منذ لعنات النكبات، العثمانية والفرنسية ومعها البريطانية، وجد جبل عامل نفسه أمام لعنة النكبة الفلسطينية، التي تضاهيه إبادةً، بفعل الاسرائيلي في التصاق حدودي أو “الإقتران الهيكلي” (Structural Coupling) الذي حاذى أهل الجنوب محاذاة إسرائيلية برّية، جوّية، بحرية، وهو ما أقامهم أمام خيارات ثنائية ثلاثة: قتل أو تهجير- مواجهة ومقاومة – أو خضوع واستسلام. والحال أن الجنوبي إختار الجمع بين الأول والثاني منجاةً من الثالث؛ تحمّل القتل، وعانى التهجير والتدمير، وتولى زمام المواجهة والمقاومة، بما ملكت يداه، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، عقداً إثر عقد، مع المقاومة الفلسطينية، فاليسارية، فالوطنية، فالإسلامية، ديدنه خلالها خليط القتل والتدمير والتهجير، والصمود والمواجهة والمقاومة، لكنه لم يتعرض للإبادة المكانية، ولا للإبادة الزمانية، كما هو حال قراه الممحية عن المكان والزمان، بالعشرات، ومنازله المزالة عنها بعشرات الآلاف، والمرتكب يفاخر أنه يدمر ويجرف ويزيل “قرى عمرها مئات السنين” كزيتونها، مثلما يفاخر بأنه “الجيش الأكثر أخلاقية” وتلك أولى علامات هزيمته و”كل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي” كما يؤكد المفكر الإسلامي علي عزت بيغوفيتش(1925-2003).
من عادات الحروب أن تستهدف الجيوشُ الجيوشَ المقابلة لها، وجرت عادة الجيوش أن تقتل وتدمّر، ونادراً ما تحولت إلى مبيد بشري، كما هو حال المبيد الإسرائيلي، وقد تكون الإبادة لبيت، لبيوت، لأسرة، لأُسَر، لحيّ، لأحياء،، لكن أن يتفرغ المبيد بعد احتلال الأرض إلى تفريغ سطحها، ويتفضى بعد تهجير سكانها إلى قتل كل ما هو حي وغير حيّ عليها، وتقليب وخلط عاليها بأسفلها، فذاك ما لا يُفهم إلا في إطار الإنتقال من “عقيدة الركام” إلى عقيدة “الإبادة الوجودية”، بما تعنيه من استبدال شعب بآخر، وتبديل عمران باستيطان، وطمس ذاكرة حضارية، لصالح ذاكرة بلا حضارة، وكيّ للوعي الجمعي، لأجل جماعة بلا وعي، ومحو تراث لمن لا تراث له، وبما يطمس الماضي بوأد الحاضر، إعداماً استباقياً للمستقبل، وقد قرر موريس هالبفاكس(1877-1945) في كتاب “الذاكرة الجمعية” أن “الماضي لا يُستعاد كما هو، بل يعاد تشييده انطلاقًا من أطر الحاضر”. لذا نحن أمام مزيل للماضي بما لا يعاد تشييده، وتستحيل استعادته، فهو يبيد بما يتخطى ذريعة الأمني المُعلَن، ويتجاوز العقاب الجماعي للسكان على كل شيء، خياراتهم، انتخاباتهم، نوابهم، بلدياتهم.. إلى كل ما هو نمطي في حياتهم، أجدادهم، ذكرياتهم، عاداتهم، تقاليدهم، علاقاتهم، روابطهم، بما يفككها تفكيكاً أبدياً حدّ الإندثار، هو يريد أن يكوي الفكرة، ليس فقط فكرة المقاومة، ولا فكرة العودة إلى أرضهم، بل حتى فكرة أن لهم أرض، لينمو جيل الحاضر بلا أرض، بلا ذاكرة، مقطوع الجذور، مبتور الماضي، ليستحيل جذوراً بلا تراب، يفنيها اليباس، ويصبح التراب البدون جذور أرضاً بورا.
