كنتُ على موعد مع أبو ﮔاطع في براغ، حيث اتفقنا على أن يكون نهاية شهر آب/أغسطس من ذلك العام، لكن القدر اللئيم كان أسرع منّا، فقد قام باختطافه وهو في أوج عطائه، وكنتُ يومها في الشام، وقد خيّم عليّ حزن شديد، وبقيت أعيد قراءة رسائله، وكتبت بعض الخواطر السريعة عنه، وللأسف فقدت ذلك بعد التحاقي بمهمات إعلامية وثقافية في “قوات الأنصار”.
تعرّفت على أبو ﮔاطع قبل أن ألتقيه، وذلك من برنامجه الإذاعي الشهير “احجيه بصراحة يبو ﮔاطع“، والذي كان يوجهه إلى الفلاحين من إذاعة بغداد، لكنه أصبح برنامجًا شعبيًا انشغل به عموم المعنيين بالشأن العام، بمن فيهم المثقفين، وسبق لي أن أشرت أنه أصبح بارومترًا يقيس به الناس درجة حرارة الوضع السياسي، كما أصبح عموده الصحفي في جريدة “طريق الشعب” الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي (قبل إيقافه في أواسط السبعينيات) أحد المجسّات الأساسية لمعرفة المناخ السياسي والعلاقة بالسلطة، ولذلك كان القرّاء يبدأون بقراءة “طريق الشعب” من الصفحة الأخيرة، حيث ينتصب عمود أبو ﮔاطع.
التقيت أبو ﮔاطع لأول مرّة وبدأت بيننا صحبة سريعة في العام 1969، وكان ذلك في مقر مجلة “الثقافة الجديدة“، وتوثقّت العلاقة لاحقًا، وبُعيد إعلان بيان 11 آذار/مارس الخاص بالقضية الكردية بين الحكومة العراقية وقيادة الثورة الكردية، كان موعد لقاء الوفد الجماهيري للتهنئة بالمناسبة في مقر المجلة، وحين عرف أبو ﮔاطع بمهمتنا شعر بشيء من الفضول، وانتحاني جانبًا ليسألني.
وكنا قد اجتمعنا ونحن نحمل عرائض تؤيد صدور البيان بعد أن غيّرنا صيغتها من الدعوة إلى الاتفاق والتفاهم والحل السلمي (كان النص كُتب قبل التوصل إلى اتفاق) إلى دعم التوجه الإيجابي لحل القضية الكردية، وبالتأكيد على قيام جبهة وطنية موحدة، وقد ضمّ الوفد كل من لؤي أبو التمن وأحمد الحكيم ومحمد النهر وكاتب السطور، وتوجهنا إلى وكالة الأنباء العراقية وجريدة “الثورة” وجريدة “الجمهورية” وجريدة “بغداد أوبزرفير” ومحطة الإذاعة والتلفزيون (بعد عدّة أسابيع اعتٌقل أحمد الحكيم ولؤي أبو التمّن وعُذّبا في قصر النهاية الذائع الصيت)، وهو ما رويته في محاضرات لي عن أبو ﮔاطع في لندن وبرلين ولوند (السويد)، وفي الشام وبغداد وأماكن عديدة (لاحقًا)، كما جئت على ذكره في مقابلات ولقاءات صحفية عديدة، خصوصًا ما صاحب تلك الزيارات الثقيلة وغير المرغوب فيها، حتى وإن كانت للتهنئة بمناسبة صدور بيان 11 آذار/مارس من جانب مؤسسات الدولة الرسمية.
بعد يومين أو ثلاثة أيام اتّصل بي أبو ﮔاطع والتقينا وأراد أن يسمع مني ما حصل بالتفصيل، فرويت له ما حدث في تلك الزيارات، فاللقاءات كانت جافة والاستقبالات خشنة والوجوه غير منشرحة، وأتذكّر تعليقه “إجتك يا بو ﮔاطع“. وبالفعل اتّسعت الحملة واضطررنا إلى التفرّق. هو اتجه إلى الريف، وأنا وجدت طريقي إلى المنفى بعد اختفاء لنحو 4 أشهر واتّجهت للدراسة، وبعد العام 1972 وقبل صدور رباعيته التي عكست عالمه السحري الدرامي المطعّم باللهجة الشعبية العراقية، عادت المراسلات بيننا، خصوصًا بعد انفراج الوضع السياسي نسبيًا وصدور ميثاق العمل الوطني (أواخر العام 1971).
وكم كنت أترقّب صدور الرباعية: الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، وفلوس حميد، وحين صدرت كنتُ في مدينة براغ وأرسلها لي مع رسالة طريفة “عليك بالدينار عدًّا ونقدًا والدين ممنوع والعتب مرفوع“، لأن الجهات الرسمية لم تساعد في طبعها، فطبعها على حسابه الخاص، وقيل إنها بيعت قبل طبعها، وكان ذلك دليل شعبية أبو ﮔاطع الذي أصرّ على أن يُصبح روائيًا، خصوصًا مخزونه الهائل من حكايات الريف المثيرة، فضلًا عن حسّه الشعبي وقاموسه اللغوي وأسلوبه الصحافي المميّز، ولا سيّما “حجته” اللّاذعة التي كان يرسلها طازجة على لسان “خلف الدوّاح” راويته وذاكرته ومحاوره، وهو شخصية حقيقية نشرت صورته لأول مرّة في العام 1998.
كان حزني مضاعفًا؛ لعدم اللقاء بأبو ﮔاطع بعد فراق دام نحو أربع سنوات، وكان قد عاش معي وفي شقتي أعوام (1976 – 1977)، وقبل عودتي إلى العراق، وتركت شقتي له بعد مغادرتي؛ وثانيًا لأنني كنت أمنّي النفس للقاء به، وإذا به يرحل على نحو مفاجئ حين كان القدر الغاشم له بالمرصاد فازدادت وحشتي، حيث كان لديّ الكثير ممّا أرويه له وأستمع إليه وأرتوي من حكاياته وأقصوصاته. ودائمًا ما كنت أردّد خسرنا مبدعًا كبيرًا لا يعوّض، ولولاه لبقيَ جزء غير قليل من تاريخ الدولة العراقية في الريف لم يُدوّن.
