آمالٌ لبنانيةٌ تتحطم من السفّاح جمال باشا إلى غورو باشا السفّاح.. لماذا يُظلَم البطريرك الحويك؟ 

كانت الحرب العالمية الأولى قاسية إلى أقصى الحدود، وتجاوزت بقسوتها ودمارها، بالإضافة إلى طول أمدها، تصورات الإنكليز والفرنسيين معاً، ما جعل هؤلاء وأولئك يميلون إلى مراعاة مطالب اليهود الصهاينة أصحاب القوة المالية التي سوف تضطر فرنسا إلى الاستعانة بها، وكذلك بريطانيا. فما كان من أريستيد بريان، بصفته رئيساً للحكومة ووزيراً للخارجية في آن، إلّا أن كلّف فرنسوا جورج بيكو بأن يُوسّع رقعة تواصله مع الأوساط اليهوديّة، وخصوصاً رجال المال والأعمال، وأعطاه صلاحية التفاوض معهم وفق ما يراه مناسباً بحيث يتم عقد الاتفاقيات التي يعتبرها ضرورية، وأن يتصرف كصاحب قرار واسع الصلاحيات مطلق الحريّة، وهذا ما لم يسبق لموظف في الخارجية أن تمتع به من ذي قبل.

هكذا اكتسب جورج بيكو قوةً ونفوذاً جعلا منه صاحب الكلمة الفصل والرأي الحاسم في كل ما له علاقة بمنطقة المشرق العربي. وبالتالي صار يتصرف من دون أي حسيب أو رقيب في كافة الملفات ذات الصلة المباشرة بمنطقتنا والتي، أي الملفات، أصبحت منذ تلك الأيام تتقاطع كلها، إيجاباً أو سلباً، مع المشروع الصهيوني الاستعماري لتهويد فلسطين، وبالتالي صار شخص جورج بيكو، وحركة جورج بيكو، وخلافات أو توافقات جورج بيكو، وكذلك عداوات أو صداقات جورج بيكو.. صارت كلها مجتمعة تشكل البوصلة الفعلية للسياسة الفرنسية حيال بلادنا.

صار نفوذ هذا الرجل يتعزز يوماً بعد يوم، كلما صاحت الديكة، حتى أنه استحال بمثابة “ذاكرة أريستيد بريان”، كما كان يُقال، مستفيداً من كسل الأخير وعدم تسجيل ملاحظاته في شأن ما تحمله يومياته من مستجدات، وما أكثرها من مستجدات في ذلك المنعطف التاريخي الخطير حيث كانت الإمبراطورية العثمانية تنهار ومعها حليفها الإمبرطوري الألماني، فيما تتقدم فرنسا وبريطانيا لحصر إرث بني عثمان، تتقدمان لوحدهما بعد أن قضت الثورة البلشيفية على القيصرية الروسية التي كانت داعمة لاتفاقيات سايكس – بيكو، إذ كانت أصلاً مشاركة معهما في تقاسم النفوذ والحصص. فوزير الخارجية سيرغي سازونوف كان يشارك في العديد من اللقاءات المشتركة إلى جانب مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو ما جعل بعض الدبلوماسيين الغربيين المطلعين يطلقون على ذلك تسمية “اتفاقيات سايكس – بيكو – سازونوف”.

انقلاب بيوت المال الصهيونية في 1913 في الولايات المتحدة، والمسكوت عنه لحدّ الآن، حسم المواجهة الكبرى في حرب 1914 – 1918 وشق طريق الصهيونية عبر الانتدابين الإنكليزي والفرنسي

الانقلاب الأميركي

ولا بدّ من التوقف مطولاً عند حدث وقع عام 1913 وكان له الأثر البالغ في ما حصل لاحقاً على صعيد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 فتبدل الموقف الأميركي لصالح المشاركة المباشرة في تلك الحرب، ثم صدور “وعد كامبون”، فوعد بلفور، و”اتفاقيات سايكس – بيكو – سازونوف” وما تلاها.

