شيرين.. يا ربيعاً أزهر دماً

لله من جُرأتك المذهلة التي خبّأت طفولتك الدائمة ومفاجآتك الموجعة وصورتك الأخيرة التي يشتهيها كل مؤمن بالقضية. شيرين.. استقبلوك وليدة على أرض فلسطين بدموع الفرح ونودعك معهم بدموع الألم والاسى.

ما اقساك أيها الموت، وما أحوجنا إليك في وادي الدموع إن هدهدتنا الحياة وإفترت ثغورنا التي لا تبتسم، وإن ناصبتنا العداء وبالغت، فبكينا وأنت لا ترحمنا ولا تشارك ولا تدرك معاني البكاء وغصات النزع الأخير.

جمعتنا بك فلسطين في فسحة من عمر على شاشة كانت سبيلك إلى نقل الحقيقة المستشهدة في كل لحظة، كنّا خمسة، انت وفلسطين توأمان تحددان البوصلة، ونحن والشاشة نشاهدها ونسمع ونفكر ونكتب، والشهداء يذهبون الى الحياة في الموت في كل حين وها أنت قد وصلتِ اليهم.

كلما حللتِ على الشاشة شعرنا أن الحياة عادت إلى أحلامنا التي تلاشت. كنا نشاهدك تفتحين باب الفرح على فلسطين وقدسها لتزدان معك بمنابت الربيع ورياحينه، وكنت أكثرنا تسابقاً الى الحياة وكأنك تستعجلين رحلة ومراحل العمر لكي تسكبي عليه جمالاً وبهاء، وما كنت اظنك ستكبرين يوماً لتصبحين شهيدة، كأني بك بُعثتِ لتبقين طفلة تطلق فراشة الحقيقة وتسابقين نسمات الربيع الفلسطيني الآتي، ولقد كان الشوط الأخير لك.

شيرين، أيتها الطفلة الدائمة الحضور والصلبة المواقف والإنتماء؛ الطفلة التي كشفت سرها الكبير ورحلت، فصرنا أربعة بقلوب متعبة وتأوهات مبرّحة، تبوح بها العيون عبرات رقةٍ وحبٍ وصبرٍ ووفاءٍ، بعدما التحقتِ بركب الشهداء. ولأن المكان لا يتسع لجميعنا، تدثرتِ ترابك الأول وأخليت المكان بكل ضجيجه والوانه لنا، عسى الا يرصدنا الذئب فينهش رقابنا.. عسى ألا يشتم رائحة دمك تحت شجرة مخيم جنين، فيقرر محوها بسواد حقده.

أحبائي: هل سمعتم بسحب من دمع ومطر من قبل؟ إنه يوم وداع شيرين التي صارت ربيعاً أزهر دماً

شيرين، لن تشغلنا الحياة بمتاعبها عنك، ولن نغادر فلسطيننا الى جهات السواد المظلمة، ولن تنقطع اخبارك لانك صرت الصورة والخبر والزمان والمكان. صرت الصفاء والبراءة والصراحة في رحلة ما بدلت فيها تبديلا، وسنعبر يوماً إليك لأننا نعلم انكِ اقحوانة لا تذبل، خلقت لتزداد جمالا وحياة.

تجرأتِ يا شيرين ورحلتِ، ووحده من ولد فلسطينيا وعاش فلسطينيا يدرك معنى غيابك فيتحسر ويبكي على فقدك الرهيب.

ما اقوله لك شيرين لا يمكن الا ان يشبهك كما فصولك التي لا تبور ولا تفنى:

شيرين، في الصيف، الطبيعة مثلك، تستفيق وتتنفس الصعداء وترتاح بعد طول عناء وانتظار، ولا اظنك تعشقين الصيف حتى ترتاحي إلى ترابه الدافئ في سفر طويل.

شيرين، في الخريف، الطبيعة مثلك، تُبدل ثوبها وتستعد للبذل والعطاء، وما العطاء عطاؤك سوى خروج من الذات إلى فلسطين.

شيرين، في الشتاء، الطبيعة مثلك، تدمع وتنهمر السيول والانهار جارفة معربدة.

شيرين، في الربيع، الطبيعة مثلك، تنشرح وتشرق وجهها في تفتحها واطلالتها الرائعة في براعم الخير والشذا، واخالك تعشقين الربيع حتى انطلقت في سماء فلسطين في سفر مديد.

أحبائي: هل سمعتم بسحب من دمع ومطر من قبل؟

إنه يوم وداع شيرين التي صارت ربيعاً أزهر دماً.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  ترامب ومدفعية الإعلام المعولم الثقيلة
داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إسرائيل والكلفة الإقتصادية لحرب غزة الرابعة