كمال الصليبي.. وفتنة اللغة الشقيّة (1)

بعد ما يقارب العشرين عاماً من صدور كتاب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" للمؤرخ اللبناني كمال الصليبي، يستمر الجدال حول الخلاصات التاريخية التي استقرعليها هذا الكتاب الإشكالي الذي يدعو إلى إعادة قراءة التاريخ العربي، بطريقة مغايرة عما هو مألوف ومعروف عبر اللجوء إلى اجتهاد لغوي غير مسبوق.

في مقدمة كتابه، يتحدث كمال الصليبي عن مضمون الكتاب حيث هو “بحث في جغرافيا التوراة على أسس جديدة، وخلاصته أن البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب شبه الجزيرة العربية بمحاذة البحر الأحمر، وتحديداً في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن” في السعودية.

ويؤكد الصليبي أن “أساس الكتاب المقابلة اللغوية بين أسماء الأماكن المضبوطة في التوراة بالحرف العبري وأسماء أماكن تاريخية أو حالية في جنوب الحجاز وفي بلاد عسير، ولذلك فمقولة الكتاب لا تأخذ علم الآثار بالإعتبار”.

وبإعتماده على المقابلة اللغوية كأساس لكتابه، يأخذ الصليبي من “قدامى الجغرافيين العرب ومنهم الحسن الهمداني صاحب صفة جزيرة العرب وياقوت الحموي صاحب معجم البلدان او عن المعجم الجغرافي للمملكة العربية السعودية وقد قام بجمعه عدد من العلماء السعوديين، حمد الجاسر ومحمد العقيلي وعبد الهة بن خميس وعلي بن صالح الزهراني، ومعجم معالم الحجاز ومعجم قبائل الحجاز اللذين صنفهما عاتق بن غيث البلادي ومعجم قبائل المملكة العربية السعودية الذي صنفه حمد الجاسر، ومن الخرائط المفصلة لتلك المناطق ومن مؤلفات الرحالة في تلك الجهات وأخص بالذكر كتاب الرحالة البريطاني فيليبي وكتاب في ربوع عسير لمحمد رفيع وكتاب في بلاد عسير لفؤاد حمزة”.

وفي هذه المقالة الموزعة على أجزاء عدة سيصار إلى مناقشة كتاب الصليبي ومقارنة نصوصه مع المراجع التي اعتمدها، متخذة من مدن القدس ـ أورشاليم ـ وصيدا وصور والسامرة بداية لهذه المناقشة، وذلك على الشكل الآتي:

أولاً؛ أورشاليم وآل شريم:

يقول كمال الصليبي “إن التوراة العبرية لم تقل إن صهيون أو مدينة داوود التي كانت في جوارها كانت جزءاً من أورشاليم، وذكر صهيون إلى جانب أورشاليم لا يتضمن بالضرورة قرباً جغرافياً، وفي ضوء ما قيل يجب البحث عن أورشاليم التوراتية في منطقة ما، والأرجح أن أورشاليم هذه يمكن أن يُعثر عليها فوراً على مسافة 35 كلم إلى الشمال من بلدة النماص في سراة عسير شمال أبها، إنها القرية التي تسمى اليوم آل شريم التي يحتوي إسمها على بعض التحريف التعريبي عن الأصل يروشليم ـ عبرـ تغيير موقعي حرفي الراء واللام”، أي بين يروشليم وآل شريم.

أحد المراجع الذي يستند إليه كمال الصليبي، هو العلامة الجغرافي والمؤرخ حمد الجاسر (1910ـ 2000)، يشير في الجزء الثاني من “المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية” إلى عدة أماكن لآل شريم وهي: “شريم من قرى حديد في بلاد بني سعد في إمارة الطائف، آل شريم بمنطقة النماص في إمارة بلاد عسير، آل شريم من قرى بالقرن بمنطقة بيشة في إمارة بلاد عسير، إبن شريم قرية من قرى القنفذة سكانها آل منتشر في منطقة إمارة مكة المكرمة، شريمة في بلاد المسارحة بمنطقة جازان، الشريمية من قرى المسارحة في منطقة جازان، الشريمية من قرى العصمة من إمارة الطائف”.

