في الحَقّ.. والبَاطِل

وَصَل أحد الأصدقاء وعلى وجهه علامات الغيظ الشديد، تلته صديقة أخرى؛ ما إن رآها حتى انطلق في وصلة تأنيب. اتفق معها على موعد فتأخرت ولم تعتذر، واضطر لمهاتفتها فأخبرته أنها لن تتمكن من مقابلته؛ لكنها راحت تطيّب خاطرَه وتتعلل بظرف طارئ أقعدها عن رؤيته، وختمَت كلامها قائلة: "حقَّك عليَّا". الاعتذار مألوف؛ يدين به القائلُ نفسَه ويحاول تخفيفَ الموقفِ المزعج الذي تسبَّب فيه، وغالبًا ما تمضي الأمور على ما يرام إذ الرجوع إلى الحق فضيلة، والإقرار بالذنب خصلة طيبة لم تعد ترى إلا في النادر من الأحوال.

يأتي المأثور الشهير: “حقٌّ يضُر خير من باطل يسُر”، والمعنى أن الضَّرر الحاصل بسبب التزام المبادئ القويمة لأهون وقعًا من المَسلك المُنحرِف الذي يسعد به صاحبه، والعادة أن يفيد الحقُّ على المدى البعيد الآجل، وأن يؤذي الباطلُ مَن اختاره خلال زمن قصير.

***

إذا افترَقت الطرقُ وتباعدت مآلاتها وارتبك السائر أيها يختار؛ استرشد بالقولة الحاسمة: “الحقُّ أحق بأن يتبع”، والحكمة العربية الأصيلة تقول: “الحقُّ أبلج والباطلُ لجلج”. الأبلجُ هو المُضيء المُشرِق وبالتالي يُبصِره الناسُ بينًا وجليًا؛ فلا يحتاج جهدًا للتعرُّف عليه، أما اللجلَج فهو الغامِض المُلتبِس الذي لا يتَّسم بالوضوح؛ فيختلط أمره على الناس ويُورِثهم الحيرة. تعقَّدت بنا الحياة وصار لونها الغالبُ رماديًا، لا يساعد على الحسم ولا على اتخاذ مواقف قاطعة، تداخل الأبلج مع اللجلج واحتجنا لوقفة نفصل فيها ما بين هذا وذاك، ونُعيد النظرَ في مواقفنا ومسالكنا.

***

ربما يلوم أحدهم صاحبَه على التخلي عنه، والانتصار لآخر على عكس إرادته ورغبته، وإذ تحتدم الأجواء؛ يجيب المَلومُ بالإجابة المُفحِمة: “الحقُّ حَق” أي؛ هو أجدر وأولى بالتأييد، لا يمكن التسويف فيه ولا التردُّد إزاء دعمه، والمعنى غير المباشر أن اللائمَ قد حاد عن الدَّرب المستقيم، وسار معوجًا، وتعذرت بالتالي نصرته ومخالفة الضمير عبر التضامُن معه.

***

غنَّى محمد عبد الوهاب من ألحانه: “أخي جاوز الظالمون المدى.. فحقَّ الجهاد وحق الفدا“. الكلمات من قصيدة “فلسطين” لعلي محمود طه، وقد قدمها عبد الوهاب عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، والوصف حاضر، ظاهر، والموصوف لا يحتاج إلى تعريف. تمضي الأبيات فتتساءل: “أتتركهم يَغصبُون العروبة .. مَجدَ الأبوة والسؤددا؟” غرض السؤال هنا نفيٌ وإنكار، والإجابة المتوقعة بالطبع “لا”، ومِن ثمّ يأتي استنهاضُ الهِمَمَ والإرشاد لسبيل الخلاص: “وليس بغير صليل السيوف.. يجيبون صوتًا لنا أو صدى”. تحمل الكلمات قدرًا وافرًا من الوضوح نفتقده في وقتنا الراهن، فتقرُّ بالحق وتحدّد المسارَ المطلوب وتعين الأفعال اللازمة، ولا تترك فرصة لتلاعب لفظي أو للمراوغة والتهرب من المواجهة. العدو معروف والتعامل معه بما يستحق واجب لا ينبغي التنصُّل منه أو ادعاء الحكمة ورجاحة العقل إزاءه.

