وفقاً لمفاهيم الجيوبوليتيك الكلاسيكية، تمثل الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل ضمن البنية الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، قوى بحرية من خارج الإقليم (Extra-regional Maritime Powers) تسعى إلى منع قوة قارية منافسة من الهيمنة على حزام الحافة الأوراسي. وفي المقابل، تستند «القلعة الإيرانية»، الواقعة جغرافياً ضمن «الريملاند» ولكن المتصلة مباشرة بالعمق القاري الأوراسي، إلى عمقها الاستراتيجي الذي توفره الهضبة الإيرانية والسلاسل الجبلية واتصالها بالمجال الآسيوي الداخلي، بما يساعدها على مقاومة الضغوط الآتية من البحر والحد من قدرة القوى الغربية على اختراق مجالها الحيوي.
وقد تمكنت إيران، بفضل التكنولوجيا العسكرية الحديثة، من التعويض جزئياً عن ضعفها النسبي في القوة الجوية والبحرية التقليدية من خلال تطوير ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمُسيّرات المنخفضة الكلفة نسبياً، فضلاً عن الصواريخ المضادة للسفن والألغام والقطع البحرية الخفيفة. وتندرج هذه القدرات ضمن استراتيجية أوسع لـ«منع الوصول/حرمان المنطقة» (Anti–Access/Area Denial)، هدفها رفع كلفة اقتراب القوات المعادية وعملياتها في المجالات البحرية المحيطة بإيران، وخصوصاً الخليج وبحر عُمان ومضيق هرمز، وتمتد آثارها الاستراتيجية، عبر حلفاء إيران وشركائها الإقليميين، إلى البحر الأحمر.
وباتت السيطرة على شبكات النقل والاتصال الدولية ــ التي كانت السكك الحديدية تحتل مكانة مركزية فيها لدى ماكيندر ــ تتمظهر اليوم في محورين أساسيين من محاور المواجهة.
المحور الأول هو الحاجز الطبيعي المتمثل بمضيق هرمز، بوصفه إحدى أهم عقد الاختناق في «الريملاند» وشرياناً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية. ومن خلال القدرة على تهديد الملاحة في المضيق بالصواريخ المضادة للسفن والمُسيّرات والألغام والوسائط البحرية غير المأهولة، تطبق إيران صيغة حديثة من استراتيجية منع الوصول، لا تُسقط التفوق البحري الأميركي في ذاته، وإنما تقلص حرية استخدامه وترفع كلفة تشغيله في فضاء بحري ضيق ومزدحم وحساس للاقتصاد العالمي.
أما المحور الثاني فهو الحاجز الافتراضي، أي الفضاء السيبراني، حيث أظهرت الموجات السيبرانية المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أن شبكات الاتصالات والإنترنت والبنى الرقمية أصبحت جزءاً من ميدان الصراع الجيوسياسي نفسه. وقد تعرضت بنى تحتية ومؤسسات ومنظومات معلوماتية إيرانية لهجمات سيبرانية، فيما شهدت البلاد اضطرابات وانقطاعات واسعة في الاتصال بالإنترنت. وهنا لم تعد السيطرة على المجال تعني احتلال الأرض وحدها، بل القدرة أيضاً على تعطيل شبكات الخصم، واختراق منظومات القيادة والسيطرة، والتحكم بتدفقات المعلومات والاتصالات.
وإذا كانت إحدى ركائز تصور ماكيندر هي ما يوفره العمق القاري من حماية نسبية في مواجهة القوة البحرية، فإن الثورة التكنولوجية المعاصرة تقلص جانباً مهماً من هذه الميزة. فـ«الشفافية الاستراتيجية» المتزايدة، الناتجة من الاستطلاع الفضائي والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي ودمج بيانات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR)، تجعل إخفاء المنشآت والتحركات العسكرية أكثر صعوبة. وقد ساهمت هذه القدرات في إخضاع مواقع ومنشآت إيرانية للمراقبة والاستهداف الدقيق. كذلك أظهرت عمليات استهداف قيادات وشخصيات إيرانية، وما رافقها من ضربات منسقة ودقيقة داخل العمق الإيراني، قدرة منظومات الاستخبارات والأسلحة بعيدة المدى على تجاوز جانب من الحواجز الجغرافية التي كانت توفر تاريخياً الحماية لمراكز القيادة.
وهكذا تقدم الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران دليلاً على أن الأسئلة التي طرحها جيوبوليتيك ماكيندر لم تفقد أهميتها، بقدر ما أعادت التكنولوجيا صياغة أدوات الإجابة عنها. فإيران تحاول حماية موقعها وعمقها عبر شبكات عسكرية غير متماثلة، وترسانات صاروخية ومُسيّرات وقدرات لمنع الوصول، في حين يوظف المحور الأميركي-الإسرائيلي تفوقه في الاستطلاع والفضاء والسيبرانية والذكاء الاصطناعي والأسلحة الدقيقة لتقليص المزايا التي تمنحها الجغرافيا لهذه «القلعة» الواقعة عند تخوم المجال القاري الأوراسي.
