اليوم، يضع انهيار المؤسسات والسيادة والثقة بنيةَ الدولة اللبنانية في قلب السؤال الوطني، فيما تتدرج الدعوات من لامركزية موسعة تعيد بناء الدولة إلى فيدرالية توزع السلطة دستوريًا بين المركز والأقاليم. وزادت الحرب الإسرائيلية المتجددة هذا السؤال إلحاحًا بما أحدثته من قتل ودمار وتهجير، وكشفته من عجز الدولة عن حماية أرضها ومواطنيها، وغياب مرجعية وطنية لقرار الحرب والسلم.
هكذا يقف لبنان أمام مفترق تاريخي: مشروع يعيد تأسيس وحدته، أو صيغة تحاول إنقاذها دستوريًا، قبل أن يتحول التأجيل إلى إقرار بواقع انقسامي تفرضه العصبيات الطائفية والتدخلات الخارجية وعجز الدولة أمام القوى النافذة فيها.
لقد نظّمت التسويات اللبنانية تعايش الجماعات وتقاسمها السلطة، لكنها لم تحوّل تعددها إلى شعب سياسي وإرادة مشتركة. فهل يستطيع اللبنانيون إعادة تأسيس دولة وطنية لامركزية جامعة تستعيد ثقتهم وتحوّل اختلافهم إلى شراكة؟ أم يجدون أنفسهم، إذا أخفق هذا الخيار، أمام الفيدرالية بوصفها حلًا أخيرًا لحماية وحدة مهددة؟
وتبدأ الأزمةُ بوصفها أزمةَ إدارة حين تتعطل الخدمات، وتغدو أزمةَ نظام حين تعجز المؤسسات عن إصلاح نفسها، لكنها تبلغ مستوى الكيان حين يختلف أبناؤه على مرجعية السيادة، ومعنى العيش المشترك، وحدود ما يجب أن يبقى بينهم واحدًا. فلم يفشل إمكان العيش المشترك، بل فشلت الصيغة في تحويله إلى شراكة سياسية.
نشأ لبنان الكبير من تسوية على الكيان لم ترتقِ إلى عقد تأسيسي مكتمل على الدولة والمواطنة والسيادة. ثم نظّم ميثاق 1943 الاعتراف المتبادل بين الجماعات من دون أن يحوّله إلى عقد مواطنة جامع. أما اتفاق الطائف فأنهى الحرب وحسم نهائية الوطن ووحدته، لكنه ثبّت المناصفة والتوافق، فكرّس مرحليًا ما نصّ على تجاوزه، وفتح مسارًا نحو المواطنة واللامركزية. وهذا ما يجعلني أتبناه صيغةً انتقالية، شرط إنهاء المناصفة بانتخاب مجلس نواب غير طائفي، ونقل ضمانات العائلات الروحية إلى مجلس شيوخ تُحصر صلاحياته في القضايا المصيرية. غير أن ما نُفّذ أعاد تنظيم تقاسم السلطة، فيما بقي ما يغيّر قواعدها مؤجلًا.
فالمشكلة ليست في التعدد، بل في نظام لم يعرف كيف يحميه من دون جعله قاعدةً لتوزيع السلطة وتعطيلها؛ لذلك غدت الطائفة ضمانةً للمواطن كلما عجزت الدولة عن أن تكون ضمانته المشتركة. فالطائفية ليست مجرد انقسام ديني، بل غطاء لمصالح سياسية واقتصادية وارتباطات خارجية توظّف الدين في إعادة إنتاج السلطة، فتحتوي البنية القديمة المؤسسات الجديدة وتفرغ الإصلاح من مضمونه.
لكن فساد المركز وعجزه لا يكفيان لتفسير النزعة الانقسامية؛ فهي ظهرت حتى حين كانت المارونية السياسية صاحبة الغلبة في الدولة. فالأزمة الأعمق تكمن في تعثّر الاندماج الوطني بين جماعات لا تتشارك بالقدر نفسه في تعريف الوطن وأولوياته، ولا تنظر من المنظور ذاته إلى هويته وعلاقته بمحيطه وموقع الدين والعقائد السياسية والقومية في حياته العامة. وهذه حقيقة ظلّ كثيرون يتحاشون التصريح بها، مع أنها النار الكامنة تحت رماد الأزمات المتعاقبة: فالمشكلة ليست فقط في توزيع السلطة، بل في غياب معنى وطني مشترك يجعل اللبنانيين مواطنين في وطن واحد، لا مجرد شركاء متوجسين في نظام واحد.