كنتُ أشعر أنه أصبح الصديق الأقرب والأجمل إلى القلب والعقل، خصوصًا وقد عشت معه معاناته التي رويتها في كتابي الذي صدر في العام 1998 في لندن، والموسوم ” أبو ﮔاطع – على ضفاف السخرية الحزينة“، وبقيت خلال السنوات المنصرمة أؤنس وحشتي بزيارة قبره في بيروت، حيث دفن في مقبرة الشهداء الفلسطينيين في شاتيلا، وكنتُ في إحدى المرات قد اصطحبت معي الصديق اللبناني الفنان عمران القيسي لزيارة ضريحه هناك.
***

في أواسط السبعينيات إستدعت أجهزة الدولة أبو ﮔاطع بتهمة أنه تاجر أسلحة، ولذلك اضطرّ إلى مغادرة العراق، وبعد جهد جهيد أقنع “الجماعة” بأن يسافر على مسؤوليته الشخصية، وكان الرفيق عبد الرزاق الصافي قد اصطحبه معه لتسوية الأمر وبقيَ في بغداد نحو شهرين، ثم غادر العراق، وظلّ يردّد “أنا أوّل لاجئ غير سياسي“، واختار يوم 13 أيلول/سبتمبر 1977 لوصوله لأنه كان يعرف موعد دفاعي عن أطروحة الدكتوراه، ولم يُبلغ أحدًا، فوصلت الطائرة صباحًا واستقلّ سيارة أجرة إلى شقّتي ووضع حقائبه وهداياه، ثم توجّه إلى قاعة كليّة الحقوق وكان لديه التفاصيل مني عبر التلفون، وحين خرجت من القاعة بانتظار قرار اللجنة، وجدته واقفًا بانتظاري في باب القاعة التي وصلها لتوّه، واحتفلنا سويّةً، والصورة المنشورة كانت في المطعم الروسي قرب الساحة القديمة، وكان قد كتب في “طريق الشعب” عن أطروحتي مع نشر صورتي، وحاول أن يثنيني عن قرار العودة بسبب تدهور الأوضاع، ولكن الشعار الذي كنا نرفعه في حينها هو “التفوّق العلمي والعودة إلى الوطن”.
في العام 1987، وحين كنت رئيسًا لتحرير جريدة “المنبر”، أصدرنا ملفًا عنه، شارك فيه الشاعر شاكر السماوي والشاعر جمعة الحلفي والكاتب عبد الباقي شنان والكاتب كاظم الموسوي والكاتب حميد الياسري وكاتب السطور، ولقي الملف اهتمامًا كبيرًا في حينها.
وبمناسبه الذكرى المئوية لميلاده، طلب مني عدد من الأصدقاء إصدار طبعة ثالثة لكتابي “على ضفاف السخرية الحزينة“، حيث كانت الطبعة الأولى عن دار الكتاب العربي 1998 (لندن) قد نفذت، وكذلك الطبعة الثانية عن دار الفارابي 2017 (بيروت)، فقلت لحين إصدار طبعة ثالثة أعيد نشر دراسة مطوّلة عن أبو ﮔاطع بعنوان “فن الضحك والسخرية والأسئلة الملغومة“، وهي منشورة في كتابي الجديد الذي صدر عن “دار النهار” (2026) بعنوان “هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية“.
أملي أن تكون هذه المادة حافزًا جديدًا لقراءة أبو ﮔاطع وفنّه وسردياته وأقصوصاته ورواياته وأسلوبه الصحافي الساخر، ولعلّها سخرية هي الأكثر حزنًا، خصوصًا حين تتصدّى لغلاظ القلوب، وحسب المتنبي العظيم أنه ضحك كالبكاء.
***
فنّ الضّحك والسّخرية والأسئلة الملغومة [1]
حين صدر كتابي عن أبي گاطع (شمران الياسري) والموسوم على ضفاف السّخرية الحزينة[2] أواخر التسعينيّات في لندن، كان قد مضى على رحيل الصحافيّ والروائيّ السّاخر أكثر من عقد ونصف من الزّمن. ولعلّ الكثير من جيل الثمانينيّات والتسعينيّات، وخصوصًا خارج العراق لم يكن قد قرأ أو ربّما سمع عن أبي گاطع، ناهيك عن التعرّف على نتاجه الإبداعيّ، ولا سيّما عموده الصحافيّ الذائع الصّيت “بصراحة” أو أعماله الروائيّة متمثّلة بـ”الرباعيّة”: “الزناد” و”بلابوش دنيا” و”غنم الشيوخ” و”فلوس حمـيّد” أو روايته “قضيّة حمزة الخلف”، على الرغم من أنَّها طُبعت في بيروت بعد وفاته.
أمّا برنامجه الإذاعيّ الشهير “احجيه بصراحة يبو گاطع”، والموجّه حينها إلى الفلّاحين بعد ثورة 14 تمّوز/يوليو العام 1958، فكاد أن يُنسى على الرغم من أنّه كان مثار اهتمام أوساط واسعة في الريف والمدينة، لكنّه مضى زمن عليه فنساه الكثيرون، كما لم يسمع به ممن جاء بعدهم.
شيءٌ واحدٌ ظلّ عالقًا بأذهان الناس، بل ذهب مثلًا أحيانًا يردّده من يعرف “أبو گاطع” أو لا يعرفه، ألا وهو عنوان برنامجه الشهير، حين كانت الأفواه والألسن تردّده كلّما أرادوا من محدثهم الإفصاح عن الحقيقة، أو كلّما اضطرّوا إلى مطالبته بالصراحة والوضوح.
أقول ذلك لأنَّ “أبو گاطع” أصبح محظورًا ومحرّمًا منذ أواسط السبعينيّات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لأنَّ الرجل غادرنا قبل الأوان إلى الغربة “كلاجئ غير سياسيّ” على حدّ تعبيره العام 1976، ومن ثمّ تُوفّي باكرًا في براغ في 17 آب/أغسطس من العام 1981.