إن حدث عام 1913 هو في الواقع تاريخ وقوع انقلابٍ في الولايات المتحدة أطاح بـ”التجربة الديموقراطية الأميركية” وتحويلها نهائياً إلى مجرد اسم لغير مسمى ونموذجاً أرفع من نماذج الدعاية السياسية (Propaganda) التي يُروّج لها لغسل عقول البشر ولاستعبادهم بأساليب شتى لصالح الرأسمالية المتوحشة وأدواتها الفتاكة حيث النفوذ اليهودي – الصهيوني، التوراتي – التلمودي، يتعزز يوماً بعد يوم بهدف الوصول إلى التسلّط المطلق على الدول والإمبراطوريات والشعوب والثقافات بمعناها الأوسع والأشمل والأتم.

ولقد تمثّل هذا الانقلاب بعملية سطوٍ محكمةٍ على المؤسسات الدستورية بدءاً بمؤسستي الرئاسة والكونغرس، بمجلسيه النواب والشيوخ. جرى السطو على المؤسسة الأولى من خلال إيصال دميةٍ صهيونيةٍ إلى البيت الأبيض اسمها وودرو ويلسون، ولنا عودة لاحقاً إلى كيفية إيصاله.

وجرى السطو على المؤسسة الثانية من خلال شراء ذمم النواب والشيوخ. فصدر قانون عن الكونغرس يجرد البنك المركزي من الحق الحصري بإصدار العملة (الدولار) ونقل هذا الحق لعدد من البنوك الخاصة تملكها عائلات ملتزمة بالمشروع الصهيوني مثل عائلات مورغان وروكفلر وليفي وشيف وغيرها… وعددها 12 أسرة.

مع عملية السطو، انتقلت السلطة الفعلية، في الولايات المتحدة الأميركية، من المؤسسات الدستورية إلى بيوت المال فالكتلة الصناعية العسكرية ومتفرعاتها التي باتت تسمى بـ”الدولة العميقة”. صارت سلطة المؤسسات الدستورية محصورةً فقط بما يخص العامة من الناس، وبالجامعات وكل ما له علاقة بالدعاية والترويج للنظام الأميركي “الفريد بديموقراطيته”. ولقد اختصر البارون ادمون روتشيلد تداعيات هذا الانقلاب بقوله: “أعطوني الحق الحصري بإصدار العملة، وآخر همي القوانين التي تقرها الدولة”… سواء في الولايات المتحدة أو في أي دولة من دول العالم. فمن يصدر العملة هو الذي يتحكم بالحياة العامة وبمصائر الشعوب ولا يعود هناك من حدود لتراكم الثروات وبالتالي السلطة والهيمنة وتطويع المؤسسات الدستورية واستباحة الناس. وهذا ما نراه اليوم، وما نعاني منه، سواء في الولايات المتحدة أو في باقي الدول الصناعية المتقدمة مع الزعامة الحصريّة للدولار الذي تكرس في اتفاقيات ” بريتون وودس”، في ولاية نيوهامبشير الأميركية، عام 1944 كالعملة الدولية الأولى في التداول العالمي والمرتبطة بالذهب إذ بات شراء الذهب وبيعه يتم بالدولار.

جورج بيكو هو الذي دفع بالأخوين كامبون (جول وبول) إلى الحضن الصهيوني وعيّن هنري جوفنل مفوضاً سامياً على سوريا ولبنان

ديغول من الإشارة يفهم

وللدلالة على خطورة انقلاب عام 1913 في الولايات المتحدة حسبنا الإشارة إلى الصدمة المفجعة التي حلت بالجنرال شارل ديغول إثر عودة وفد حكومته، وكان مقرها المؤقت في لندن عام 1944 كما هو معروف، من مؤتمر الذهب والدولار. طلب ديغول من أحد الخبراء الماليين الأعضاء في الوفد الفرنسي أن يشرح له “فلسفة تسعير الذهب بالدولار” فكان جواب الخبير:

“سيدي الجنرال، تصور أن لوحةً زيتيةً من تحف الفنان الإيطالي العظيم مايكل أنجلو معروضة للبيع بعشرة آلاف دولار. يأتي الروسي ويدفع بالذهب، فيأتي الأميركي ويدفع بالدولار مبلغ عشرة آلاف وخمسمئة دولار فيفوز بطبيعة الحال بهذه التحفة الفنية!.