والثقة السياسية ليست اطمئنانًا عاطفيًا، بل يقينًا مؤسسيًا بأن الدولة لن تقع في قبضة جماعة، وأن القانون سيحمي الجميع من الجميع. وهي تقوم على تقييد متبادل للقوة: تقبل كل جماعة ألّا تستأثر بالدولة لأنها تضمن أن غيرها لن يستأثر بها. وحين يغيب هذا الضمان، يتحول طلب الحماية إلى سباق على امتلاك الدولة أو الاحتماء منها، وتغدو الطائفة بديلًا من المواطنة.
وتتقدم الدولة الوطنية اللامركزية الجامعة بوصفها الخيار التأسيسي الأول؛ لأنها تعيد بناء علاقة المواطن بالجماعة والوطن على المواطنة والمساواة ووحدة السيادة، وتستكمل إصلاحات الطائف نحو عقد اجتماعي ومصلحة وطنية عليا. وهي تجمع بين وحدة السيادة ولامركزية الإدارة والتنمية، وتقوم على القانون وحصرية السلطة، وتحمي التعدد من دون جعله أساسًا لتقاسم النفوذ؛ فتُستمد الحقوق من المواطنة، وتغدو الطائفة فضاءً حرًا للانتماء، لا وسيطًا إلزاميًا بين الفرد والدولة.
وتندرج اللامركزية داخل هذا المشروع؛ إذ تنقل الإدارة والموارد والتنمية إلى وحدات محلية منتخبة، فتقرّب القرار، وتوسّع المشاركة والمحاسبة، وتتيح للمناطق تحديد أولوياتها من دون المساس بوحدة السيادة والحقوق. وقد تتجاوز وظيفتها إصلاح الإدارة إلى إعادة بناء المعنى الوطني؛ إذ تتيح للتيارات المتقاربة في فهمها للمواطنة والدولة، داخل مختلف البيئات، أن تتحرر من احتكار الزعامات الطائفية للتمثيل، وتتلاقى حول مصلحة عامة مشتركة. وبذلك قد ينشأ المعنى الوطني من المجتمع بعدما أخفق المركز في ترسيخه من أعلى.
لكن اللامركزية تحتاج إلى مجالس منتخبة، وإدارات مهنية، وصلاحيات وموارد متناسبة، وتضامن وطني، ورقابة قضائية ومالية مستقلة؛ فمسؤوليات بلا تمويل تُبقي المجالس عاجزة، وموارد بلا رقابة تنشئ مراكز جديدة للفساد. كما ينبغي منع استنساخ شبكات الزعامات داخلها بقواعد انتخابية تحدّ من الاحتكار وشفافية ملزمة، كيلا تصبح امتيازًا للمناطق الغنية وعقوبةً للأفقر. فإذا نُقلت الصلاحيات في ظل دولة ضعيفة ومن دون هذه الضمانات، تحولت الحدود الإدارية إلى حدود اجتماعية وطائفية، وبدأ التفكك قبل أن يجد اسمه الدستوري؛ فالاسم لا يقرر المصير، بل هندسة الصيغة والبيئة التي تعمل فيها.
غير أن تراكم الخوف واختلاف التصورات الوطنية يدفعان بعض اللبنانيين إلى المطالبة بالفيدرالية قبل منح مشروع الدولة الوطنية اللامركزية الجامعة فرصةً جدية. ويقوم هذا المطلب على الخشية من هيمنة الأكثرية العددية، ومن عجز الدولة المشتركة عن حماية خصوصيات الجماعات وضمان أمنها السياسي.
في المقابل، يخشى المعترضون على الفيدرالية أن تتحول حماية الخصوصيات إلى امتيازات دائمة، وأن يصبح تنظيم الاختلاف تكريسًا دستوريًا للانقسام، فيما تستثمر الزعامات المخاوف المتبادلة لتجديد شرعيتها.
