمعهم؟ وكيف يمكن حماية وطن متعدد من خطر الخارج إذا ظل داخله هشاً، ومنقسماً؟ وهنا، تحديداً، تستعيد أفكار الصدر راهنيتها.

خطر الخارج وهشاشة الداخل

بدأ الإمام موسى الصدر بتفكيك إحدى علل هذه الدولة. ففي القاهرة، وخلال مشاركته في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية في 5 آذار/مارس 1970، أدلى بحديث إلى مجلة «المصور» المصرية، أعادت «الأنوار» اللبنانية نشره في 7 آذار/مارس. وعندما سُئل عن النظام الطائفي والدعوة إلى العلمانية، رفض اعتبار الطائفية امتداداً للدين؛ فهو لا يعتقد «أن الطائفية التي تشكل قاعدة الحكم في لبنان هي من الدين، ولكنها وضعت كتصنيف بين المواطنين وتقسيم الحكم إلى حقوق وواجبات بينهم…». وبالتالي، شكّلت الطائفية، برأيه، معياراً لتصنيف المواطنين وتقسيم الحقوق والواجبات، مؤكداً، بما لا يدعو إلى الشك، أن «الطائفية بحث سياسي وليس دينياً». فلم تكن المشكلة عنده في وجود الطوائف؛ فالتعدد جزء من تعريفه للبنان، وإنما في تحويل الدين إلى قاعدة لتوزيع السلطة والوظيفة والامتياز.

ثمّ حذّر الصدر، في حوار أجرته معه إيفلين مسعود ونشرته “لا ريفي دي ليبان” (La Revue du Liban) في 17 أيلول/سبتمبر 1970، مستشرفاً آفاق مرحلته، من الانقسام الداخلي وتراخي الدولة، وأنه، في حال استمرت الأمور على وتيرتها الحالية، و«اتسمت أقوالنا وأفعالنا دائمًا بنقص في الصراحة والحزم، فإن مشكلتنا سوف تصبح أكثر حدة من مشكلة الأردن»… «إن العهد الجديد ـ عهد الرئيس سليمان فرنجية ـ سوف لن يتمكن من تأمين الاستقرار في لبنان، وأعتقد بأنه يتحتم علينا وبسرعة تحقيق مشروع خدمة العلم، وبأن ندرب الناس على استخدام السلاح، وبأن نعتمد سياسة وطنية واعية». وختم مقابلته بنداء: «الوضع في الجنوب هو أكثر خطورة من أي وقت مضى.. والمشكلة التي بإمكاننا حلها اليوم، سوف لا نستطيع حلها بعد مضي عدة أشهر».

وفي 30 حزيران/يونيو 1973، بلور البديل بصورة أوضح، في حواره مع وليد زهر الدين في مجلة «كلّ شيء» اللبنانية، تحت عنوان «المقاومة والنظام والشيعة»، وذلك بعد الصدام المسلح والتوترات السياسية التي وقعت آنذاك بين السلطة اللبنانية وفصائل المقاومة الفلسطينية، فدعا إلى تحويل النظام الطائفي إلى «نظام ديموقراطي يعتمد على الكفاءات»، وأضاف: “في النظام الطائفي الحالي، لم تتحقق المساواة، وتوزّعَ الزعماءُ المغانمَ على موائد الاجتماعات والطعام، وبقي الشعب محروماً».

عندما يغيب الحكم يبتعد الناس بعضهم عن بعض

بعد أسابيع من اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، أجرت مهى عريضة حواراً معه في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية، في 8 أيار/مايو 1975، حمل عنوان «مسؤوليتنا تاريخية». وقد أرجع مشهد الاقتتال إلى غياب السلطة واستغلال السياسيين للأحداث، ما أحدث انقساماً وتدهوراً مجتمعياً، قائلاً: «إنّ الحل من خلال الاتفاقيات التي كانت والوسائل التنفيذية التي توفرت كان موفورًا ومتمكنًا منه، ولكن استغلال السياسيين أو بعض السياسيين من جهة، والوضع الاجتماعي المتدهور بالدرجة الأولى من جهة أخرى، ذلك الوجه الاجتماعي الذي جعل الناس يتفككون ويضعف أملهم في السلطات ويبتعدون عن السلطات ويبتعدون عن بعض بطبيعة الحال، ويشكلون جوًا في المجتمع اللبناني خصبًا لأي انفجار».