ثانياً؛ مدينة صيدا وآل زيدان:

يذهب مؤلف “التوراة جاءت من جزيرة العرب” إلى القول “من المؤكد أن صيدن الواردة ـ في التوراة ـ ليست هي الميناء اللبناني صيدون التي هي اليوم صيدا، ومن بين أربع صيدونات تدعى زيدان أو آل زيدان (يقارن الصليبي بين زيدن وصيدن) توجد حتى اليوم في أجزاء مختلفة من عسير، فإن تلك الواردة في سفر التكوين لا بد أن تكون اليوم قرية آل زيدان في مرتفعات جبل شهدان وهو قمة من جبل بني مالك في أراضي جيزان الداخلية، ومن آل زيدان هذه يمتد الحد الثاني للأرض الكنعانية المذكور في سفر التكوين غرباً بإتجاه البحر الأحمر”.

في “معجم معالم الحجاز”، يتحدث عاتق البلادي عن موقعين لزيدان، الأول “جبل أسود جنوب المهر” والثاني “جنوب تبوك” فيما حمد الجاسر يُعدّد “زيدانيات” عدة وفقا للتالي “زيدان من قرى قنا والبحر بمنطقة إمارة بلاد عسير، زيدان من قرى بني بجاد من نازلة من بالأحمر منطقة صبح في إمارة بلاد عسير، آل زيدان في ظهران الجنوب بمنطقة إمارة بلاد عسير، آل زيدان من قرى بني مالك في جبل شهدان بمنطقة جازان، زيدانة من قرى الشاقة اليمانية من إمارة مكة المكرمة”.

ثالثاً؛ مدينة صور وآل زهير:

يعترض كمال الصليبي في كتابه على كون مدينة صور اللبنانية تلك الواردة في التوراة، ذلك أن “صور التوراتية ـ صر بالعبرية ـ لم تكن مدينة عل حافة البحر ـ يم بالعبرية ـ بل الواحة الحالية زور ـ زر ـ وهي الواحة المسماة اليوم زور الوادعة في منطقة نجران، وسفنها كانت في الحقيقة قوافل حيوانات ـ و ـ بيت صور معبد صور ربما آل زهير في منطقة بلسمر، لكن المرجح أن تكون الصار (صر) أو الصور (صر) في منطقة الليث، أو الصور أو الصوري (صر) في منطقة القنفذة”.

حين يتحدث فؤاد حمزة عن جغرافية نجران في كتابه “في بلاد عسير” وهو مرجع معتمد في “التوراة جاءت من جزيرة العرب” يذكر بلدتين بإسم “زور” وهما “زور الوادعة ـ وفيها ـ 40 ـ 50 حصنا” و”زور آل الحارث وهي عدة حلل لآل عسكر وآل خديش وإبن دومان وتبلغ 50 ـ 60 حصنا”، وهما البلدتان اللتنان سيذكرهما جون فيليبي في “مرتفعات الجزيرة العربية”.

عن “زور” وتعدد أماكنها يورد حمد الجاسر الآتي “الزور من قرى القطيف في المنطقة الشرقية، زور الحارث من قرى الموفجة بمنطقة نجران، زور الخير من المطارفة بمنطقة نجران، زور السوار من قرى نجران، زور مقلس بمنطقة نجران، زور مفلح من قرى الأسلوم بمنطقة نجران، زور المنظور من قرى نجران، زور وادعة من قرى الموفجة بمنطقة نجران”.

وكذلك هي الحال مع آل زهير “زهير من قرى سراة عبيدة في إمارة بلاد عسير، وآل زهير في أحد رفيدة بمنطقة عسير، وآل زهير في بالأسمر وبالأحمر بمنطقة عسير، وآل زهير من قرى بني زيد في رجال ألمع في إمارة عسير، والزهيرية من قرى البدارين بمنطقة القصيم”.

حمد الجاسر: الصليبي لم يدرك أن أكثر المدن والقرى تحمل أسماء حديثة، وليس الأمر كذلك بالنسبة لكثير من الأقطار الأخرى كسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ومصر، إذ أن تلك الأقطار غالب سكانها من الحضر المستقرين الثابتين فيها على توالي العصور، فتبقى أسماء المدن والقرى ثابتة بخلاف سكان الجزيرة الذين أكثرهم عرضة للتنقل والإرتحال فينشأ عن ذلك إحداث أسماء جديدة للمواضع والمياه والقرى وتُجهل أسماؤها القديمة

وتتعدّد أيضا الأسماء والمواقع المنسوبة إلى صور، فعند عاتق البلادي “الصور قرية للعُصمة والخشارمة من عتيبة في وادي بسل، وادي الصور وادي لبلحارث طريق الجنوب، والصور قرية جنوب الطائف، والصور قرية في بلاد بني السعد في منطقة لغب، والصور قرية في وادي نخب، وصور ابن شكران قرية للسياييل من بني سعد جنوب السحن، صوري صدر وادي اليتمة وادي زراعي من كبار روافد النقيع، الصوراء وهي قرية على ساحل البحر بين المويلح ومدين، الصوران موضع في المدينة بالبقيع”.

