الصين تُغيّر قواعد اللعبة.. “طريق الحرير” يصعد إلى القطب

غادرت سفينة الحاويات الصينية «Dubai Tower» ميناء نينغبو–تشوشان متجهة إلى أوروبا عبر الطريق البحري الشمالي في القطب الشمالي، في إطار خدمة أسبوعية موسمية منتظمة تربط الصين بأوروبا عبر المسار القطبي. ولا تكتسب هذه الخطوة أهميتها من بعدها اللوجستي والتجاري فحسب، بل تعكس تحولًا أوسع في الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية الصينية، وسعي بكين إلى توسيع شبكة الخيارات المتاحة أمام تجارتها البحرية وتقليل اعتمادها على عدد محدود من الممرات التقليدية، ولا سيما الطريق الذي يصل آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

ولا ينبغي النظر إلى هذا التحول باعتباره إعلانًا عن نهاية قناة السويس، أو استعدادًا لاستبدال الممرات التقليدية بطريق قطبي جديد. فالمسار الشمالي لا يزال محدود القدرة وموسمي التشغيل، وتحيط به قيود مناخية وتشغيلية وسياسية كبيرة. لكن أهميته تكمن في شيء مختلف: للمرة الأولى، يتحول الطريق القطبي تدريجيًا من احتمال جغرافي بعيد إلى خيار تجاري يمكن إدخاله في حسابات سلاسل الإمداد الصينية.

وهذا الفارق مهم؛ لأن الصين لا تحتاج بالضرورة إلى الاستغناء عن الممرات التقليدية كي تحقق مكسبًا استراتيجيًا. يكفي أن تمتلك بدائل قابلة للاستخدام عندما تتعرض بعض هذه الممرات للاضطراب، حتى تتغير تدريجيًا معادلة المخاطر والتفاوض.

من نقاط الاختناق إلى شبكة البدائل

في وارداتها من الطاقة الخليجية، تواجه الصين حساسية عالية تجاه مضيق هرمز، بينما ترتبط أجزاء مهمة من تجارتها مع أوروبا بالممر الممتد عبر المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس. وفوق ذلك كله، يظل مضيق ملقا واحدًا من أهم الشرايين التي تربط الاقتصاد الصيني بالمحيط الهندي وأسواق الطاقة والتجارة العالمية.

لكن هذه الممرات لا تؤدي الوظيفة نفسها، ولا يستطيع الطريق القطبي أن يحل محلها جميعًا. فالممر الشمالي، مثلًا، لا يقدم حلًا مباشرًا لمعضلة النفط والغاز الخليجيين المتجهين إلى الصين، لأن هذه الإمدادات تحتاج أصلًا إلى الخروج من الخليج عبر هرمز. أما أهميته المباشرة فتظهر بصورة أكبر في جزء من تجارة السلع والحاويات بين الصين وأوروبا، حيث يتيح طريقًا لا يحتاج إلى المرور عبر المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.

وهذا التمييز ضروري لفهم الاستراتيجية الصينية. فالمسألة ليست البحث عن «طريق واحد بديل» يحل محل جميع الطرق القائمة، وإنما بناء شبكة من البدائل، بحيث لا يؤدي اضطراب ممر واحد إلى شل حركة التجارة الصينية بأكملها.

وقد أظهرت الأزمات الدولية خلال السنوات الأخيرة مقدار حساسية التجارة العالمية تجاه هذه الجغرافيا. فمن الحروب والاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر، إلى العقوبات والمنافسة بين القوى الكبرى، باتت الممرات البحرية نفسها جزءًا من معادلة القوة الدولية، ولم تعد مجرد بنية محايدة تنتقل عبرها السفن والسلع.

الصين ونظرية اللعبة

هنا يمكن توظيف نظرية اللعبة لفهم جانب من السلوك الصيني.

فبكين لا تتخذ قراراتها الاستراتيجية بمعزل عن سلوك القوى المنافسة، بل تعيد باستمرار حساب خياراتها وفقًا للمخاطر المحتملة، وكلفة المواجهة، وردود أفعال الأطراف الأخرى، والعائد الذي يمكن تحقيقه من امتلاك خيارات إضافية.