خلاصة ما حدث أن الروسي وضع الذهب على الطاولة ليشتري اللوحة، لكن الأميركي بهذا المبلغ يكون قد اشترى اللوحة بعشرة دولارات ونصف دولار فقط وهو ثمن طباعة الأوراق النقديّة لا أكثر ولا أقل”!. فهذه الأوراق أصدرها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المملوك من اثني عشر مصرفاً خاصاً كما سبق وأشرنا. هذه كانت الصدمة المفجعة التي حلت بذاك الجنرال الفرنسي الشاب الطموح فأسهمت في بلورة العديد من قناعاته المتميزة عن المزاج السائد في الغرب عموماً وفي السياسة الداخلية الفرنسية بشكل خاص. لقد فهم ديغول، منذ تلك اللحظة، وهو المشهور بسرعة التقاطه للومضات العابرة بسرعة البرق، معنى حملات التشهير الشيطانية التي انطلقت في الغرب ضد شخص ستالين، الزعيم السوفياتي، إذ كان الوحيد الذي أمر وفده بالامتناع عن التوقيع على اتفاقيات ” بريتون وودس”… واللبيب من الإشارة يفهم.

مهمة جوفنل الفعليّة ظلّت سريّة، مجهولة من اللبنانيين، ذات بعدين: الأول إدخال وايزمان بسرعة في عملية تهويد العمق السوري، والثاني وضع دستور يجعل لبنان تحت رحمة الخارج مقدمة لتهويده

هذا يعيدنا إلى الأساس وهو أن فريق العمل الاستعماري الثلاثي، المكوّن من البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو والروسي سيرغي سازونوف، كان يتحرك وسط المناخ الدولي الذي فرضت جزءاً أساسياً منه مجموعة عوامل ذات صلةٍ مباشرةٍ بالمشروع الصهيوني مثل:

أولاً، قيام الحركة الصهيونية بشكل رسمي سنة 1897.

ثانياً، حسم خيار فلسطين بالذات كمكان يُقام فيه الكيان – القاعدة الاستعمارية العسكرية إسرائيل.

ثالثاً، صدور وعدي كامبون وبلفور.

رابعاً، الهزيمة المدوية للسلطنة العثمانية في الحرب الكبرى.

خامساً، انطلاق الهجرة اليهودية المكثفة إلى فلسطين.

سادساً، إقرار عصبة الأمم لبريطانيا وفرنسا بالانتداب على منطقة الهلال الخصيب – المشرق العربي ما عزّز من حركة الهجرة وبناء القوة العسكرية الذاتية لليهود الواصلين ورعاية بريطانيا لهم بعد أن كانت المواجهة الطاحنة الحاصلة في إنكلترا بين اليهود التقليديين واليهود الصهاينة قد حسمت لمصلحة هؤلاء بالكامل.

وفي قلب كل ذلك انقلاب عام 1913 في الولايات المتحدة ودخولها بالتالي في عصر الرؤساء الدمى الذين تحركهم القوى الخفية، حيث تسرح وتمرح الصهيونية الناشئة الطموحة، المفعمة بالتعاليم التلمودية القائمة على تقديس الجرائم والشرور والعنصرية وما يتفرع عنها من سيئات لا تحصى ولا تعد، تتماشى كلها مع الطموحات الإمبريالية لإمبراطوريات “القارة العجوز” التي كانت قد انقضت على القارات الأربع، إفريقيا وآسيا وأوقيانيا والأميركيتين الوسطى والجنوبية وراحت تتقاسمها مناطق نفوذ في ما بينها، فتنهب البلدان وتبيد من الشعوب ما لذَّ لها وطاب، من دون أن تشبع، وكأنها تقرأ في كتابٍ واحدٍ هو التلمود اللعين. ومن المفارقات هنا هذا التماهي بالذات ما بين موجات العداء لليهود، التي كانت تتفاعل بين الحين والآخر داخل بعض الدول في “القارة العجوز”، والسلوك التلمودي لهذه الدول ذاتها، تماماً كما يحدث اليوم، في بداية الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين، حين تتفاخر رئيسة مفوضية “الاتحاد الأوروبي”، أورسولا فون دير لاين بأن دولها “الديموقراطية” تتشارك مع إسرائيل في قيم وتعاليم التلمود!

البطريرك الحوّيك لم يكن مطلعاً على خفايا السياسة الفرنسية الداخلية، وصار يشكو جوفنل إلى أريستيد بريان، ثم بوانكاريه، فيما كان بريان يتقيد بحرفية نصائح بيكو وبوانكاريه يتقيد بتوجيهاته

لبنان بأبٍ محلي وأبٍ خارجي!