إقرأ على موقع 180  عن الامبريالية، الدولة العظمى، العظيمات، والمعظومين!

ويحصي حمد الجاسر هذه “الصورات” في معجمه “الصور من قرى الحشابرة من عتيبة في وادي بسل في إمارة الطائف، الصور من قرى مرير من بلحارث بمنطقة بيشة في إمارة عسير، الصور من قرى العرضية اليمانية بمنطقة مكة المكرمة، الصور من قرى وقدان في وادي نخب من إمارة الطائف، الصور من قرى بني رشيد في إمارة حائل، الصور من قرى الخشايش بمنطقة المعدن وادي السلامة في الطائف، الصور من قرى العصمة من الطائف، الصور من قرى ثمالة في الطائف، الصور وادي في بلاد آل يزيد في الطائف وفيه قرية تحمل هذا الإسم، الصور من قرى آل خالد في الطائف، الصور من قرى بني بيضان في إمارة الباحة، الصورا من قرى آل منتشر في مكة المكرمة، الصورة من قرى ظبا في إمارة تبوك، الصورة من قرى قنا والبحر في عسير”.

رابعاً؛ السامرة وشمران وآل شمّر:

في قواعد المقابلة اللغوية التي يتخذها أساساً لكتابه يجزم الصليبي أن “شمرون وتعريبها السامرة ـ بلدة سبسطية الفلسطينية بالقرب من مدينة نابلس في الضفة الغربية ـ والسامرة قام ملوك إسرائيل ببنائها على هضبة قريبة من يزرعيل اشتروها من شمر ومن هنا جاء الإسم الذي أعطوها وهو بالعبرية شمرون، ويزرعيل معربة يزرع ءل ـ أي ليزرع لله أو زرع الله هي بالتأكيد آل الزرعي في أسفل وادي الغيل (السعودية) وهكذا فإن يزرعيل هو الإسم القديم لوادي الغيل”.

وقد افترض علماء التوراة حتى الآن، بحسب الصليبي، أن وادي الغيل هو “مرج إبن عامر الذي يفصل بلاد فلسطين عن الجليل في الشام، والأكثر احتمالاً أن شمر المالك الأصلي للهضبة التي بنيت فوقها السامرة ـ شمرون ـ لم يكن شخصاً بل قبيلة شمران وقد استمر وجودها في غرب شبه الجزيرة العربية حتى اليوم، وكانت السامرة بلا شك ما هو اليوم قرية شمران في منطقة القنفذة، وإن السامريين كطائفة استمروا في تسمية أنفسهم بني يسرءل أي شعب إسرائيل أو ه ـ شمريم وهذا الإسم يؤخذ على أنه يعني الحراس ولكنه يعني عملياً أهل شمر”.

حيال ذلك يجدر التوقف عند يزرعيل وآل الزرعي، ويزرعيل ووادي الغيل والسامرة وشمران وأهل شمر، وفي معجم “البلاد العربية السعودية” ما يلي من أسماء ومواقع قرى: الزرع من قرى إضم بمنطقة الليث في إمارة مكة، آل الزرع من قرى بالأسمر في عسير، آل زرعان من قرى آل سرور بمنطقة الباحة، الزرعة من قرى أولاد سعدي في تهامة زهران بإمارة الباحة، الزرعة من قرى بني مالك في إمارة مكة، بني زرعة من قرية قلوة في إمارة الباحة، الزرعي في قرى لعبان في عسير، آل الزرعي من قرى نعص في إمارة عسير”.