لعل هذه واحدة من أكثر عباراته صلاحية لقراءة لبنان الراهن. فعندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، لا تنكسر علاقته بالسلطة وحدها؛ وإنما تبدأ علاقته بالمواطن الآخر بالاهتزاز أيضاً. وعندها تتحول الجماعة الطائفية أو الحزبية أو المناطقية إلى ملاذ بديل، وتصبح البلاد أكثر قابلية للاختراق الخارجي.

وفي الحوار نفسه، حذّر من عدم استخلاص العبرة من التجارب، قائلاً إنه إذا لم توضع بعد الأحداث آليات للتفاهم وتحديد المسؤوليات، «فيجب أن نتوقع أحداثاً أكثر وأشد».

وفي 29 أيلول/سبتمبر 1975، انتقل الصدر إلى تشخيص الآلية التي تحمي هذا العجز. ففي حوار أجراه معه سمير شاهين وفاطمة السردوك في مجلة «الأسبوع العربي» بعنوان «الثورة وسيلة لا غاية»، قال: «الطائفية تحمي الإقطاع، وتعطي للزعماء السياسيين طابع القداسة». فحين يصبح الزعيم ممثلاً للطائفة، تتحول محاسبته بسهولة إلى اعتداء على الجماعة، ويصبح الفشل السياسي قابلاً لإعادة الإنتاج.

«الدولة المؤمنة»: البحث عن طريق ثالث

وصل الصدر إلى الصيغة الأكثر اكتمالاً في 14 شباط/فبراير 1976، وسط الحرب. ففي مقابلة مع مجلة «كل شيء» سُئل: هل أنتم مع علمنة مؤسسات الدولة؟

رفض الاختيار بين الطائفية والعلمنة كما كان يفهمها، واقترح «تأسيس الدولة المؤمنة» باعتبارها خياراً ثالثاً، يكون فيه الإيمان بالله وما ينتج منه من التزام بالقيم أساساً أخلاقياً مشتركاً بين المسلمين والمسيحيين.

لكن «الدولة المؤمنة» لا تعني عنده ثيوقراطية أو دولة رجال دين. فالصدر كان يريد دولة لا تحدد حقوق المواطن بمذهبه، ولا تجعل الكفاءة رهينة الهوية الدينية. وقد ازداد موقف الصدر من العلاقة بين الدين والدولة وضوحاً في أواخر تجربته. ففي مقابلة أجراها أنطوان شكرالله حيدر ونشرتها مجلة «الحوادث» في كانون الأول/ديسمبر 1976، أكّد أن العلمنة، «بمعنى ألا يكون مصدر السلطة التنفيذية هو الدين، كما كانوا يقولون عن الملوك بأنهم ظلال الله على الأرض، أو بمعنى ألا يكون مصدر التشريعات هو الدين، إن العلمنة بأحد المعنيين هذين كانت وستبقى في لبنان». وقد استثنى الأحوال الشخصية، فإنها: «كما تبدو من اسمها مرتبطة بحرية الإنسان واختيارها بمعزل عن حكومة السلطة وفرضها، ولذلك فهي تتنافى مع هذه الحرية الشخصية التي ترتبط في حياة الإنسان الحميمة…».

إقرأ على موقع 180  أوروبا بين أحزاب تقليدية عاجزة.. ويمين شعبوي متطرف!