أمام هذه اللوحة المتعددة المكونات والعناصر، المليئة بالمتناقضات، المتنابذة من حيث الأهداف والمصالح، لكنها متكاملة السلوك حين تدق ساعة المذابح المتقطعة والمتواصلة في آن… أمام هذه اللوحة يمكننا أن نَتَفَهَّمَ هذا الارتفاع المذهل بدرجات الجهل عند قادة الرأي في بلادنا حيال سلوك وطروحات وشعارات الإنكليز والفرنسيين بخاصة ومن ثم باقي الدول الاستعمارية. يكفي، في هذا السياق، أن نعود بالذاكرة إلى المراسلات المتبادلة بين شريف مكة الحسين بن علي والمفوض السامي البريطاني في مصر هنري مكماهون والتي تمت ما بين تموز/يوليو 1915 وآذار/مارس 1916 لندرك فداحة جهل الشريف حسين بالمشاريع البريطانية في بلاده وعلى صعيد المشرق ككل، الأمر الذي جعله يطلق “الثورة العربية الكبرى” ضد السلطنة العثمانية بدعم وتوجيه مباشرين من قبل الحكومة البريطانية التي زرعت في بطانته أحد أكفأ ضباط استخباراتها على الإطلاق الكولونيل لورنس، المعروف بـ”لورنس العرب” نظراً لتأثيره الشديد على قرار الشريف في إدارة الثورة العتيدة. وكان لورنس يعمل وفق القاعدة التي تعمد مكماهون تسليط الضوء عليها وأوردها بكل صراحة وبشكل حرفي في إحدى رسائله حين قال: “إن مصالح العرب هي نفسها مصالح الإنكليز”!

وأما في الجهة المقابلة، أي في المساحة المخصصة للاستعمار الفرنسي بموجب صكّ الانتداب الصادر عن عصبة الأمم عام 1923، فحدث ولا حرج حول قصور أنصار فرنسا عن فهم السياسة والأهداف الحقيقية لفرنسا في لبنان. يكفي التأمل ملياً في المعاناة التي عاشها البطريرك الماروني اللبناني الياس بطرس الحوّيك، وهو الذي يُعتبر بمثابة “الأب المحلي” للكيان اللبناني في ظل “أبيه الخارجي” الجنرال غورو باشا السفاح، مع أركان المفوضية السامية الفرنسية في ظل الانتداب.

ثمة ما يؤكد وجود قِطَبٍ فرنسيةٍ عدة كانت مخفية عن البطريرك الماروني، ولعلّ القطبة المخفية الأبرز والتي حرصت “جهة فرنسية ما” على إخفائها عن “الأب المحلي” للكيان، تلك المتعلقة بحدود لبنان الكبير وبشكل خاص الحدود الشمالية والجنوبية.

أكثر من ذلك، إن هذه القطبة المخفية المركزية، إذا صحّ التعبير، كانت موجودة قبل إعلان الدستور وقيام الجمهورية واستمرت حتى بعد إعلانه من قبل المفوض السامي، الغامض جداً، كما تدل على ذلك الوثائق الفرنسية وكذلك بعض وثائق البطريركية المارونية، ناهيك عن المواقف والإجراءات السرية لهذا المفوض السامي الغارق في صهيونيته من رأسه حتى أخمص قدميه.

حاييم وايزمان فوجئ بسرعة جوفنل بخصوص بناء مستوطنات يهودية على طول خط الفرات وطلب تأخير المشروع إلى ما بعد ابتلاع فلسطين، وبالتالي تفكيك لبنان

ويُمكن القول إن “الأب المحلي” للكيان خاض صراعاً مريراً مع “أمّه الحنون” لجعل الجغرافيا تسمح بإبقاء المولود الحبيب لبنان على قيد الحياة، ولا يتوفر ذلك إلّا بالحفاظ على الحدود التي أقرها “أبو الاستقلال اللبناني”، وهي الصفة التي أعطاها الحويك لـ”الأب الخارجي” غورو باشا السفاح. هذا الصراع المرير يشجع على القول: مسكين الولد الذي له أكثر من أب، ولد في سرير متعدد الأحلام المتناغمة حيناً والمتناقضة أحياناً… ومسكين حقاً هذا السرير المليء بالألغام، وكل لغم منها كفيل بتفجير الحياة وقتل المولود. وعند لغم “القطبة الجغرافية” الخبر اليقين، ولو لم يبح بالسّر.