عن شمر وشمران يرد في “معجم قبائل المملكة العربية السعودية” لحمد الجاسر هذه التعريفات المتعددة:

أن شَمّر ـ فتح الشين ـ “من عشائرها عبدة وسنجارة والأسلم والتومان وفداعة وآل ثابت، ومنازلهم حول جبلي أجا وسلمى وقاعدتهم مدينة حائل ومن بلادهم أجا والأديرع وأم رضمة وأبو روادف وتربة والتيم وجلدية وجانين وجبلة وجبران وحبشي والخاصرة وضراف” وأما شمران ـ كسر الشين ـ “من خثعم ومن أفخاذهم العبوس وسحاب وآل مبارك وبلادهم تقع غرب بيشة على طريق الطائف في السراة منحدرة غرباً إلى تهامة، جنوب بلاد غامد وغرب شهران وشمال خثعم وبلقرن” وشمران أيضا في تعريف آخر “من آل غراب من المحمد من نصرالله الزقاريط من عبدة من شمّر” وأيضاً “الشمروخ ـ ضم الشين ـ من سنجارة من شمّر من بلادهم في إمارة حائل الخريزة وعذفا” وإلى هؤلاء يضاف “الشمّارين من المرازيق من المحاميد من البقوم”.

وعن شمران يقول فؤاد حمزة “منها فرق تقيم في تهامة غير أن لها أقساما في ديار بيشة هي العبوس وسنحاب وآل مبارك” ويُلفت حمد الجاسر في “افتراءات الصليبي” لمحمد عبدالله الحميد إلى أن “أكثر ما يفوت الصليبي مراعاة الفارق الزمني بين أسماء وردت في التوراة قبل خمسة وعشرين قرناً وأسماء حديثة لا ترقى إلى مئات السنين، كما يفوته عدم التفريق بين أسماء مواضع ثابتة وأسماء عشائر هي عرضة للتنقل من امكنتها، وشمران هذه لم تكن قبل تسعة قرون في هذه البلاد وإنما كانت مع أخواتها من فروع قبيلة مذحج وسنحان وجنب في سفوح السراة الشرقية الجنوبية شرق سراة عبيدة الآن”.

وهذه الملاحظة عن آل شمران وعدم مراعاة تبدلات الزمان واستبدالات المكان، سيكتب عنها الباحث المعروف أحمد الفيفي (نسبة إلى جبال فيفاء في منطقة جازان التي يُكثر الصليبي من الحديث عنها) إنما عن آل شريم في “تاريخ بني اسرائيل وجزيرة العرب” قائلاً بالنسبة للصليبي “ما دامت في الإسم حروف رـ ش ـ ل ـ ياء ـ م ـ فهو اورشاليم وهذا يعني أن جد آل شريم، كان هناك منذ فجر التاريخ، وعشيرته كانت هناك منذ الفجر إلى اليوم وظلت تسمى آل شريم، لقد تأبدوا في المكان نفسه منذ ما قبل ظهور التوراة، أي انهم ما برحوا منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام هناك خالدين مخلدين”.

على هذا “الإجتهاد اللغوي” أو “المقابلة اللغوية” يعلق حمد الجاسر فيقول إن الصليبي “يخلط بين أسماء القرى وأسماء السكان، ولم يدرك أن أكثر المدن والقرى تحمل أسماء حديثة، وليس الأمر كذلك بالنسبة لكثير من الأقطار الأخرى كسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ومصر، إذ أن تلك الأقطار غالب سكانها من الحضر المستقرين الثابتين فيها على توالي العصور، فتبقى أسماء المدن والقرى ثابتة بخلاف سكان الجزيرة الذين أكثرهم عرضة للتنقل والإرتحال فينشأ عن ذلك إحداث أسماء جديدة للمواضع والمياه والقرى وتُجهل أسماؤها القديمة”.

وبناء على هذه التصريفات والإحالات من العبرية إلى العربية ستغدو أوروساليم آل سلام وشلم آل سلامة وعولم آل الأعلم أو آل العلم والجبور آل جبار وحنم آل حومان وذفكيء آل فقيه وجبعون آل جبعان وهصون آل زيان وبن يمن آل يماني وجرشي قبيلة قريش وءنوشي هشم قرية آل هاشم، وهكذا..

(*) في الجزء الثاني من هذه المقالة سيصار إلى استكمال قراءة “المقابلة اللغوية” التي اتخذها كمال الصليبي أساساً لـ”التوراة جاءت من جزيرة العرب” ومقارنتها أيضاً مع المراجع التي اعتمدها وتناول فيها لبنان ومصر وفرعون والأردن وصهيون ودمشق والخليل ونهر الفرات وغيرها من المواضع والأماكن.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  كتابة التاريخ و"أجندة" المؤرخ.. سِبط ابن الجوزي نموذجاً