والفيدرالية، في أصلها، شكل من أشكال الدولة الواحدة، توزَّع فيها الاختصاصات دستوريًا بين الاتحاد والأقاليم. وتقوم أقوى حججها على أن الضمانات السياسية المتقلبة لم تمنع الهيمنة والتعطيل، وأن نقل سلطات إلى الأقاليم يحوّل الحماية من وعد تفاوضي إلى حق دستوري، ويتيح حكمًا محليًا أوسع، ويحمي الخصوصيات، ويخفف الصراع الصفري على المركز.
لكن صلاحية الفيدرالية لا تُقاس بنصوصها وحدها، بل ببنيتها الفعلية: هل تقوم على وحدات مدنية جغرافية أم حدود طائفية؟ من يسيطر على مؤسساتها ويحمي المختلفين داخلها؟ وهل يبقى المواطن الاتحادي أصل الحقوق أم تصبح الجماعة مصدرها؟ فقد أنتجت الحروب وما أعقبها من تهجير مناطقَ أكثر تجانسًا طائفيًا مع بقاء مدن وبلدات مختلطة، وبناء نظام دائم على توزيع صنعه العنف يمنح نتائجه شرعيةً دستورية. لذلك قد تتحول الفيدرالية في البيئة اللبنانية، بدلًا من حماية التعدد، إلى تثبيت للانقسام ومدخل إلى كيانات شبه مستقلة ينتهي مسارها بتقسيم صريح.
وإذا انتهى اللبنانيون، بعد استنفاد إمكان بناء الدولة الوطنية اللامركزية الجامعة، إلى بحث الفيدرالية بوصفها حلَّ الضرورة، كان أول اختبار لجدواها في تكوين أقاليمها: كيف تُرسم حدودها، وما موقع بيروت والمدن المختلطة منها، وهل تقوم على وحدات مدنية جغرافية أم على طوائف اكتسبت أرضًا ومؤسسات؟ فمدنية الاسم لا تكفي إذا هيمنت جماعة على مؤسسات الإقليم وأخضعت أقلياته. ولا يكتسب هذا الخيار حدَّه الأدنى من الشرعية إلا بدستور اتحادي يسمو على تشريعات الأقاليم، ويوحّد المواطنة والحقوق، ويكفل حرية الانتقال والإقامة والعمل والتملك والمشاركة، ويمنح المتضرر حق الطعن أمام محكمة دستورية مستقلة تُبطل كل نص ينتهكها.
ولا يستقيم الاتحاد من دون تضامن مالي ومؤسسات مشتركة تتولى الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والجنسية وتحفظ وحدة السوق، ودستور يؤكد نهائيته ويمنع الانفصال الأحادي. فاتحاد تتعدد داخله الأسلحة والولاءات الخارجية، أو تستأثر أقاليمه بمواردها، ليس دولةً متعددة المستويات، بل مظلةً لكيانات تنتظر استقلالها. لذلك تُقاس الفيدرالية بما تُبقيه مشتركًا: قد تعيد بناء الوحدة حين يتعذر ترميم المركز، وقد تمنح الخوف الطائفي حدودًا ودستورًا ووقتًا إضافيًا.
وتبيّن التجارب الدولية أن الحكم الذاتي قد يعزز الوحدة أو يكرّس الانقسام، بحسب قدرة الدولة، وعلوّ المواطنة على الانتماءات الإقليمية، واستقلال القضاء، والتضامن الوطني، واحتكار القوة الشرعية. لذلك تُختبر كل صيغة بقدرتها على حماية المواطن من تعسف المركز والسلطة المحلية والجماعة، وجعل البقاء المشترك أعدل وأكثر أمنًا وجدوى من الافتراق؛ فما من نظام يحمل ضمانه في اسمه: قد تنقلب الدولة الجامعة إلى مركزية متسلطة، واللامركزية إلى تفكك وظيفي، والفيدرالية إلى انفصال مؤجل.