فعلى سبيل المثال فقط، وليس الحصر، وجد البطريرك الحويك نفسه مضطراً لأن يتجاوز المفوض السامي جوفنل ويرفع شكواه مباشرة إلى رئيس مجلس الوزراء – وزير الخارجية الفرنسي أريستيد بريان ويضمنها مخاوفه الناجمة عن معلومات تتعلق بنية المفوضية السامية إعادة النظر بحدود لبنان الشمالية جاء فيها:

“يبدو أنه بات من الوارد اقتطاع جزء من لبنان المسيحي لصالح سوريا المسلمة بقصد تمتع هذه بمصبٍ على البحر…” وهذا يعني، حسب طرح البطريرك أن “حوالي أربعين ألف مسيحي، من أصل مجموع سكان طرابلس وعكار والبالغ عددهم خمسة وثمانون ألف شخص، سوف يغرقون وسط الأكثرية العددية الضخمة من المسلمين السوريين…”.

إقرأ على موقع 180  كمال الصليبي.. وفتنة اللغة الشقيّة (1)

والملفت للنظر أن هذه الرسالة تحمل تاريخ 10 تموز/يوليو 1926، أي بعد مرور شهرين على صدور الدستور وإعلان الجمهورية؛ ما يعني أن “الأب المحلي” للكيان بات يشعر بقوةٍ أن “الأب الخارجي” للكيان نفسه له رأي مختلف بخصوص عمر الكيان الوليد، مؤقت أو دائم، وكذلك بخصوص وظيفته. وهنا بالذات، يحضر إلى البال والخاطر، ومن دون أي استئذان، دور جورج بيكو الذي بات يلقي بظلّه الصهيوني القوي على السياسة الفرنسية في مناطق المشرق الخاضعة للاحتلال الفرنسي، المسمى انتداباً، بحيث أصبح من الصعب على أيّ مسؤول فرنسي زحزحة خارطة طريق الانتداب أو إدخال أي تعديل جذريّ على مساره.

وثمة أمثلة عديدة على ذلك لعل أبرزها المواجهة الصامتة، والحادة، التي وقعت بين البطريرك الحويك والمفوض السامي الجنرال ساراي الذي امتنع عن زيارة الصرح البطريركي، ولو من قبيل ردّ الزيارة، ما اضطرّ الحوّيك إلى رفع شكوى عليه إلى رئيس الحكومة الفرنسية مباشرة. ولم تمضِ أسابيع حتى جرى استبدال ساراي. يومها اعتبر البعض أن هذا التدبير السريع من جانب باريس جاء ليكرس امتيازاً للصرح البطريركي فيما المقصود من التدبير إعطاء دفع للعقلية الطائفية السائدة وهي الشرط الأساس الذي يسهل على المستعمرين التدخل في شؤوننا الداخلية.

من الواضح أن جوفنل كان على تواصل مباشر مع جورج بيكو. صحيح أن الرسالة آنفة الذكر، والموقعة في 26 تموز/يوليو 1926، أتت بعد شهرين وثلاثة أيام من صدور الدستور وإعلان الجمهورية بشكل رسمي، إلا أنها أتت أيضاً بعد شهر وثلاثة أيام من مغادرة جوفنل الأراضي اللبنانية، فجأة وخلسة ودون إخطار أحد، باستثناء اثنين من كبار مساعديه في المفوضية السامية اللذين كُلفا ببث إشاعة عن اضطرار المفوض السامي إلى التغيّب لبضعة أيام فقط يعود من بعدها إلى بيروت لاستئناف عمله كالمعتاد… هذا في حال انتشر خبر غيابه عن مكتبه!

اكتشف البطريرك الحويك في آخر أيامه أن سلوك فرنسا هو “احتلال” للبنان، ولولا هذا الاحتلال لما حدثت كل هذه الفتن والقلاقل والمواجهات بين المسيحيين وباقي الطوائف

