اليمن: جغرافيا الحرب المستدامة.. قراءة في أبعاد الأزمة اليمنية

منذ اندلاعه قبل أكثر من عقد من الزمن، لم يعد الصراع في اليمن حرباً أهلية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تحوّل إلى مسرح تتقاطع فيه حسابات محلية وإقليمية ودولية متشابكة، بحيث بات من الصعب فصل ما يجري داخل الحدود اليمنية عمّا يجري حولها. فاليمن، بموقعه المطل على مضيق باب المندب وأحد أهم الممرات الملاحية في العالم، لم يكن يوماً مجرد ساحة صراع داخلي، بل نقطة ارتكاز في معادلة أوسع تتصل بأمن الطاقة والملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية بين محاور متعددة.

ويصعب اليوم الحديث عن طرفين فقط في هذا الصراع. على الجانب الشمالي، تسيطر جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) على صنعاء وأغلب المرتفعات الشمالية والغربية منذ عام 2014، وتدير مؤسسات موازية عبر “المجلس السياسي الأعلى”، ويتمركز الثقل السكاني والإداري الأكبر للبلاد تحت نفوذها.

في المقابل، تمثّل الحكومة المعترف بها دولياً، عبر مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، الشرعية الدستورية، لكنها تدير مساحة جغرافية متصدعة تتوزع فيها مراكز القوى المتعددة. وحتى داخل معسكر “الشرعية” نفسه، لم يكن التماسك سمة ثابتة، فقد شهدت الأشهر الأخيرة تطوراً لافتاً للانتباه تمثّل في عملية عسكرية واسعة شنّتها القوات الحكومية المدعومة سعودياً لاستعادة السيطرة على مناطق كانت خاضعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، تُوّجت بسيطرة القوات الحكومية على عدن مطلع عام 2026 وإعلان حل قوات “الحزام الأمني” التابعة للانتقالي (الامارات).

هذا التطور يعكس بعمق إشكالية أعمق مفادها أن الانقسام في اليمن لم يعد بين “شرعية” و”حوثيين” فحسب، بل يشمل أيضاً صراعاً على الهوية والمستقبل السياسي للجنوب، بين قوى تتمسك بوحدة الدولة اليمنية وأخرى تطالب بالانفصال أو بصيغة فيدرالية موسعة. وهذا التشظي الداخلي يفسّر جانباً كبيراً من إخفاق الجهود السياسية المتكررة؛ إذ لا يكفي التفاهم بين طرفين رئيسيين لإنهاء الحرب، بل يستلزم معالجة شبكة معقدة من الولاءات المحلية والمصالح الاقتصادية والعسكرية المتضاربة.

على الصعيد العسكري، دخل الصراع منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في نيسان/أبريل 2022 في ما يمكن وصفه بـ”اللاحرب واللاسلم”: استمرار التوترات مع توقف نسبي للعمليات العسكرية الكبرى بين الحكومة والحوثيين، لكن دون تسوية سياسية شاملة. غير أن هذا التوازن الهش بدأ يتصدّع بشكل واضح خلال عام 2026، إذ حذّر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من أن اليمن يواجه خطراً متزايداً من العودة إلى صراع واسع النطاق لم يشهد مثيلاً له منذ الهدنة التي بدأت قبل أربع سنوات. وترافق هذا التصعيد مع انخراط الحوثيين المباشر في المواجهة الإقليمية الأوسع، حيث استأنفت الجماعة إطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل بعد اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية في شباط/فبراير 2026، معلنة تضامنها مع طهران. كما شهدت الأشهر الأخيرة غارات استهدفت محافظات يمنية عدة أبرزها الغارة على مطار صنعاء واستهداف مدينة الحديدة، مقابل إعلان الحوثيين استهداف منشآت نفطية سعودية، في مؤشر على اتساع دائرة الاستهداف المتبادل.