وإذا كانت نظرية العمران عند إبن خلدون تقوم في مقدمته على سؤال محوري واحد هو: كيف نُعمِّر الأرض؟ فإن المبيد الإسرائيلي مخلوق لسؤال واحد: كيف نُخرّب الأرض، ولهذا لم يكن إنتقاماً فقط، إقدامه على تلزيم المنطقة لشركات مقاولات خاصة، شركات تخريب، مختصة بالإبادة، استجلبها من دولته العميقة بالتوحش، لكل قرية جرافاتها وكساراتها وآلياتها للهدم وللجرف وللطحن تنفّذ الكارثة على مراحل:
-المرحلة الأولى جرف البيوت الباقيات، الناجيات من الغارات، بعد إباحتها لهم بما فيها من ممتلكات، وفق “مقطوعية” على كل بيت، مبلغاً رخيصاً مثلهم، قيل أنه الف دولار على كل بيت.
-المرحلة الثانية إدخال كسّارات إلى كل قرية أو بلدة، تقوم بتكسير المدَمَّر، واستخراج الحديد منه؛ حديد الأسقف، والجدران الخرسانية وغيرها..
-المرحلة الثالثة تجريف الركام في عين المكان من حيّز إلى حيّز، ومن ثَمّ تقليب التراب رأساً على عقب بما يوجد سطحاً جديداً كلياً، وهو ما تحدث عنه جوزف شومبيتر(1883-1950) في نظرية “التدمير الخلاق” التي “تدمّر الهيكل القديم بلا توقف، وتخلق هيكلًا جديدًا بلا توقف” لضرب الواقع الحضري، وبتوحش غير مسبوق في تاريخ الإبادات الجماعية، أتت على ما تبقّى منها، فاستشهدت كلها في مجزرة واحدة، “مجزرة البيوت” التي تشكل الضيعة، واستشهدت الضيعة وأخواتٌ لها في “مجازر الضيع”، ومنها من لا تزال كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، تقاوم الغارات أو تستشهد ومنها من تنتظر من يحرّر وما بدّلت تبديلا.
-القرية لغةً هي “كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ للإقامة والجمع”.
-الضيعة في لغة العرب هي “الأرض المشتملة على غلة ونتاج”.
-البلدة اصطلاحاً “تجمع سكاني بشري أكبر من القرية وأصغر من المدينة”.
هذه الركائز الثلاث هي المكوّن الديموغرافي في جبل عامل، وفي الثلاث جماعة جمعتهم الجغرافيا والتاريخ، وصهرتهم الافراح والأتراح؛ نبتوا “كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة”، تعاهدوا بلا تعاهد، على العيش معاً، والموت معاً، في عين المكان، فمن فوّض غيرهم أمر التفاوض عليها باسمهم؟ هم سابقاً المالكون والقاطنون، وهم لاحقاً المهجّرون الهائمون على وجوههم في أربع جهات الوطن، مسكونون بهاجس العودة قبل الموت، وأبناؤهم هم الملتحمون المجبولون بأديمها، وبعضهم لا تزال أشلاؤه في طرقاتها وبيوتاتها، فيها رفات الأهل، وأجداث الأجداد، وأجداد الأجداد؛ فيها ما ليس في غيرها من حيوات؛ فيها حجارتها الصخرية التي نحتها الجدود من صخورها، وجعلوها صالحة لبناء بيوتها، ونقلوها على الجمال لثقلها، كي يوصلوها الى مستقرها، لتكون كما هم، حيث يجب أن تكون، وتلك عملة نادرة، بل مستحيلة في زماننا، وقد جاء “مارشال ماكلوهان”(1911-1980) بعدهم في الأربعينيات ليقول بنظرية “كل وسيلة هي امتداد للانسان”، والقرى ليست محض وسيلة للحياة، بل هي امتداد للأنسنة المفقودة عند مستبيحها، كما الحجارة التي هي روح زمان يُباد، كما الأشجار المعمّرة منذ مئات السنين، التي حفرت جرافات الإبادة خنادق حولها كي تستطيع اقتلاعها، لتُنقل مقيّدة كالأسرى، وتُزرع في تراب فلسطين، كما يُنقل الدم من جسمٍ إلى آخر، وكذا المكتبات والمخطوطات، المساجد والحسينيات، المقامات الدينية والمعتقدات، بُرَك الماء المستديرة والطرقات، الأدراج القديمة والساحات، الأواني العتيقة والأغراض، المتاع وعدة الفلاح، أشكال البيوت، قرميدها القديم.