إن إشاعة نبأ تبخّر المفوض السامي بهذا الشكل المفاجئ، ولم يكن قد مضى على بدايته كمفوض سامي سوى ستة أشهر، أحدث فراغاً مدوياً ارتسمت معه غابة من علامات الاستفهام حول حقيقة الدور الفرنسي. فالأوساط الموالية لفرنسا أُصيبت بما يُشبه الزلزال، وفي مقدمة هذه الأوساط كان الصرح البطريركي الذي شعر بأن بوصلة رهاناته على السياسة الفرنسية صارت تجتاحها كل أنواع الشكوك. فآثر البطريرك التواصل مباشرة مع رئيس الحكومة الجديد ريمون بوانكاريه ليشرح له الأخطاء الجسيمة، في نظره، التي ارتكبها جوفنل في مسيرته اللبنانية وهو… “غادر تاركاً في هذا البلد (لبنان) وعندنا نحن بشكل خاص، مرارة الخيبة جراء الآمال التي شيدت حول شخصه وحول مهمة الانتداب”… وحض الحكومة الفرنسية على الإسراع في معالجة الأوضاع المتدهورة “إذا كانت حريصة فعلاً على عدم خسارة نفوذها وعلاقاتها التقليدية”.

لقد تميزت رسالة الحويك هذه إلى بوانكاريه بما يشبه محاكمة شاملة للأداء الانتدابي. محاكمة مليئة بالألم والحسرة والقلق الوجودي إذ سبق له أن حذر من كون سياسة المفوضية السامية الفرنسية ستؤدي في النهاية إلى خسارة الأصدقاء المخلصين الذين يربطون مصيرهم كله بفرنسا، وعدم الفوز بثقة أو بصداقة الأعداء. واعتبر أن الأداء الفاشل، على جميع المستويات، للمفوضية في عهد جوفنل سيكون من المرهق جداً إصلاح تداعياته. ولم يترك البطريرك ملفاً إلا وعرج عليه بانتقادات عنيفةٍ مصدرها القلق الشديد من خسارة كل شيء، فرنسياً ومارونياً. ولم ينجُ الدستور من الانتقادات الحادة وكذلك من انتخاب شارل دباس الأرثوذكسي كأول رئيس للبنان والذي هو في نظر البطريرك “أحدث جرحاً بليغاً في كرامة الأكثرية المارونية وعزة نفسها”… ناهيك عن كون دباس “دون المستوى المعنوي الذي يتطلبه مركز الرئاسة”، على حد قول البطريرك الحويك!

الحويك يرفض تسليم السلاح

ومما يلفت النظر أيضاً، ومن وحي ما نعيشه اليوم، أن البطريرك الحوّيك كان يعترض بشدة على تسليم الموارنة لسلاحهم حتى لو وضع هذا السلاح في عهدة السلطة الفرنسية المنتدبة والتي هي من حيث المبدأ، أقرب جهة إلى عقل وقلب البطريرك، وثقته بها فوق الجميع، هو الذي كان يجاهر بالتأكيد على إطلاقية ولائه لفرنسا وعدم التفريق ما بين طائفته وفرنسا وأنه يضع دائماً نصب عينيه مصلحة فرنسا ومصلحة شعبه بالتساوي. ومن أبرز مآخذه المعلنة، والمصرح بها جهاراً، على سلوك المفوضية السامية أن هذا السلوك يسيء أول ما يسيء إلى مصالح فرنسا. يعني أنه، في نظره على الأقل، فرنسي أكثر من الفرنسيين أنفسهم. لذا أعلن الحوّيك رسمياً عن تصميمه على الذهاب شخصياً إلى باريس، على الرغم من تقدمه في السن ومن مشاكله الصحية “لأنني لم أجد أحداً من المسؤولين (الفرنسيين) هنا بإمكانه أن يفهم علينا… ولا أعتقد أن الممثلين الحاليين لفرنسا، المتواجدين بيننا، يدركون ماذا يفعلون، فهم أبعد ما يكونوا عن التصرف وفق الوسائل الكفيلة، بتوفير الأمن والعدالة”.

قال البطريرك هذا الكلام، الذي يتضمن ما يشبه المحاكمة الشاملة للانتداب الفرنسي ومؤسساته، خلال مأدبة عامرة في بكركي لكبار مسؤولي المفوضية السامية وبحضور كبار ضباط الأسطول الفرنسي الزائر لبيروت في 18 نيسان/أبريل 1927.