في الوقت نفسه، تتحدث تقارير عن خيارات عسكرية تدرسها الرياض ضد الحوثيين، مع حرص واضح – بحسب محللين – على تجنّب الانجرار إلى حرب برية واسعة قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة للمملكة، وخصوصاً في ظل شكوك حول قدرة القوات الحكومية على التنسيق الكافي لشن هجوم واسع النطاق. والأخطر من ذلك أن رقعة المواجهة لم تعد محصورة جغرافياً باليمن، إذ تشير تقارير إلى انطلاق هجمات ضد السعودية من فصائل عراقية موالية لإيران بالتنسيق مع الحوثيين، وهو ما يربط الملف اليمني بشكل مباشر بالتوتر الأميركي الإيراني الأوسع، ويحوّله من أزمة محلية بأبعاد إقليمية إلى حلقة في صراع إقليمي متعدد الجبهات.

وبعيداً عن عناوين المعارك، يظل البعد الإنساني هو الوجه الأكثر مأساوية للأزمة اليمنية، وإن كان الأقل حضوراً في التغطية الإعلامية العربية والدولية. فوفق خطة الاستجابة الإنسانية الأممية لعام 2026، يحتاج نحو 22.3 مليون يمني – أي ما يقارب نصف السكان – إلى المساعدة الإنسانية والحماية، بينهم أكثر من 5 ملايين نازح داخلياً، ويعاني نحو 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من نصف مليون حالة سوء تغذية حاد وخيم.

والأخطر أن هذه الأزمة لا تتجه نحو التحسن بل نحو التفاقم؛ فقد حذّر منسّق الإغاثة الأممي في منتصف عام 2026 من “مجاعة متسارعة”، مشيراً إلى ارتفاع نسبة العاجزين عن توفير الغذاء الكافي من 50 إلى نحو 60 بالمئة خلال شهر واحد فقط، في مؤشر على أن وتيرة التدهور باتت تفوق قدرة الاستجابة الإنسانية على الاحتواء، بينما يعمل أقل من 60 بالمئة من المرافق الصحية بكامل طاقتها، وتتراجع معدلات التطعيم وتنتشر الأوبئة القابلة للوقاية. ويضاف إلى ذلك بُعد بنيوي عميق يتمثل في أزمة تمويل الاستجابة الإنسانية نفسها، فخطة عام 2026 التي تستهدف جمع 2.16 مليار دولار لم تُموَّل سوى بنسبة ضئيلة، وهو ما اضطر منظمات الإغاثة إلى تقليص برامجها المنقذة للحياة في وقت تتصاعد فيه الحاجة.

وهذه المفارقة، بين تصاعد الاحتياجات وتراجع الدعم الدولي، تعكس ما بات يوصف بـ”إرهاق المانحين”، حيث تتنافس الأزمة اليمنية على الاهتمام والموارد مع أزمات إنسانية موازية في السودان وغزة وأوكرانيا، ما يجعل اليمن أحياناً أزمة منسية برغم حجمها الإنساني الكبير.

إقرأ على موقع 180  عبد اللهيان أول الخامنئيين على رأس الخارجية الإيرانية

أما على المستوى الإقليمي، فيمثّل اليمن اليوم واحدة من أوضح الساحات التي تتقاطع فيها استراتيجيات القوى المتنافسة. فالسعودية، التي تقود منذ 2015 تحالفاً عسكرياً لدعم الحكومة الشرعية، تنظر إلى الملف اليمني من زاوية أمنها القومي المباشر، نظراً لطول الحدود المشتركة وتكرار استهداف أراضيها بالصواريخ والمسيّرات. أما الإمارات، فقد اتخذت مساراً موازياً يركّز على دعم قوى محلية جنوبية كالمجلس الانتقالي، بما يعكس رؤية مختلفة أحياناً عن الرؤية السعودية بشأن مستقبل الجنوب اليمني ووحدة الدولة، وهو تباين ظهر بوضوح خلال المواجهات الأخيرة بين القوات الحكومية والقوات المدعومة إماراتياً.