وما بين البيت والقرية، وشائج قربى وروابط جينية، تجمعهم مروحة عصبيات، أسرية، عائلية، اجتماعية، مجتمعية، أرضية، نفس الهواء، نفس الماء، “ولا يألف الإنسان إلا نظيره/ وكل امرئ يصبو إلى ما يشاكله” حتى الأسواق يتقاسمونها مداورة كل أسبوعٍ سوقٌ في واحدةٍ منها، لكل قرية يوم لسوقها، والكلّ يأتي من الكلّ إلى الكلّ، يبيع ويشتري، يقايض ويبادل، وينافس، عندما لا تكون المنافسة على بقعة جغرافية، ينافسهم فيها الغزاة على البنية التحتية الإدراكية، وفق تدمير ممنهج للمنازل (DOMICIDE)، لكن استهداف النسيج العمراني هنا يرقى إلى الإبادة الحضرية (URBICIDE) ولهذا قد ينزح السكان، لكن قراهم وإن أُبيدت، لا تبارح المكان، لأن بقاءها أقوى من الذين استباحوها، وهي مهما طال الزمان، زمن الإبادة، لا تغيّر إسمها، ولا تبدّل جلدها، وهم لا يريدون فقط “أرض بلا شعب” لا يملكونها. هم يريدون أرضاً لا يملكون في مخيالهم مشاعر نحوها، لا يقيمون في توراتهم علاقة معها، لا ينسجون في تلمودهم روابط مع تاريخها، لا سردية لهم مع تفاصيلها وهويتها. هم كعمال قطاف شجرة الزيتون، لا يعرفون كم مشكلة يعمل صاحبها معهم إذا ما ضربوها بالعصا مهما صغرت، أو كسروا غصناً مهما صغر. لا يدركون كم خصومة نشأت بين أهل الأرض والأقارب وجيرانها على حدودها، حتى على مترٍ هنا وأقلّ منه هناك، لا يعلمون أنها من الحريم، من المحرمات، لا يفهمون أن الأرض ترادف العرض، لا يسألون:
“كمّ من شهيدٍ قدّموا أرواحهم من أجل تحقيق اليقين/ يا صاحب الأرض اعتصم فالأرض عرض المتقين”.
فالانسان يقاوم كفرد، والضيع تقاوم كجماعة، والمقاوم كالبيت، قد يمسي جريحاً، قد يفقد بعضاً منه، قد يتشظى أشلاء، قد يستشهد، قد يُدفن، كله أو بعضه، وقد يبقى مفقود الأثر، لكن الضيعة تقاوم بكل ما فيها، وتضحّي بكلّها لتبقى، وهي وإن استشهدت كلها تبقى هي الأثر، كل الناس لها مأتم واحد، تشييع واحد، دفن واحد، قبر واحد، إلا هي، كأهلها في تغريباتهم، لها ولهم أكثر من مأتم وتشييع وأكثر من دفنٍ ومثوى. هي الشاهدة، الشهيدة، الاستشهادية. الشاهدة على جرائم الغزاة؛ الشهيدة بحرب إبادتهم؛ الإستشهادية في مقاومتهم، حتى وإن أزالوها عن خارطتهم، فتلك إبادة ورقية، تجعلهم وقراهم مجرد أرقام، خمسون، ستون سبعون قرية وبلدة، ربع مليون مهجَّر منها وعنها، مئة ألف وحدة سكنية، كذا مليار دولار لإعادة الإعمار، وإنقاذها من الإندثار، وإذا اندثر النسيج العمراني والاجتماعي فقد نعيد إلى المكان أهله، وإلى الأهل مكانهم، ولكن كيف نعيد زمانهم؟ في وطن يفتشون فيه عن مكانهم، ويفقدون هويتهم المكانية والزمانية، في وطنٍ مبتور الجنوب، ليس لدى سلطته عاطفة المكان ولا هواجس الزمان، ولا يدري معظمه ما “وجع المكان” عندما يكون هو البيئة المادية التي تتنفس إعادة استيلاد الأمكنة، وترميم الأزمنة، واستعادة الذاكرة المكانية ولملمة بقايا شتاتها من براثن أولاد الشتات، ليعود من يعود، ولكن إلى ماذا يعود؟ ومتى يعود؟ ولسان حاله واحد: “يروح كل شي المهم تبقى الأرض”.
***
“يا صاحب الأرض ثبّت جذوركَ
في التراب فأنت باقٍ ها هنا
الأرض أرضكَ يا فتى هذه البلاد بلادنا
هم جهلةٌ لا يعلمون بأن وطنك خالدٌ
فأصمد ورابط واحتسب إنا وراءك كلّنا”.