وتقودنا رؤية ماكيندر المتمحورة حول مركزية أوراسيا، باعتبارها قلب «الجزيرة العالمية»، إلى نيكولاس سبايكمان ورؤيته التي منحت «حزام الحافة» أو «الريملاند» أهمية حاسمة في احتواء منطقة القلب ومنع قوة واحدة من الهيمنة على أوراسيا. وما يهمنا في هذه المناظرة أن مضيق هرمز يمثل إحدى عقد الترابط الاستراتيجي بين المنطقين: فهو، وفق قراءة سبايكمانية معاصرة، شريان بالغ الأهمية في الحزام البحري الأوراسي، الأمر الذي يجعل إبقاء هذا المعبر مفتوحاً مصلحة استراتيجية أميركية، ويحول دون تمكين إيران ــ وما قد يترتب على ذلك من فوائد للصين وروسيا ــ من امتلاك قدرة حاسمة على تعطيل جزء شديد الحساسية من الشبكة البحرية المحيطة بأوراسيا.
غير أن تطورات الصراع تشير إلى أن إيران، من خلال التهديد بتعطيل الملاحة باستخدام قدرات غير متماثلة، مثل المُسيّرات والصواريخ المضادة للسفن والألغام البحرية، تستطيع امتلاك قدرة معتبرة على «منع الوصول» أو رفع كلفته، بما يوفر لها أداة لحماية مجالها الاستراتيجي وردع بعض أشكال الاختراق الأميركي. ومن هنا تنشأ علاقة غير متماثلة بين الطرفين: تستطيع إيران إيقاع أضرار مرتفعة الكلفة في عقد جغرافية محددة، فيما تمتلك واشنطن أدوات مختلفة وأوسع نطاقاً، تشمل التفوق العسكري التقليدي، والنظام المالي، والعقوبات، والقدرة على التأثير في التأمين والشحن البحري والتدفقات التجارية.
وتشي عملية “ليّ الأذرع” حول مضيق هرمز بأن جيوبوليتيك القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني مجرد مواجهة بين الجيوش من أجل السيطرة على الأراضي، بل باتت تضع القدرة على الانتشار العسكري البحري العالمي، التي تمتلكها الولايات المتحدة دفاعاً عن نظام دولي ترتبط به التجارة والطاقة والتمويل، في مواجهة قوة إقليمية ذات قاعدة قارية مثل إيران، ترى أنها قادرة على رفع كلفة الحصار والضغط البحريين وتعطيل سياسة «الضغوط القصوى» الهادفة إلى خنق اقتصادها.
أكثر من ذلك، فإن هذه الجيوبوليتيك المتحولة بفعل الثورة في الشؤون العسكرية والتكنولوجيات الرقمية لا تكتسب معناها الكامل ما لم تساعدنا على إدراك أن التركيز الأميركي على منع إيران من اكتساب قدرة مهيمنة على أجزاء حساسة من الحزام البحري لأوراسيا يتزامن مع محاولات الصين وروسيا تعزيز الترابط داخل الكتلة الأوراسية عبر الممرات البرية والسكك الحديدية وشبكات الطاقة والبنى الرقمية. وفي الوقت نفسه، أخذ أحد محاور القوة العالمية ينتقل إلى البنى التحتية التكنولوجية والشبكات الرقمية، بحيث لم يعد ممكناً قياس أهمية المجال الجغرافي المركزي، أي أوراسيا، بالسيطرة على السكك الحديدية البرية وحدها، وإنما أيضاً بالتحكم في تدفقات البيانات، وشبكات الأقمار الصناعية، والأسلحة الدقيقة بعيدة المدى، والكابلات والألياف الضوئية البرية والبحرية، ومراكز البيانات وسلاسل توريد التكنولوجيا المتقدمة.
طوال ثمانية عقود، تمتعت الولايات المتحدة وائتلافاتها المنتشرة على امتداد أجزاء واسعة من «الريملاند» بأفضلية استراتيجية كبيرة بفضل القوة البحرية، ونظام الدولار، وشبكة القواعد العسكرية والتحالفات، والقدرة على احتواء القوى القارية الأوراسية. لكن قواعد اللعبة تبدو اليوم أكثر تعقيداً، إذ تتزايد مستويات الترابط بين القوى الكبرى في أوراسيا، فيما تدفع العقوبات إلى إنشاء آليات بديلة للتمويل والتجارة والنقل. وبهذا المعنى، أصبحت عملية عزل الكتلة البرية الأوراسية وتطويقها أكثر صعوبة، ولا سيما أن الصين، بوصفها «مصنع العالم»، تجمع بصورة متزايدة بين عناصر القوة البرية والبحرية عبر شبكة من المرافئ والسكك الحديدية والممرات التجارية.