***

كثيرًا ما نستخدم تعبير: “إحقاقًا للحق” أي؛ تنفيذًا له وتوفيرًا لمتطلباته. تصدر العبارة لإضفاء الشرعية الدينية على ما سيدلي به القائل تاليًا، وغالبًا فإنه سينحاز لما سوف يثير الغضب أو الضيق. التذرع بإعلاء كلمة الحق هو الملاذ والمنجى، فلا يجوز لأحد أن يدعو علانية لتأييد باطل ولو على سبيل المجاملة، وفي هذا السياق قد ينبري واحد بإعطاء المشورة أو لحكم في موقف معقد بين أطراف متناحرة؛ فيبدأ كلامه وينهيه أيضًا بقولة: “حقّ ربنا”؛ يدلل بها على حياده والتزامه أسس العدل، وعدم وجود مصلحة شخصية له في تغليب طرف على آخر. ذِكر الرَّبِ غالبًا ما يؤتي ثمارَه، فيرتضي الناسُ الحكمَ؛ لكنه قد يغدو بعض الأحيان مدعاةً للتشكيك في الذِمَّة وتوجيه أصابعِ الاتهام للقاضي.

***

إذا أدرك الواحد أنه أخطأ تجاه آخر قال إنه “مَحقوق” له، على وزن مفعول، والكلمة مشتقة من الفعل أحقَّ بفتح القاف وتشديدها. أحقَّ نفسه أي أدانها، والمحقوق مدان، عليه أن يكفر عن خطأه وأن يزيل أثره، وإذا قيل يحقُّ لفلان أن يفعل كذا وكيت، فمساندة له وسعيًا لإعطائه ما يستحقُّ من دعم. يحقُّ للفلسطينيين أن يقاوموا العدو الذي يحتل الأرض، ويحقُّ لكل شعب مقهور أن يقاوم حاكمَه ما تجاوز في حقّه وأفسد في حاضره ومستقبله، ويحقُّ لمَن أنهكته المظالم أن ينتفضَ فيردها عن كاهله.

***

درَّست كلية الحقوق المصرية مواد القانون باللغة الفرنسية، وقد تأسست أولها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في عهد الخديو اسماعيل وسميت “مدرسة الإدراة والألسن” قبل أن تتحول إلى مدرسة الحقوق، ثم تنضم إلى جامعة القاهرة في عشرينيات القرن العشرين، ويذكر أن الكثير من القواعد القانونية مأخوذ بدوره من القانون الفرنسي، وفي حين جاءت الثورة الفرنسية لتعلن مبادئها الثلاثة الشهيرة: حرية، إخاء، مساواة، وهي حقوق ثابتة وجذرية تساوي بين البشر ما حكمتهم سلطة متمتعة بشيء من الديموقراطية؛ فإن حقوق الإنسان لدى الأنظمة القمعية تعبير فاحش مكروه؛ لا يُذكَر إلا وصُوِبت نحوه السهام وتغلظت التهديدات.

***

غنَّت نور الهدى: “إن جيت للحقّ أنا زعلانه“، من كلمات عبد العزيز سلام وألحان فريد الأطرش. اسم المطربة الحقيقي ألكسندرا نيقولا بدران وهي لبنانية الأصل، وقد أعطاها اسمها العربي يوسف وهبي فاشتهرت به وسط الجماهير العربية، خاصة بعدما مثلت عددًا من الأفلام وأدَّت عديدَ المُوشَّحات والأغنيات لتحوز لقب “أم كلثوم لبنان”.

إقرأ على موقع 180  في اللا جَدوى

***

تكوَّنت نظارة الحقانية في عهد الخديو اسماعيل، ويقال إن الهدفَ الرئيس من إنشائها تقييد السُّلطة المطلقة للخديو في البلاد، وبحث مسألة الديون التي ازدادت على غير المأمول، وقد تغير الاسم بمرور الوقت وتطوَّرت المفاهيم؛ فتحوَّلت النظارة إلى وزارة العدل وهي مفردة تبدو أكثر هدوءًا ومُسالمة، وربما تبين أن الوصولَ إلى الحقّ وتطبيقه صعبٌ عسير، وأن محاولة تحقيق العدل أخفّ وطأة وأيسر، وعلى كل حال اعتدنا أن نصف الشخص العادل بأنه حقانيّ، ومن ثم ظلت الكلمةُ في قاموسنا اليوميّ؛ وإن بَهت حضورها وتراجعت في ظل الأحوال المتدهورة.

***

قالت العربُ قديمًا: “دولةُ الباطل سَاعة ودولة الحَقّ إلى قيامِ السَّاعة”، والقولة لمِمَا يأملُ المرءُ في تحقُّقه، ومِمَا يُراد لوقوعه عزمٌ أصيل وعملٌ دؤوب؛ فإن توفَّرا هانت السَّاعةُ وقَصرت الدقائق.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  في اللا جَدوى