دائرة الضوء
إذا كنتُ لا أخال أنَّ أحدًا ممّن أدركهم الوعي، وشغلهم الاهتمام بالحرف من جيل الخمسينيّات، وخصوصًا بعد الثورة لم يسمع بـ”أبو گاطع” وبرنامجه الإذاعي، ولا سيّما ما كان يناقشه من مشكلات وإشكالات وقضايا، تمثّل هموم الريف العراقيّ بشكل خاصّ، وهموم المجتمع وتطلّعاته بشكل عامّ، لدرجة أنَّه كان حديث المجالس أحيانًا، لكنْ مرور عدّة عقود من الزمن كانت كفيلة بأنْ يطوي النسيان صور الماضي، في ظلّ مشاغل جديدة وأعباء كثيرة، فما بالك إذا كانت تلك السنون مليئة بالأحداث والانقلابات، والحروب الدراماتيكيّة، والصراعات السياسيّة والحصار والهجرة.
ولذلك كانت مسؤوليّة التصدّي للتعريف بفنّ وأدب “أبو گاطع” وعموده الصحافي وبرنامجه الإذاعيّ ورواياته المملّحة بالسّخرية الحزينة “فرض عين وليس فرض كفاية” – كما يُقال – والهدف الأساسي إبقاؤه في دائرة الضوء وعدم جعل النسيان يتسلّل إلى تراثه وحروفه وكلماته، فقد تمكّن “أبو گاطع” من حرفته، مستخدمًا أدواته على نحو بارع، مستوعبًا الدور المنوط بالمثقّف وما ينتظر منه، مستقطبًا جمهورًا واسعًا من خلال نقده الساخر الممزوج بالألم، والذي كان يعبّر خلاله عن المعاناة الفائقة، والزيف الطافح، وأجواء اللاّمبالاة في المحيط الاجتماعيّ.
وإذا كانت الظروف لم تسنح لشمران الياسري “أبو گاطع” للدراسة النظاميّة والأكاديميّة، فإنّه تمكّن من فكّ رموز الحرف بفضل والدته، وفيما بعد استطاع أن يعلّم نفسه بنفسه، ولأنّه عصامي واعتمد على قراءاته الذاتيّة، فقد أخذت عوالم عديدة تتكشّف أمامه، وكان كلّما توغّل في القراءة والتهام الكتب ومطالعة الصحف والمجلّات، تعمّق خزينه من الصور والحكايات والقصص، تلك التي كان يطعّمها بما يستقيه من حياته، ليقوم بتمليحها وتزيينها بخياله الخصب وبما كسبه من ثقافة ومعرفة، وسرعان ما بدأ حبره يسيل، خصوصًا بعد أن اكتظّ قلمه بالأسرار والأخبار والنوادر.
وتدريجيًّا أصبحت علاقة ذلك الفتى الفلاحيّ وثيقة بعالم الحرف، بل إنّه كان قد عقد نوعًا من الصداقة المديدة بينه وبين القلم، لم يفرّقه سوى الموت اللعين، لدرجة أصبح مدرسة خاصّة في الإعلام والرواية، يُشار إليه بالبيان والتميّز والفرادة.
وبين هذا وذاك، هناك عشرات الأقصوصات والحكايات والخواطر ذات النكهة القصصيّة أو “الحكواتيّة”، وكانت خلف الدواح روايته الشهيرة التي يصدح بها، وتأتي على لسانه طازجة وشهيّة، وكان قد جمع منها عددًا صدر بكرّاسات في أواسط السبعينيّات، وغالبيّتها مقالات في الصحف والمجلّات، ثمّ صُودر العدد الأخير منها من المطبعة. وظنّ كثيرون أنَّ “خلف الدوّاح” شخصيّته الأثيرة، إنّما هو اسم وهميّ حتّى نَشرْتُ صورته لأوّل مرّة في كتابي “على ضفاف السخرية الحزينة”، في طبعته الأولى لندن – 1998، كما نشرت اسمه الحقيقيّ والصريح، كَعود الفرحان، وهو الذي ظلّ ملازمًا أبا گاطع، يسير معه مثل ظلّه، خصوصًا، وقد أصبح رديفًا له ولقلمه.
الذئب الذي ترصّده
عاش أبو گاطع ظروفًا قاسية. فهو الفلّاح الذي انتقل إلى المدينة، إذْ عمل لاحقًا موظفًا في وزارة الإصلاح الزراعيّ، وبعدها مقدّمًا لبرنامج إذاعيّ، ثمّ سجينًا بسبب دعوته للسلم في كردستان، ومختفيًا في الريف لبضع سنوات، ثمّ لاجئًا غير سياسيّ على حدّ تعبيره، إثر ملاحقته بتهمة كونه “تاجر أسلحة”، وإحالته إلى “محكمة الثورة” في حينها، وكان “الحكم” المنتظر حسب تهكّماته ” أقلن.. أقلن الإعدام”، (أي إنّ أقلّ حكم هو بالإعدام)، وهو ما عُرفت به المحكمة المذكورة من إصدار أحكام غليظة وبصورة اعتباطيّة.
وإذا كان قد أفلت من “الذئب اللئيم” على حدّ تعبير الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهريّ، الذي ظل يترصّده لسنوات عديدة، فإنّ الأخير كان له بالمرصاد في المنفى، فتمكّن من اصطياده في حادث سير غاشم، حين كان ينوي زيارة نجله الأكبر “جبران” وهو متوجّه من براغ إلى بودابست، وقد نُقل جثمانه إلى بيروت ليوارى في مقبرة شهداء فلسطين.
غائب طعمة فرمان و”أبو گاطع”
إذا كان غائب طعمة فرمان بحقٍّ هو روائيّ المدينة بكلّ خفاياها وخباياها وشوارعها وأزقتها، بنسائها ورجالها، بجوامعها ومساجدها وكنائسها وحاناتها وملاهيها وتطلّعاتها نحو الحداثة والتغيير، فإنَّ أبو گاطع كان روائي الريف بكلّ تناقضاته، بفلاحيه وإقطاعييه، بأنهاره وجداوله، ببؤسه وظلمه، حاول فيه نقل حديث الدواوين والمضايف، المعلن والمستتر في إطار حبكته الدراميّة، ليجعل منه مادّة للرواية والأقصوصة والحكاية والعمود الصحافي، وكان يقوم بتقديم كلّ ذلك بصورة مجسّمة، تلك التي تخصّ حياة الريف الحقيقيّة بما لها وما عليها، أي حياة الفلاحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل (الوسطاء) والنساء والعشق المحرّم، والحبّ واللوعة، والظلم والقسوة، إضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعيّة، مسلطًا الضوء على الزيف والخداع والاستغلال.