وقد سعت الصين، عبر مبادرة «الحزام والطريق»، إلى تنويع مسارات اتصالها بالعالم وتقليل اعتمادها الحصري على الممرات البحرية، فيما توفر روسيا عمقاً جغرافياً وموارد هائلة من الطاقة والمواد الخام والحبوب. أما إيران فتمثل عقدة محورية بين أجزاء من «الريملاند» والعمق الأوراسي، وتؤدي وظيفة ممر بري مهم ضمن «ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب» (International North–South Transport Corridor – INSTC)، الذي يربط المحيط الهندي والخليج بإيران وبحر قزوين وروسيا والأسواق الأوراسية. ومن دون العقدة الإيرانية، تصبح خيارات الاتصال بين روسيا والمحيط الهندي، وكذلك بعض مسارات الربط الأوراسي التي تستفيد منها الصين، أضيق وأكثر اعتماداً على الممرات التي تستطيع القوى البحرية الغربية التأثير فيها.
أما العامل الذي يغير قواعد اللعبة القديمة فهو تنامي التعاون والتنسيق بين روسيا والصين وإيران بأشكال ومستويات متعددة، من الطاقة والتجارة والنقل إلى المناورات العسكرية وبعض أشكال التعاون الدفاعي والتكنولوجي. ويكشف هذا الاتجاه عن تزايد الترابط الأوراسي عبر الممرات والسكك والكابلات والعقود وشبكات الطاقة، فيما تعمل الصين على تعزيز موقعها كقوة عالمية تجمع، بصورة غير مسبوقة في تاريخها الحديث، بين مشروع قاري واسع تمثله مبادرة «الحزام والطريق» وقوة بحرية متنامية.
في المقابل، يواجه ائتلاف دول الحافة تحديات ناجمة عن تباين المصالح والأهداف بين مكوناته. فالولايات المتحدة تقف على رأس شبكة واسعة من التحالفات الأمنية والشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، إلا أن بعض حلفائها باتوا ينظرون بقلق إلى النزعات الأحادية في السياسة الأميركية وإلى الكلفة الاقتصادية والأمنية لبعض خيارات واشنطن. وقد انعكس جانب من هذه التباينات في المواقف من الحرب على إيران، حيث امتنع عدد من الحلفاء الأطلسيين عن الانخراط المباشر أو سعوا إلى النأي بأنفسهم عن بعض الخيارات العسكرية الأميركية، في الوقت الذي تلتقي فيه روسيا والصين وإيران، على الرغم من اختلاف مصالحها وعدم تشكيلها تحالفاً متجانساً بالمعنى التقليدي، عند الرغبة في تعديل بنية النظام الدولي وتقليص الهيمنة الأميركية عليه.
***
شرح المصطلحات:
1 ـ الهارتلاند (Heartland): مفهوم ارتبط بهالفورد ماكيندر، ويشير، مع تغير حدوده بين صياغاته المختلفة، إلى القلب القاري المحمي نسبياً من القوة البحرية داخل أوراسيا. ولا يصح استخدام المصطلح مرادفاً لأوراسيا كلها.
2 ـ الريملاند (Rimland): مفهوم طوّره نيكولاس سبايكمان للدلالة على الحزام الساحلي وشبه الساحلي المحيط بالقلب الأوراسي، الممتد عبر أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق آسيا. ومن هذا المنظور تقع إيران في «الريملاند» أكثر مما تقع في «الهارتلاند».
3 ـ القوى البحرية من خارج الإقليم (Extra-regional Maritime Powers): قوى تمتلك القدرة على إسقاط القوة العسكرية والبحرية إلى منطقة جغرافية لا تنتمي إليها مباشرة. والمصطلح أدق هنا من «القوى البحرية الخارجية» (External Naval Forces)، لأنه يصف الموقع الجيوسياسي للقوة وليس الوحدات البحرية وحدها.
4 ـ منع الوصول/حرمان المنطقة (Anti-Access/Area Denial): مجموعة قدرات ووسائل تهدف إلى منع الخصم أو ردعه عن دخول مسرح عمليات معين، أو تقييد حرية حركته ورفع كلفة عمله داخله. وتشمل، بحسب الحالة، الصواريخ المضادة للسفن والألغام والمُسيّرات والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وغيرها.
5 ـ ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC): شبكة نقل متعددة الوسائط تربط الهند والمحيط الهندي بإيران وروسيا والأسواق الأوراسية عبر مسارات بحرية وبرية وسككية، وتمنح إيران أهمية إضافية بوصفها عقدة وصل بين المجال البحري الجنوبي والعمق القاري الأوراسي.