يشكل هذا اللقاء حدثاً تاريخياً في سياق العلاقات ما بين فرنسا وأنصارها في لبنان الذي يقال أنها أوجدت الكيان من أجلهم حصراً. إنه يوم المصارحة الكبرى الناجمة عن كثرة الأوراق المستورة في برنامج الفرنسيين واستراتيجيتهم في المشرق العربي الذي يسمونه “الشرق الأدنى” فيما يسميها الإنكليز “الشرق الأوسط”… والمدهش أن أهل هذه المنطقة كانت سُلبت عقولهم وشُوهت ثقافتهم إلى حدّ باتوا هم يطلقون على بلادهم اسم “الشرق الأوسط”، بما في ذلك أنصار فرنسا.

لقد قال رجل فرنسا الأول في لبنان لزواره كلاماً لم يسبق أن سمعوا مثله أو توقعوا سماعه:

“يا أصدقائي، إن تصرفاتكم باتت عصيّة على الفهم. لقد خسرتم أصدقائكم هنا ولم تكسبوا صداقة أعدائكم… فنحن المسيحيين نحبُ جيراننا (باقي الطوائف) ولم يكن بيننا وبينهم أحقاد لولا عمليات التحريض والإثارة من الخارج. فكيف أصبحنا بهذا الوضع المؤسف مع بعض الناس خلال فترة احتلالكم … لبلادنا”؟

هنا نصل إلى بيت القصيد. إنها المرة الأولى التي يصف فيها “الأب المحلي” للكيان، يصف الفرنسيين، بالمحتلين للبنان الذين سممّوا علاقة المسيحيين فيه بأشقائهم من باقي الطوائف اللبنانية.

ولا بدّ من التوقف عند مصطلح “احتلالكم”. كان البطريرك يبوح بما يختلج في عقله وقلبه فيعكس كلامه مدى عمق خيبات آماله من الذين كان يعتبرهم حُماتَهُ… وحُماة أهله وأمله الأسمى بالخلاص. يا لها من نهايةٍ محزنةٍ لحياة طويلة حافلة بالآمال والطموحات والكفاح، وأيضاً بالأعمال الإنسانية الخيرة التي لا تنسى خصوصاً خلال فترة المجاعة، حيث رفض التمييز ما بين اللبنانيين عند توزيع المساعدات، وهو موقف نبيل يذكره له التاريخ.

يستوقفني في هذا السياق، وبينما أتأمل بالاحتفال المخصّص لتطويب البطريرك الحوّيك على درب القداسة، أن تعريب النصّ الفرنسي لخطاب 18 نيسان/أبريل 1927 يعاني من نقص في الأمانة لأن عبارة احتلال occupation صارت بالنص العربي “وجودكم”، وهو تصرف خطير في النص لأنه يقلب المعنى رأساً على عقب ويتناقض مع المعاناة التي كان يعيشها البطريرك الحوّيك. وكأن قلة أدب، نعم قلة أدب، الضباط الفرنسيين الكبار المحتفى بهم في بكركي، لا تكفي فأتى هذا التلاعب بترجمة كلام الحوّيك ليضيف إلى المأساة مأساة بل مآسي، إذ أن كلامه يشكل وثيقة تاريخية والتلاعب بالوثائق تزوير لها.

الحويك رفض بشدة تسليم سلاح بعض القرى المسيحية فيما كانت المفوضية تصر على حصر السلاح بيد الدولة

عند وايزمن الخبر اليقين

ريمون إدّه، السياسي اللبناني الراحل المشهود له بالتعفف عن المساس بالمال العام والمشهود له أيضاً بأنه الوحيد، وللتاريخ يجب أن نعترف بأنه الوحيد، من بين الزعامات المارونيّة الذي لم يتوسل الرئيس السوري حافظ الأسد، في سبعينيات القرن الماضي، للتدخل العسكري في لبنان، ودفع ثمن ذلك هجرة قسرية من لبنان بعد تعرضه لمحاولتيّ اغتيال، أُصيب في إحداها ونجا من الموت بأعجوبة، وبقي في الخارج حتى وفاته. ريمون إدّه هذا، وهو رجل قانون ودقيق جداً في استخدام المصطلحات، ظل حتى النهاية يميّز ما بين الاحتلال الإسرائيلي للبنان و”الوجود” العسكري السوري فيه. لكن الذين قاموا بتعريب خطاب البطريرك الحويك لم يحرصوا على ترجمة كلامه بأمانة، على الرغم مما يعنيه هذا الاعتراف من قِبَل “الأب المحلي” للكيان الذي صار ينظر إلى “الأب الخارجي” للكيان إياه… كمحتل. ثمة حرص على إخفاء هذه الحقيقة!