لم يكن “أبو گاطع” يكتب عن الريف فحسب، بل كان رؤيويًا، أي إنَّه ينظر بعيدًا، حتّى أنّ جزءًا من عقله كان يعيش وكأنّه للمستقبل، وكانت رؤيته واقعيّة وليس تجريديّة أو نظريّة، لأنَّها كانت تنطلق من حياة الناس، ولا سيّما في الريف، وتعود إليهم، وهي رؤية تمتاز بالصفاء والوضوح، خصوصًا وقد مزجها بقيم تتطلّع إلى الحداثة والجمال والسلام والمساواة والعدل.
وقد وجد أبو گاطع في أسلوب القص، الحكاية أو الأقصوصة أو الرواية، وسيلة يستثمر فيها كلّ ما اختزن في ذاكرته من حياة الريف، أو ما استحضره من خيال، وما كان يحلم به من رؤى، وبقدر ما كانت الرواية قبل أبو گاطع تنقل عن واقع الريف أو تلامسه، إلّا أنَّ رؤيتها ظلّت مدينيّة، أو أنَّها تعبّر عن رؤية المدينة، لكنّ أبو گاطع تمكّن من نقل حياة الريف من داخل الريف وليس عنه، إلى المدينة، لأنَّه لم يكن طارئًا أو متطفّلًا عليه، بل كان من صلبه، وحاول أن يعكس حياته بما لها وما عليها، في حين كانت كتابات أخرى سبقته تمثّل نظرة المدينة للريف، ولم تكن قادرة على تصوير حياة الريف كما هي، فقد بقيت “برانيّة”، ولم تستطع نقل أجوائها “الجوانيّة”.
بين طه حسين والطيّب صالح وجورج أورويل
إذا كان طه حسين في كتاب “الأيّام” قد قدّم الشاب الريفيّ القادم من قرية “المنيا” المتشبّع بالثقافة الأزهريّة كنقيض للحضارة الغربيّة التي تخيفه، وفعل الطيّب صالح في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، حين جسّد علاقة الريف بالمدينة الأوروبّيّة، حيث وضعه بين سيقان فتاة شقراء مضيفًا تناقضًا وازدواجيّة جديدة على أصوله الفلاحيّة “ذات المسحة السمراء” وحاضره الإنكليزيّ، إلّا أنّ رواية أبو گاطع في الرباعيّة حاولت كسر هذا الاحتكار في التحدّث عن الريف من خارجه، بعد أن رسم صورة ضاحكة جديدة لابن المدينة أيضًا، وأوهامه وأكاذيبه وألاعيبه، تارة باستعارة “حكمة” الريف وتراثه، وأخرى بالسخرية منه لسذاجته وأوهامه، من دون أن يسقط بالأحكام المسبقة والإرادويّة، التي وقع فيها أبناء المدن في روايتهم المدينيّة عن الريف، وسواء جاءت مباشرةً أو تلميحًا، فإن الكثير من الروائيين العراقيين كانوا أبناء مدن، مثل محمود أحمد السيد، وسليمان فيضي، وجعفر الخليلي، وذو النون أيّوب، وبعدهم عبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي، وغائب طعمة فرمان، وفاضل العزاوي، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، ومحمّد خضير وغيرهم.
لقد ظلّ أبو گاطع، وباستثناءات محدودة، يعتمد الأسلوب المباشر والخطاب ذو التوجّه الأيديولوجيّ الصارخ في التعبير، مثلما فعل في برنامجه أو في عموده الصحافي أو في رباعيّته، لكنّه بدأ، وإنْ كان ببطئ وبالتدرّج، يميل إلى الترميز والدلالة، وهو أسلوب حاول أن يعتمده في السنوات الأخيرة، خصوصًا بنضج تجربته واكتمال أدواته الفنّيّة، وإن ظلّ صوت الأيديولوجيا قويًا في داخله، وبالطبع فإنّ ذلك يضعف العمل الفنّي، لكن تلك النبرة الأيديولوجيّة الصارخة خفّت كثيرًا في رواية قضيّة الحمزة الخلف، التي صدرت بعد وفاته في بيروت عن دار الفارابي (1982)، وفي بعض الأقصوصات مثل “موت الكلبة مرزوقة” و”حكاية الضبع الأكبر” التي نشرتُها لأوّل مرّة، وقد يكون قد تأثّر بجورج أورويل وروايته “مزرعة الحيوان”.
مَحلّيٌّ بنكهة عربية وأفق كوني
استخدم أبو گاطع اللهجة الشعبيّة أو اللغة المحكيّة بأسلوب باذخ كما فعل الشاعر مظفّر النواب في قصيدته الشعبيّة، من دون أن يلتفت إلى ما قيل بشأنها من انتقاص للغة العربيّة أو للفصحى، لأنّه كان يريد إحداث التأثير المطلوب في وعي المتلقّي، ناهيك عمّا تحمله من دلالات أحيانًا، ليس بإمكان اللّغة الفصحى التعبير عنها. وأصبحت استخداماته “مقبولة” في تضمين بعض النصوص بالعاميّة العراقيّة، وإنْ استمرّت الاعتراضات الشديدة بشأنها.
وكان مبرّره أنّه يجدها أحيانًا أكثر تعبيرًا عمّا يريد أن يقوله، وإنْ حاول المحافظة على اللغة العربيّة وجمالها وتنوّع مفرداتها، لكنّه في الوقت نفسه كان يلجأ إلى العاميّة لتطعيمه، ويجد في ذلك وسيلة مناسبة لمخاطبة جمهور أوسع.
وحاول في حكاية يوم القيامة أو يوم الحساب أو شيء قريب من هذا استخدام اللهجة السوريّة، التي كان يتمازح بها مع صديقه السوري “عصام”، وظلّت كلمات مثل “تقبرني” أو ” العَمَه” أو “لكان” لازمات يردّدها بمتعة شديدة، لأنّه يعتقد أنّ ذلك يملّح نصّه ويعطيه مقبوليّة أكثر.