وبمنطق نظرية اللعبة، لا تتحدد قوة اللاعب فقط بحجم موارده، وإنما أيضًا بعدد الخيارات التي يستطيع استخدامها إذا تغير سلوك اللاعبين الآخرين. فإذا كان أمامه طريق واحد، تصبح قدرة خصمه على الضغط عليه أكبر. أما إذا امتلك عدة طرق، فإن تعطيل أحدها لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها.

ومن هنا، لا يمثل الممر القطبي مجرد طريق بحري أقصر بين الصين وشمال أوروبا، بل يمكن النظر إليه بوصفه أداة لإعادة توزيع المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية.

فكل خيار جديد تضيفه بكين إلى شبكة تجارتها يقلل، ولو بصورة محدودة، من قدرة نقطة اختناق واحدة على التحول إلى أداة ضغط حاسمة عليها.

وهذا لا يعني أن الصين تسعى إلى مواجهة هذه النقاط عسكريًا أو السيطرة عليها. على العكس، يبدو جانب مهم من استراتيجيتها قائمًا على محاولة تغيير قواعد اللعبة من خلال توسيع الخيارات بدل خوض مواجهة مباشرة حول كل ممر.

الجيواقتصاد بدل الجغرافيا وحدها

وتبرز هنا أهمية مفهوم القوة الجيواقتصادية. فالموانئ وخطوط السكك الحديدية والممرات البحرية وخطوط الأنابيب لم تعد مجرد بنى تحتية لنقل السلع والطاقة، بل أصبحت أدوات لتوزيع النفوذ وتأمين سلاسل الإمداد وتعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات.

ومن هذه الزاوية، يمكن وضع الطريق القطبي إلى جانب مجموعة واسعة من المشروعات الصينية التي هدفت خلال العقدين الأخيرين إلى زيادة عدد المسارات التي تربط الصين بالأسواق العالمية.

فمبادرة «الحزام والطريق»، والممرات البرية عبر آسيا الوسطى، وشبكات السكك الحديدية إلى أوروبا، والموانئ التي استثمرت فيها الشركات الصينية، لم تكن كلها مشاريع متطابقة في وظائفها أو أهدافها، لكنها تشترك في منطق استراتيجي واحد: كلما اتسعت شبكة الطرق، انخفضت مخاطر الاعتماد المطلق على طريق واحد.

ويضيف الممر القطبي الآن بُعدًا جديدًا إلى هذه الشبكة؛ فبدل أن تتحرك التجارة الصينية غربًا وجنوبًا فقط، أصبح هناك مسار ثالث يصعد شمالًا عبر مضيق بيرينغ والبحار القطبية وصولًا إلى أوروبا.

لكن الطريق إلى أوروبا يمر بروسيا

غير أن هذه الصورة تحمل مفارقة لا يمكن تجاهلها.

فالصين، وهي تسعى إلى تقليل تعرض جزء من تجارتها لنقاط الاختناق الجنوبية، لا تنتقل إلى فضاء جغرافي محايد أو مستقل. فالطريق البحري الشمالي يمتد بمحاذاة الساحل الروسي، وتخضع الملاحة فيه بدرجة كبيرة للأطر التنظيمية والبنية التحتية والخدمات الروسية.

إقرأ على موقع 180  نحو شرق أوسط جديد.. غير أمريكي

وهذا يعني أن الممر القطبي لا يحرر الصين من الاعتماد الجيوسياسي بقدر ما يعيد تشكيل هذا الاعتماد.

فبدل المرور عبر شبكة من الممرات التي تتقاطع حولها مصالح ونفوذ عدد كبير من القوى، تدخل السفن الصينية في الشمال إلى فضاء ترتبط سلامة الملاحة فيه وتسهيلاتها بدرجة كبيرة بالعلاقة الاستراتيجية بين بكين وموسكو.

وهنا تظهر حدود القراءة التي تقدم الطريق القطبي باعتباره «تحررًا» صينيًا من الممرات التقليدية. فالصين لا تنتقل من الاعتماد إلى الاستقلال، بل من شبكة اعتماد إلى شبكة أخرى أكثر تنوعًا.