ويقتضي الاختيار الحر لشكل الدولة توحيد المرجعية الأمنية والدفاعية والخارجية، وتنفيذ القانون على الجميع، وقضاءً مستقلًا ومحكمةً دستوريةً تفصل في النزاع بين مستويات الحكم، وعدالةً تصون وحدة السوق والثروات السيادية والتضامن الوطني، وحقوقًا لا تتفاوت باختلاف الإقامة. فالدستور الذي يُصاغ في ظل اختلال مسلح في القوة يثبّت الإكراه بدل أن يؤسس الشرعية. وفي لبنان، حيث لا تزال هذه الشروط منقوصة، تفوق مخاطر الفيدرالية ضماناتها المحتملة؛ إذ قد تنقل أزمة المركز إلى الأقاليم وتمنح الانقسام بنيةً دستورية. لذلك تبقى الأولوية لدولة وطنية واحدة في سيادتها وحقوقها، لامركزية في إدارتها وتنميتها، فيما تظل الفيدرالية خيار ضرورة قد يحفظ الدولة المشتركة بعد استنفاد إمكان إصلاح مركزها، لكنه أقل قدرةً على إنتاج اندماج وطني.
وتبقى الضمانات الدستورية عاجزةً من دون عقد اجتماعي يحدد معنى لبنان وما لا يخضع للمحاصصة؛ فالمصلحة الوطنية العليا لا تفرضها سلطة أو جماعة، ولا تنتج من جمع مصالح الطوائف، بل من اتفاق تأسيسي على ما لا يجوز لأي جماعة احتكاره أو تعطيله، وتتولى مؤسسات الدولة ترجمته وحمايته. وهي تقوم على وحدة السيادة، وسلامة المواطنين، واستقلال القرار، وسيادة القانون، والعدالة؛ لأن النظام قد يدير التعدد، لكنه لا ينقذ وطنًا لم يتفق أبناؤه على ما يبقى بينهم مشتركًا، وعلى سبب بقائهم معًا فيه.
أما الانتقال من العقد إلى الدولة فيحتاج إلى قوة سياسية واجتماعية تحمله؛ فالقوى المكلّفة بإصلاح النظام راكمت نفوذها من اختلاله، والدساتير لا تنفّذ ذاتها. لذلك تبدأ إعادة التأسيس بنواة وطنية من كفاءات مستقلة تتصل بالنقابات والجامعات والهيئات المهنية والبلديات والقوى الشبابية والاغترابية، وتطرح ميثاقًا موجزًا وبرنامجًا انتقاليًا. ولا تتحول هذه النواة إلى حامل سياسي إلا بقاعدة اجتماعية منظمة، وتمويل شفاف، ووصل الرؤية بالتنظيم والضغط المؤسسي والتمثيل الانتخابي، بما ينشئ ميزان قوة ديمقراطيًا ينقل الشرعية تدريجيًا من زعماء يحتكرون تمثيل الجماعات إلى مؤسسات تمثل المواطنين وتحمي الجماعات بالقانون؛ فالإصلاح الذي لا يصنع حامله السياسي يستطيع النظام امتصاصه وإبطاله.
ويُترجم هذا المسار بتحويل اللامركزية إلى نظام ملزم يقوم على مجالس منتخبة وصلاحيات وموارد واضحة، وصندوق للتوازن الإنمائي، ورقابة تمنع انتقال المحاصصة إلى المناطق؛ بالتزامن مع انتخاب مجلس نيابي غير طائفي، وإنشاء مجلس شيوخ للعائلات الروحية تُحصر صلاحياته في القضايا المصيرية، وإقرار قانونين للانتخاب والأحزاب يتيحان نشوء قوى عابرة للطوائف.
فإذا استُنفد هذا المسار وأخفق اللبنانيون في بناء هذه الدولة واستعادة الثقة بالمركز، أمكن بحث الفيدرالية بشرعية تأسيسية وحوار وطني حر، بوصفها حلًا أخيرًا يحفظ الممكن من الشراكة، لا بديلًا مكافئًا للمشروع الوطني الجامع.
سيادةٌ تُرمَّم على رجاء، أم انقسامٌ يُقنَّن على يأس؟
تكمن الفرصة الأخيرة في استعادة قدرة اللبنانيين على الاختيار قبل أن يصبح الانقسام الواقعي قدرًا دستوريًا. وخيارهم الأسمى دولة وطنية لامركزية جامعة تجعل وحدتهم مشروعًا للعدالة والكرامة والمستقبل، وتقوم على ما لا يجوز الاختلاف عليه: وحدة السيادة، والمساواة أمام القانون، وحرمة الدم، ونهائية الوطن. فإذا عجزوا عن إنتاج هذه المصلحة المشتركة، تولّت العصبيات والخوف والخارج اختيار شكل انقسامهم.