ظلّ أبو گاطع في المضمون أو الشكل عراقيًّا صميميًّا ومحليًّا إلى أبعد الحدود، ومن هنا نستطيع أن ندرك ماذا يعني الأفق اللغويّ، خصوصًا حين يسعى المبدع لتخطّي حدود المكان إلى عالم أكثر شساعة، وهو ما طبع روايات غائب طعمة فرمان وعدد من الروائيين العراقيين، الذين وإنْ كانت روايتهم محلّيّة، لكنّها في الوقت نفسه عربيّة بأفق عالميّ.
حنظلة وخلف الدوّاح
أفلح أبو گاطع إلى حدود كبيرة جدًا في استخدام السخرية، بل إنّه من القلائل الذين امتازوا باختيار هذا الأسلوب، وحسب كارل ماركس فالموقف من السخرية يعني اتّخاذ موقف جادّ من الحياة، وهي سلاح ثقيل الوزن وشديد الفعالية، لا يخشاه الحكّام والمستبدّون فحسب، بل البيروقراطيّون أيضًا من الحزبيين المسلكيين والإداريين، الذين اعتادوا على نظام الطاعة وقبول الأوامر. والسخرية أقرب إلى مدفعيّة بعيدة المدى، ولا سيّما إذا أُحسن استخدامها، فإنّ مفعولها كبير جدًا، وقد استخدمها “أبو گاطع” بأسلوب راقٍ وجميل، مصحوبة بحِكَمٍ وأشعار وأمثال شعبيّة.
وأتذكّر أنّني بعد اغتيال الفنان الفلسطيني ناجي العلي (عام 1987) كتبتُ عمودًا في صحيفة “المنبر” قارنت فيه عمود أبو گاطع برسومات ناجي العلي، وحنظلة بخلف الدوّاح وقلت فيه: كان عمود أبو گاطع يعطي ما يكفي من الفرح والسخرية، وكان قلمه وشخصيّته المملّحة “خلف الدوّاح” مثل ريشة ناجي العلي وشخصيّته الأثيرة “حنظلة”، تلك الريشة التي كانت تمتلك ذلك السحر الأخّاذ، الذي يثير في النفس خيالات خصبة جديرة بكلّ من يتوق إلى الحريّة والتجديد.
وعندما تقول حنظلة فإنّك تعني خلف الدوّاح، وعندما تستذكر أبو گاطع، فأنت تحيي ذكرى ناجي العلي.. ولا يمكن تصوّر حنظلة من دون فلسطين، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدوّاح من دون الحديث عن الريف العراقيّ والعراق كلّه.
السخرية السوداء وتشارلز ديكنز
هي السخرية في الحالتين: وجوه ومؤخّرات، زهور وتوابيت، حمامات وبنادق، ظالمون ومظلومون، أبطال وأدعياء، حقيقيّون ومزيّفون… هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربيّ بكلّ تناقضاته وبؤسه وتشويهاته. إنّها السخرية المشتركة والهويّة المشتركة للمضطهدين والمنفيين وإنْ اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات، مثلما هي الهوّية المشتركة للظالمين والطغاة والفاسدين.
إنَّ ظاهرة أبو گاطع أصيلة، لأنَّها ظاهرة إبداعيّة، فلم يقلّد أحدًا ممّن سبقوه، بل إنّ ميدانه كان بكرًا، كما أنّ من حاول تقليده فشل، ونتذكّر ظاهرة طالب الفراتي “أبو سباهي” وعلي الأطرش “كَعود”، باستخدام اللهجة الشعبيّة، لكنّها لم تستطع التعويض عن ظاهرة “أبو گاطع” وكارزميته وحكاياته المؤثّرة، وبرنامجه الأثير، وظلّت صيغة مستعارة ومستنسخة.
لقد كان أبو گاطع مدرسة حقيقيّة في فنّ النقد والتحريض والتعبئة، فيها الكثير من عناصر الجذب والإقناع، خصوصًا باستخدام السخرية والدعابة والضحك، ولا أدري إلى أيّ حدٍّ يمكن أن نستذكر معه الروائي تشارلز ديكنز، صاحب رواية “قصّة مدينتَيْن” (A tale of two cities)؛ فقد امتاز هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاذعة، وصوّر جانبًا مهمًّا من حياة الفقراء وحظي بشعبيّة لم ينلها مجايلوه.
“أبو گاطع” على حدّ تعبير الروائيّ غائب طعمة فرمان:
“إنسانٌ ثابتٌ في أرضه يعرف كلَّ شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافيّة روح، وشجاعة قلب، وحكمة فطريّة ومكتسبة بما يمثّل الهيكل الإنسانيّ لحياة ابن الريف… لقد وظّف شمران نباهته ورهافة حسّه ولذاعة سخريته، ووضع كلّ ذلك في يد صديقه وأخيه الفلّاح، ليلتمس مواطن الضعف والمأسويّة في حياته، ويجعل من حياته البسيطة الساذجة في أحيان كثيرة قصصًا يمكن أن تُرَى، وتجلب التعاطف، وتسجّل تاريخًا لم يجرؤ المؤرّخون على تسجيله”.
ويدرك فرمان أنَّ التاريخ لا يكتبه المؤرّخون، بل إنَّ من يكتبه هم الأدباء والفنّانون وأصحاب الفكر، وحسب مكسيم غوركي، ذلك هو التاريخ الحقيقيّ للإنسان، فما بالك إذا كان هذا التاريخ وفقًا لهيغل يعيد نفسه أحيانًا، وقد يظهر على شكل مأساة وأخرى على ملهاة، ولعلّ الملهاة أو السخرية لا تعني الهزل أو الكوميديا، بقدر ما يترك الضحك من حزن وألم ينظر إليه مفكّر وفيلسوف مثل كارل ماركس على نحو شديد الجدّية، بقوله: إنّي أقف ممّا هو مضحك موقفًا جادًا، وأظنّه هو ما كان يقصده الشاعر الكبير أبو الطيّب المتنبّي حين قال:
وماذا بمصر من المضحكات… ولكنـّـه ضحــكٌ كالبــكاء
يمكنني القول إنَّ الرواية العراقيّة قبل “أبو گاطع” كانت تتحدّث عن الريف إلّا أنّها رواية مدينة، فروّادها أبناء مدن حتّى وإن كتبوا عن الريف. لكنّه مع “أبو گاطع” ظهر نوع من الأدب الريفيّ، لم يجعل ابن الريف وحده مصدرًا للسخرية والتندّر والضحك، بل ابن المدينة أحيانًا وأوهامه وأكاذيبه.