لكن من منظور نظرية اللعبة، قد يكون هذا بحد ذاته مكسبًا؛ لأن توزيع الاعتماد على أكثر من مسار وأكثر من علاقة استراتيجية أفضل من تركيزه في ممر واحد أو سلسلة واحدة من نقاط الاختناق.

طريق واعد… لكنه ليس بديلًا للسويس

وثمة قيود أخرى لا تقل أهمية.

فالطريق البحري الشمالي لا يزال مرتبطًا بالظروف المناخية والجليدية، وبفترة ملاحة موسمية، كما يحتاج إلى بنية تحتية متخصصة وقدرات إنقاذ واتصالات ومرافقة جليدية في بعض الظروف. وتضاف إلى ذلك تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية والبيئية التي ترتفع بشدة في البيئة القطبية.

كما أن عدد الرحلات والحاويات التي يمكن للطريق استيعابها لا يزال ضئيلًا جدًا إذا قورن بحجم التجارة التي تمر عبر قناة السويس والمسارات البحرية التقليدية.

لذلك، سيكون من المبكر جدًا الحديث عن منافسة متكافئة بين الطريق القطبي وقناة السويس.

الأدق هو القول إن الصين بدأت تضيف إلى خريطتها التجارية مسارًا احتياطيًا ذا قيمة استراتيجية متزايدة، قد تتوسع أهميته تدريجيًا مع تطور السفن والبنية التحتية وتحسن القدرة على الملاحة في المنطقة القطبية.

وقيمة هذا الطريق لا تقاس فقط بعدد السفن التي تستخدمه اليوم، وإنما أيضًا بالسؤال عما يمكن أن يمثله بعد عشر أو عشرين سنة إذا أصبحت الملاحة فيه أكثر انتظامًا واتسعت بنيته التحتية.

القوة في امتلاك الخيار

وعليه، فإن التحول الصيني نحو الممر القطبي يعكس تغيرًا أوسع في الجغرافيا الجيواقتصادية العالمية: الانتقال التدريجي من الاعتماد على عدد محدود من الممرات ونقاط الاختناق إلى بناء شبكات أكثر تنوعًا من الطرق والبدائل.

وفي عالم تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، لم تعد السيطرة المباشرة على الممر هي المصدر الوحيد للقوة. امتلاك القدرة على عدم استخدامه عند الضرورة يمكن أن يصبح هو الآخر مصدرًا للقوة.

وهنا تحديدًا تكمن القيمة الاستراتيجية للممر القطبي بالنسبة إلى الصين.

فبكين لا تحتاج إلى أن تجعل منه بديلًا كاملًا لقناة السويس حتى تستفيد منه، ولا تحتاج إلى نقل الجزء الأكبر من تجارتها عبر الجليد حتى يكتسب قيمة جيوسياسية. يكفي أن يصبح خيارًا قابلًا للاستخدام ضمن شبكة أوسع، حتى تدخل تكلفته وقدرته ومساره في حسابات اللاعبين الآخرين.

وبذلك يمكن قراءة التحرك الصيني في القطب باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لإعادة صياغة قواعد اللعبة الجيواقتصادية: ليس عبر إزالة نقاط الاختناق من الخريطة، وهو أمر مستحيل، وإنما عبر تقليل قدرة أي نقطة منفردة على التحول إلى أداة حاسمة للضغط على الاقتصاد الصيني.

لكن المفارقة تبقى قائمة: كل طريق تتجاوز به الصين جغرافيا معينة، يدخلها في جغرافيا أخرى؛ وكل اعتماد تتخلص منه جزئيًا، يولد اعتمادًا جديدًا.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على طريق بلا مخاطر، بل على امتلاك عدد كافٍ من الطرق بحيث لا يستطيع خطر واحد أن يغلقها جميعًا.

وهنا تكمن القاعدة الجديدة للعبة: القوة ليست فقط في السيطرة على الطريق، بل في امتلاك طريق آخر.

 

Print Friendly, PDF & Email
رانيا حتّي

كاتبة وأكاديمية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  للتنمية العربية كلفتها العالية.. وهذا ما تتجاهله دُولنا!