في المقابل، تُتهم إيران – وتنفي بشكل متكرر – بتقديم دعم عسكري وتقني للحوثيين، في إطار ما يوصف بـ”محور المقاومة” الذي يربط الجماعة اليمنية بحلفاء طهران في المنطقة، وقد عزّز انخراط الحوثيين في المواجهة مع إسرائيل، وتصريحات قادتهم عن الوقوف مع إيران في حربها مع إسرائيل عام 2026، هذا الارتباط في الأذهان، وإن ظلّ الحوثيون يقدّمون أنفسهم كحركة يمنية مستقلة القرار.

أما سلطنة عُمان، فتلعب دوراً مختلفاً تماماً، إذ ظلت لسنوات القناة الدبلوماسية الأكثر فاعلية بين الأطراف المتحاربة، مستضيفة جولات تفاوض ولقاءات بين المبعوثين الأمميين ووفود الحوثيين، في محاولة للحفاظ على مسار تفاوضي حتى في أحلك لحظات التصعيد.

وعلى المستوى الدولي، ظل مجلس الأمن الدولي الإطار الرسمي المعني بالملف اليمني، لكن من دون أن يتمكن من فرض تسوية شاملة. وقد شهد الموقف الدولي انقساماً واضحاً حول قضايا فرعية، مثل مستقبل بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، حيث دفعت الولايات المتحدة نحو تقليص دورها بحجة عرقلة الحوثيين المتكررة لعملها، بينما رأت كل من الصين وروسيا أن البعثة تؤدي دوراً استقرارياً ينبغي الحفاظ عليه. كما ظلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الفاعلين الدوليين الأكثر انخراطاً عسكرياً بشكل مباشر، عبر ضربات سابقة استهدفت مواقع حوثية رداً على استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، في وقت واصلت فيه المنظمات الأممية والإنسانية الدولية توجيه نداءات متكررة للمجتمع الدولي من أجل زيادة التمويل ودعم الحل السياسي.

وتظل معضلة الشرعية الدولية حاضرة بقوة في الخطاب اليمني الرسمي؛ إذ يُشدّد المسؤولون في الحكومة المعترف بها على ضرورة عدم المساواة بين الدولة والجماعات المسلحة في المواقف الدولية، مطالبين بموقف واضح يدين استهداف الموانئ والمنشآت المدنية، في إشارة إلى قلق متزايد من أن يفسَّر الغموض أو الصمت الدولي على أنه مساحة لمزيد من التصعيد من جانب الحوثيين.

في المحصلة، بعد أكثر من عقد من القتال، لم تعد الحرب اليمنية قابلة للاختزال في صراع بين “شرعية” و”انقلاب”، ولا في مواجهة بالوكالة بين قوى إقليمية، بل هي مزيج معقد من الاثنين معاً، تتشابك فيه حسابات السيادة الوطنية مع صراعات النفوذ الإقليمي، وتتقاطع فيه معاناة السكان مع حسابات جيوسياسية أكبر منهم بكثير.

وما يبدو واضحاً اليوم أن أياً من الأطراف الداخلية أو الإقليمية لا يملك القدرة-أو ربما الرغبة الكاملة-على حسم الصراع عسكرياً بشكل نهائي، في وقت لا يزال فيه المسار السياسي هشاً وعرضة للانهيار عند كل تصعيد. وبينما تتوالى التحذيرات الأممية من مجاعة وشيكة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل سيظل اليمن ساحة لتصريف التوترات الإقليمية والدولية، أم يمكن أن يتحول-عبر إرادة سياسية حقيقية-إلى نموذج لتسوية تعيد للدولة اليمنية وحدتها ولمواطنيها كرامتهم الأساسية في الحياة والغذاء والأمان؟

Print Friendly, PDF & Email
موسى فقيري

كاتب وناشط سياسي، السودان

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إيران تفتح باب التفاوض مع أمريكا.. ولكن!