في أرياف الكوت وعلى نهر الغرّاف وفي قرية محيرجة، وُلدَ ونشأ ذلك المتمرّد، المشاغب، السابح ضدّ التيّار. وخطا خطواتهِ الأولى حتّى كرّس صورتهُ المعروفة ومسيرته المتميّزة، وهو بصحبة راويته الأثيرة ذات المذاق الخاصّ خلف الدوّاح الذي سيظّل ملازمًا له مثلما كنيته “أبو گاطع”. وكان عند رحيله في أوج عطائه الفنّي وذروة نضجه الفكريّ، وقد تمكّن من أدواته ووسيلته الإبداعيّة على نحو متميّز ولافت.
ومنذ أواخر الخمسينيّات، تمكّن ذلك الريفي المصحوب بالشكّ والمتعطّش إلى العدالة، والغارق في وهم الأيديولوجيا، أن يخوض في معترك الحياة بشجاعة: كدحًا وصحافة وثقافة وأدبًا، حتّى غدا اسمًا يُشار له بالبنان.
كان “أبو گاطع” يُنقّب بعين سوسيولوجيّة، ويفحص بمهارة فنّان نسيج البُنى الداخلية للريف والعلاقات العشائريّة والقبليّة، مثلما كان يحلّل ويدقّق نظام تشكّلها الاجتماعيّ والتاريخيّ والثقافيّ. وكان بحكم هواجسه الأكثر قدرة على التقاط النُذر والمؤشرات السلبيّة في عالم السياسة الموحش.
لقد عرّفتنا سخرية “أبو گاطع” بمشاكل الفلاحين، وبخاصّة فلاحي الجنوب، وبالقدر نفسه عرفنا حجم الألم والمرارة من خلال المواجهة لواقعه، ومرّة أخرى وذلك عبر جوانب حيّة من حياة المجتمع وشخصيّاته إذ تمكّن “أبو گاطع” من ربط ذلك بهارموني دقيق التناسق، ولا سيّما بمنظومة الريف وفقًا لمعايير جماليّة وصورًا واقعيّة مكتوبة بحسّ دراميّ يعكس الواقع بكلّ ما عليه وما له.
القصخون خلف الدواح
لقد حاول أبو گاطع استخدام ما اصطُلح عليه الشخص الثالث “القصّخون” في المقاهي البغداديّة أيّام زمان، أو ما يسمّى بالصوت الآخر أو “الفلتون” حسب استخدام سميرة الزبيدي، وكان صوته الآخر هو الذي يعبّر عمّا يريد أحيانًا، لكنّه يجعل ذلك على مسؤوليّة المحدّث، ومحدّثه هو خلف الدوّاح، مبدعه الباطني ومحاوره ومنولوجه وملهمه.
إنَّه شخصيّة أوهم “أبو گاطع” قارئه بأنّها وهميّة وغير موجودة، لكنَّه في واقع الأمر كان شخصيّة واقعيّة موجودة، دمًا ولحمًا كما يُقال، إنَّه كَعود الفرحان الذي نشرنا صورته لأوّل مرّة في كتابنا على ضفاف السخرية الحزينة. ولعلّ بساطته كفلاح تصلح مدخلًا لتوظيفه من جانب “أبوگاطع”، ناسبًا إليها الحكمة والمعرفة، والخزين الاجتماعيّ للحكايات والأمثال والأشعار والتجارب، فضلًا عن سرعة البديهة وطلاوة اللسان.
لقد رافق أبا گاطع في حياته الإبداعيّة شيئان لا يستطيع الاستغناء أو التفريط بأحدهما:
الأوّل، صحبته مع خلف الدواح وهي المرحلة الثانية، إذ كان اسم كعود قد شغل المرحلة الفنيّة الأولى، وكعود أو خلف الدوّاح هو رفيق الحرف وصديق الكلمة؛
الثاني، السخرية؛ فقد كان الضحك ملازمًا له حتّى وإن كان يتفجّر حزنًا، لأنّ ذلك واحد من رهاناته ضدّ أعدائه التقليديين وضدّ خصومه البيروقراطيّين، وعِبر خلف الدوّاح والسخرية كان يجد التعبير المتميّز عن القرية، وحياة الريف العراقيّ من دون إسقاطات أو رغبات في الكتابة عن قوم يحاول التعاطف معهم؛ لأنّهم يتعرّضون للظّلم، وهي الصورة التي دائمًا ما تتكرّر عندما يكتب أحد المبدعين عن الريف، ولكن في حالة “أبو گاطع” إنّه كتب من داخل الرّيف بكلّ تفاصيله وحيثيّاته بسلبيّاته وإيجابيّاته، بنقاط ضعفه ومصادر قوّته، بقبحه وجماله.
ولم يكتب عن الريف من خارجه، كما كان يكتب بعض أدباء المدينة، مثلما هي رواية الأديب ذي النون أيّوب، الأرض والسيّد والماء، التي سبقت الرباعيّة بعقدَيْن ونيّف. ففي حين كان الأوّل أصيلًا في التعبير عن مشاعر الريف والفلّاحين، كان الثاني دخيلًا لأنّه من خارج البيئة الاجتماعيّة الحسّيّة المنظورة وذلك ما رصده الناقد مصطفى عبود.
إنّك والحالة هذه لا يمكن أن تفصل بين “أبو گاطع” وبين السخرية، ففنّ وأدب وعمود “أبو گاطع” الصحافي الذي انتشر شفيفًا خفيفًا كان لصيقًا بالسخرية اللّاذعة الحزينة، التي لم يعرفها الأدب العراقيّ عمومًا، لكنَّها مع “أبو گاطع” اكتسبت شكلًا جديدًا أكثر عمقًا وشمولًا وخفّة دم كما يُقال.
وبقدر سخرية “أبو گاطع”، كانت الرواية شكلًا جديدًا للتعبير، مثلما ظلّت الأقصوصات والحكايات مادّة طازجة يحتويها عموده الصّحافي وبقدر المتعة والضحك، فإنّها في الوقت نفسه، تعكس جدّية عالية ووقارًا هائلًا، حتّى وإن كنّا نضحك من الأعماق.