لذلك، يمكن وصف نموذجه بأنه قريب من «الدولة المدنية المؤمنة»: مدنية في مصدر السلطة والمؤسسات، ديموقراطية في شرعيتها، مواطنية في الحقوق، تعددية في الاجتماع، ومؤمنة في منظومة القيم التي تريد للسياسة أن تخضع للعدل والكرامة الإنسانية، لا للمصلحة المجردة.

من الفكرة إلى الدولة

انتقل الصدر من المبادئ إلى برنامج إصلاحي شبه متكامل. ففي «ورقة العمل للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية»، التي أعلنها في 11 أيار/مايو 1977، والتي أقرّها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كوثيقة إنقاذية متكاملة للبنان في خضم الحرب اللبنانية، عرّف لبنان بأنه جمهورية ديموقراطية برلمانية تقوم على حرية الرأي والمعتقد، وفصل السلطات، والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. ورأى أن أول واجبات الدولة إنماء روح المواطنة، داعياً إلى إلغاء الطائفية السياسية، واعتماد الكفاءة، وإصلاح القضاء والإدارة، وإعادة بناء الجيش، وحل الميليشيات وجمع سلاحها، وبناء ثقافة وطنية تحفظ الوثائق والذاكرة التاريخية للمجتمع.

إنها ترجمة مؤسساتية لـ«الدولة المؤمنة»: ليست دولة وعظ أخلاقي؛ بل دولة قانون وعدالة ومؤسسات ومواطنة.

عودٌ على بدء

تبدو المسافة بين الأسئلة التي طرحها الإمام موسى الصدر والواقع اللبناني الراهن أقصر مما ينبغي، رغم مرور ثمانية وأربعين عاماً على تغييبه. فما زال الخطر الإسرائيلي قائماً، وما زالت الدولة أضعف من أن تحتكر الحماية والقرار، وما تزال الطائفية تعيد إنتاج نفسها في السياسة والإدارة والوعي، فيما تتزاحم التدخلات الخارجية على بلد لم ينجح بعد في بناء مناعة داخلية تكفي لحماية كيانه ومجتمعه.

لم ينظر الصدر إلى لبنان بوصفه قدراً محكوماً بالهشاشة. فقد ارتكزت رؤيته حول «الدولة المؤمنة» على أنّ قوة لبنان لا تأتي من طائفة غالبة، ولا من توازن خوف دائم بين جماعاته، ولا من استقواء فريق بالخارج؛ بل من دولة يثق بها مواطنوها لأنها عادلة، وقادرة، وغير منحازة، ومن مواطنة تجعل الانتماء إلى الوطن سابقاً على الامتياز الطائفي من دون أن تلغي الدين أو التعدد.

ومن هنا، لا تبدو اليوم فكرة «الدولة المؤمنة» من زمن مضى، بقدر ما تجسّد سؤالاً مفتوحاً أمام المستقبل: هل يستطيع اللبنانيون تحويل إيمانهم المتعدد إلى منظومة قيم مشتركة، وتحويل تنوعهم من أداة اقتسام للدولة إلى أساس لإغنائها، وتحويل ذاكرتهم المثقلة بالحروب إلى خبرة تمنع تكرارها؟

قد لا يكون الطريق قصيراً، لكن البديل بات معروفاً أيضاً: مزيد من الفراغ، ومزيد من الارتهان، ومزيد من الحروب التي يدفع المجتمع ثمنها كل مرة.

ولعلّ أكثر ما يبقى من موسى الصدر اليوم هو هذه الحقيقة البسيطة والصعبة معاً: لبنان لا يُحمى فقط عند حدوده، بل يُحمى أولاً في داخل دولته؛ حين يؤمن المواطن بها، وحين تصبح العدالة أساس الشرعية فيها، والمواطنة أساس الشراكة، والدولة مرجع الجميع.

عندها فقط يصبح سؤال الغياب أقل إيلاماً؛ لأن بعض حضور الرجل يكون قد عاد في الدولة التي حلم بها ولم تُبنَ بعد.

 

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  سؤالٌ إلى أنطون سعادة في زمن الأزمة اللّبنانيّة الكبرى (1)