وعن قلة أخلاق الضباط المحتفى بهم يذكر أنهم راحوا يتبادلون الغمز واللمز بينما كان الحبر المسنّ الجليل يتحدث بكل جوارحه، بصوته المتهدّج الجريح يخطب من حرقة قلبه، أما هم فيتغزلون بالنبيذ الفاخر المعتق، هذا كان كل همهم، وكأنهم كانوا على علمٍ كاملٍ بتفاصيل الفارق الشاسع ما بين أهداف “الأب المحلي” للكيان وأهداف “أبيه الخارجي”، وهذا ما تحتوي عليه الأوراق المستورة التي يعمل الفرنسيون وفقاً لها بعزم وحزم، غير آبهين بآمال وأحلام أصدقائهم اللبنانيين المراهنين وحدة المصير التي تجمع بين مسيحيي المشرق وفرنسا وأولهم الموارنة والبطريرك الحوّيك خير من عبر عن هذا الرهان الذي يرقى إلى مستوى الانتماء؛ نعم بمستوى الانتماء، وهنا وقع المصيبة الكبرى التي حلّت بالحبر الجليل ولكن لم يرَ في اليد حيلة لمواجهة سلوك الفرنسيين سوى… المزيد من الرهان عليهم.

فعلاً، لقد عاش “الأب المحلي” للكيان أياماً مرّةً اضطرته إلى البوح، بل الاعتراف، بأن شريكه في أبوّةِ المولود، “الأب الخارجي” يتآمر على ابنهما المشترك “فيحتل” أرضه ويجرّد أهله من السلاح (مبدأ نزع السلاح وحصريةِ وجود السلاح بيد الدولة…) ويتغاضى عن تسليح جيرانه – أعدائه – شركائه في الأرض، ويفرض دستوراً غير مناسب على الإطلاق ويعين أول رئيس من الطائفة الأرثوذكسية وليس المارونية و.. و… و..

لكّل من “الأبوين” المحلي والخارجي مصالحه وأهدافه، وهي مصالح وأهداف لا يمكن التوفيق في ما بينها. “الأب الخارجي” للكيان هو الأقوى، فمن الطبيعي أن يفرض إرادته فرضاً على “الأب المحلي” ويتصرف كسلطة “احتلال”. وهنا قال الحويك كلمته الشهيرة، المثقلة بالصدق وبالمعاني، والتي يصار إلى التعتيم عليها وهي أن سلطة الاحتلال هذه كانت هي المسؤولة عن إثارة النعرات الداخلية وافتعال القلاقل والمشاكل بين اللبنانيين. ولم يتوقف هذا السلوك بعد رحيل فرنسا إثر انتزاع الاستقلال عام 1943 بل استمرت مع فرنسا ومع غيرها ما جعل السلم الأهلي الداخلي رهن قرار تتخذه هذه أو تلك من السلطات الأجنبيةِ المحتلة وكلها تصب في المشروع الصهيوني.

يتبين، على ضوء التجارب اللبنانية، أن اللبنانيين المؤمنين بسلطة الخارج وأبوته لم يفهموا في الماضي شيئاً من كلام المستشرق الفرنسي الشهير لوي ماسينيون حين قال: “لقد خانت فرنسا شرف كلمتها في يوم ميسلون”. تلك الخيانة التي تعود إلى 126 سنة خلت… كم تكررت، مراتٍ ومرات، سواء من جانب فرنسا أومن جانب ورثة نفوذها. أما حزب الخارج في لبنان فلا هو فهم ما حدث في الماضي ولا يبدو أنه يفهم ما يحدث الآن.

.. وعند حاييم وايزمن الخبر اليقين.

(يتبع قريباً)

(*) راجع الجزء الأول من هذا المقال-الدراسة للكاتب بعنوان: مُخطط إلغاء لبنان كرّسته المادة الأولى من اتفاق 27 ت2 (نوفمبر) 2024؟

(**) لمناسبة مرور مئة عام على صدور الدستور اللبناني، وفي الوقت نفسه إعلان قيام الجمهورية اللبنانية، تنشر مجلة “تحولات” هذا النص للدكتور حسن حماده في عددها المقبل.

Print Friendly, PDF & Email
حسن حماده

كاتب؛ عضو المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  شهرُ رَمَضَان.. وأسرارُ "الرسالة الإسلامية" (١)