مطارحات
حدّثني في إحدى الليالي الخريفيّة عام 1976 وكان قد فرض على نفسه إقامة شبه جبريّة بسبب التباسات الوضع السياسيّ والحزبيّ، قائلًا إنّه ضمن المشهد السائد يشعر مثل “المعكَّل بالمرقص” (أي من يلبس العقال والكوفية – اليشماغ) وهو يراقص فتاة، وأردف قائلًا: نعم إنّه معكَّل بمرقص السياسة. وكان يسمّي علاقات تلك الأيّام “عرس واوية” أي “زواج ثعالب” نظرًا لتردّي العلاقة بين الأطراف السياسيّة، ولا سيّما الحكومة وحلفائها.
سألت “أبو گاطع” في حوارات مطوّلة معه: لماذا اختار الرواية بوصفها صنفًا أدبيًّا حديثًا وسيلة للتعبير… ألا تكفيه الصحافة، خصوصًا وقد أبلى فيها بلاءً حسنًا إلى درجة أنّ شعبيّته بين القرّاء ومن كلّ الألوان والتيّارات والمستويات كانت محطّ حسدٍ وغيظٍ، حتّى من جانب بعض المقرّبين!؟
هنا نفث دخّان غليونه المعطّر والمعتنى به جيّدًا وبعد برهة صمت قال: كنت أرغب في أن أكون شاعرًا، لكن الصحافة استولت عليّ وأخذتني في دروبها، وإنْ كنت أجد نفسي في الصحافة برغم القيود والمضايقات إلّا أنّها لم تكن تكفيني للتعبير عن مكنونات روحي وما يختلج في صدري أحيانًا.
وجدت في الرواية الفضاء الأرحب والأوسع، لذلك أشعر أنّني اكتشفت نفسي مجدّدًا في فسحة القلم متحرّرًا من المجابهات المباشرة واليومية التي يفرضها العمود الصحافي والأقصوصة ذات الأبعاد الآنية، فضلًا عن ذلك فالصحافة ليست دائمًا في متناول اليد تغيب عنّي وأغيب عنها لأسباب موضوعيّة وذاتيّة.
التاريخ غير المكتوب
يمكنني القول إنّ فصلًا مهمًّا من تاريخ العراق السياسيّ كان سيبقى غير مكتوب ولربّما مجهولًا، بما في ذلك التراث الشعبيّ لولا موهبة “أبوگاطع” الذي امتلك أدوات تصويريّة وقدرات تخيليّة لالتقاط واقع الريف العراقيّ برؤية شفّافة، بحيث اختلط الواقع المعيش بالخيال المتصوّر في حبكة دراميّة، اكتمل بناؤها في حالات وظلَّ غير مكتمل في حالات أخرى.
لقد تطوّر مفهوم البطولة في روايات وحكايات أبي گاطع؛ ففي قضيّة حمزة الخلف خفّ أو ضعف فيها تأثير الأيديولوجيا قياسًا بالرباعيّة، برغم أنّه ظلّ يلقي بظلاله الثقيلة عليها، لكنّها لم تعدْ “كلّيّة القدرة” أسطوريّة، خارقة يُنسب إليها كلّ الصّفات الحميدة، بل تتمثّل في الشخصيّة الإنسانيّة البسيطة التي تحمل عناصر القوّة والضعف، الشجاعة والخوف، الاقتحام والتردّد، الخير والشر، المجد والأخطاء على حدِّ تعبير الشاعر الجواهري، في قصيدته المهداة إلى الزعيم العربيّ جمال عبد الناصر:
لا يعصم المجدُ الرجالَ، وإنّما… كان العظيم المجد والأخطاءَ
وهي تذكّرنا بـ”غريغوري” بطل رواية شولوخوف الدون الهادئ المتذبذب، المقتحم، المتردّد، الضاج بالحركة والحبّ والفحولة، المتنقل بين القوزاق والجيش الأحمر والجيش الأبيض وبالعكس!
كان “أبو گاطع” يثير الكثير من الأسئلة، وقد تبدو للسامع أو للقارئ أنَّها أسئلة سهلة، لكنّها من السهل الممتنع، فالأسئلة السهلة هي أصعب الأسئلة وأخطرها: الحرّية والإيمان، الالتزام والتضحية، العنف والسلام، الوفاء والتعايش وغيرها، أمّا لغته فكانت سلسة وقويّة يطرّز فصحاه الخصبة بالعاميّة الجميلة، وبشيء من المرونة، فيحاور الدولة على لسان خلف الدواح، وينتقد الأوضاع السياسيّة، ويناقش الحركات، والأفكار، ويتمنطق بمصطلحات أيديولوجيّة وبحبكة دراميّة. كلّ ذلك مغلّف بالسخرية، لينتقل من حديث المجالس والشفاهة إلى الكتابة، ومن الريف إلى المدينة ومن هموم الفلاح إلى مشاغل المثقف.
كان عمود “أبوگاطع” الصحافي خطًا من خطوط المواجهة السياسيّة الساخنة، بقدر ما هو شفيف خفيف وأنيس، يقرأه من كان من محبّي “أبوگاطع” وأدبه، لكي يتمتّعوا بحكاياته وأقصوصاته وطرائفه ومفارقاته، مثلما يقيسون به درجة حرارة الجوّ السياسيّ والحراك الاجتماعيّ، وكان خصومه في السلطة وخارجها يقرؤونه أيضًا، ليعرفوا مواطن الخلل في السلطة نفسها، ولديهم أيضًا، وكان العمود بمثابة البارومتر الزئبقي الدقيق، فكلّما ارتفعت لغة “أبو گاطع” حرارة، سجّل البارومتر سخونة الوضع السياسيّ والعكس صحيح، وكان موقع عموده في الصفحة الأخيرة من جريدة “طريق الشعب”، حيث يتربع “بصراحة” وهكذا كان القرّاء يبدأون بقراءة الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، وعندما نقل العمود إلى الصفحات الداخليّة، كتب أبو گاطع “نزّلوك لو صعّدوك”، أيْ لماذا تمّ نقل العمود، مع غمز ولمز.
كان عمود “أبو گاطع” يعطي جرعات متواصلة من السخرية المشوبة بالحزن، تلك التي يخشاها الحكّام والمستبدّون والبيروقراطيّون من كلّ صنف، ولون، وفي كلِّ زمان ومكان.
لم يعرفِ العراق أدبًا وكتابة ساخرة إلّا على نحو محدود، فمنذ العشرينيّات وحتّى الخمسينيّات، كانت هناك محاولات جنينيّة بدأت على يد نوري ثابت، صاحب جريدة “حبزبوز”، ثمّ بدأت مع عبد الجبّار وهبي وعموده كلمة اليوم العام 1959 في صحيفة “اتّحاد الشعب” الشيوعيّة، وكان شاكر مصطفى سليم قد نشر مسلسلًا ساخرًا في صحيفة “الحرّية” القوميّة التوجّه عام 1960 بعنوان “يوميّات قومي متآمر”، وتشكّل كتابات أبو سعيد “عبد الجبّار وهبي” وشاكر مصطفى سليم ثنائيًّا لِمَنْ يريد التعرّف على الفترة المضطربة والحسّاسة تلك من تاريخ العراق، خصوصًا امتزاج النَّقد الاجتماعيّ بالسخرية السياسيّة.
ويمكن الإشارة إلى الكتابة الصحفيّة الفكاهيّة، فضلًا عن الرسوم الكاريكاتوريّة في الخمسينيّات، كما عكستها كتابات خالد الدرة في مجلّة “الوادي” وصادق الأزدي في مجلّة “قرندل”، وذلك ارتباطًا بحياة المدينة، ولا سيّما بغداد في جانبيها الاجتماعيّ والسياسيّ، كما كانت هناك كتابات عكست شيئًا من السخرية في فترة الستّينيّات مثلما كان يعبّر عنها جليل العطية في جريدة “النصر” وغيرها، لكنَّ السخرية الحزينة استحوذت على أبي گاطع.
وأختتمُ هذه المقالة بمشهد كوموتراجيديّ، خصوصًا أنّه في رواية قضيّة حمزة الخلف، بدا أقلّ تأثّرًا بالأيديولوجيا ممّا هو في الرباعيّة، التي حملت إيمانيّة شديدة، وتقريريّة، روتينيّة، وتبشيريّة منحازة، لكنَّ هذا التمثّل خفّ في بنيته السرديّة في قضيّة حمزة الخلف.
ففي خضمِّ المأساة، يجعلنا أبو گاطع نردّد “شرّ البليّة ما يضحك”، خصوصًا عندما يقدّم صورًا متناقضة كومتراجيديّة، فعندما يهجم الحرس القوميّ على القرية، إذ يتمُّ تطويق البيت الذي يختفي فيه مطشّر اليساري المطلوب من الحكومة، وإذْ به يفاجئنا حين يُخرجه عاريًا، حيث كان عند عشيقته “زينة”!
ففي تلك الليلة، كانت لدى زينة رغبة بالتعرّف إلى مذاق أصناف أخرى من الحبِّ. كلّ الأشياء صارت في ذهنه ضلالًا باهتًا. نسِي أباه ونسِي نوبة الحراسة (المكلّف بها). لم يعد من شيء حقيقي في الوجود إلّا زينة وملمس جسدها والبخور النفّاذ وطعم شفتَيْها.
لكنَّ “أبوگاطع” – مع استغراقه في هذا المشهد الرومانسيّ، وحبكته الدراميّة – يُصوّر لنا الوجه الآخر للدراما القائمة، فإذا بمسؤول مفرزة الحرس القومي يهتف فجأة: تقدّم، فيرتج بيت داود، حيث كان مطشّر عند عشيقته، ولكي يحكم حبكته ويصل المشهد إلى ذروته، يُحدث المصادفة، فأفراد الحرس القومي جاؤوا يقصدون بيت “عودة الكبر” الذي يُقال: إنَّه من الشيوعيين، بينما هم يهاجمون بيت داوود صاحبهم، والمخبر لديهم، عن طريق الخطأ، وهكذا تنكشف حكاية مطشّر وزينة من دون سابق ترصّد وإصرار، لكنَّ اندلاع الرصاص وتعالي صوته، أدّى إلى خروج مطشّر عاريًا، واستطاع الهرب، ووصل إلى بيته فرآه والده عاريًا، وهذه مفاجأة أخرى في خضم المأساة الساخرة، أو السخرية الحزينة لدى “أبو گاطع” بصورتها الكومتراجيديّة.
“أبو گاطع” برغم شعبيته إلّا أنَّه كان رجلًا “مرفوضًا”، باستعارة توصيف المفكر جورج لوكاش، للبطل الملحمي حسب بعض الولاءات والمقاسات الحزبيّة الضيّقة… لأنَّه كلّما كان يلامس تجربة، كان يلغمها بالأسئلة… الأسئلة هي ذاتها التي ظلّت قائمة ومتلاحقة في مملكة جورج أورويل “مزرعة الحيوان” ورواية “1984” أو عند “أبوگاطع” في “مملكة الضبع الأكبر”.
نحن بحاجة إلى السخرية في مواجهة غلاظ القلوب.
[1] نشر الكاتب مقالتَيْن في جريدة “الزمان” العراقيّة؛ الأولى الموسومة: فنّ الضحك والسخرية في أدب أبو كَاطع بتاريخ 9 آب/أغسطس 2015؛ والثانية بعنوان: “أبو كَاطع – السخرية والأسئلة الملغومة”، بتاريخ 26 آب/أغسطس 2016. وهذه المادّة التي ننشرها هي مزيج من المقالتَيْن، كما نشر مقالة ثالثة في مجلّة “أفق” (مؤسّسة الفكر العربيّ) بعنوان “أبو كَاطع – حين تصبح السخرية فلسفة”، العدد 155، آب/أغسطس 2024. لذلك اقتضى التنويه.
[2] صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في لندن، عن دار الكتاب العربيّ، عام 1998 وقد نفدت في حينها. وصدرت الطبعة الثانية مزيّدة ومنقّحة في بيروت عن دار الفارابي، 2017. وجرى الاحتفال بها وتوقيعها في نادي العلويّة ببغداد، في 10 أيلول/سبتمبر 2017، بمشاركة من الدكتور شجاع العاني والناقد فاضل ثامر ونجل شمران الياسري (أبو كاطع) السيّد إحسان الياسري.
