العقدة الأخيرة: هل يصبح لبنان عقبة أمام التفرغ الأميركي للصين؟

ثمة طريقتان لقراءة التحولات المتسارعة التي تعصف بالشرق الأوسط. الأولى تتعامل مع كل حدث منفرداً: الحرب الأميركية ـ الإيرانية، الترتيبات الإقليمية الجديدة، عودة فنزويلا إلى قلب استراتيجية الطاقة الأميركية. الثانية، وهي التي تحاول هذه المقالة اختبارها، فتنطلق من سؤال مختلف: ماذا لو لم تكن هذه الوقائع منفصلة تماماً، بل أجزاء من إعادة تموضع أميركية أوسع استعداداً للصراع الاستراتيجي الأكبر مع الصين؟

لا يعني ذلك افتراض وجود «غرفة سرية» تتحكم منها واشنطن في كل حدث ونتيجة. فالقوى الكبرى تخطئ، وحلفاؤها وخصومها يمتلكون إراداتهم ومصالحهم، والحروب تحديداً تنتج نتائج لا يستطيع أحد التحكم فيها بالكامل. لكن الدول الكبرى تستطيع قبول خسائر تكتيكية، أو استثمار أزمات لم تصنعها، إذا كانت تخدم إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى.

ومن هنا يأتي السؤال اللبناني: إذا كانت واشنطن تريد تخفيف انكشافها العسكري في الخليج والتفرغ للصين، فهل تستطيع فعل ذلك قبل تحييد قدرة إيران على إعادة استدعائها إلى الشرق الأوسط عبر إسرائيل؟ وإذا كانت هذه القدرة ترتبط، في جانب أساسي منها، بحزب الله، فهل يتحول لبنان، على صغر حجمه، إلى إحدى العقد الأخيرة في الاستراتيجية الأميركية الجديدة؟

الخسارة التكتيكية والمكسب الاستراتيجي

ينسب مايلز كوبلاند جونيور، في كتابه «لعبة الأمم»، إلى جمال عبد الناصر قوله للأميركيين إن عبقريتهم تكمن في أنهم لا يقومون «بتحركات غبية واضحة»، بل بتحركات معقدة تجعل الآخرين يتساءلون عما إذا كان وراءها شيء لا يرونه.

بصرف النظر عن دقة العبارة في توصيف كل السياسة الأميركية، فإن التاريخ الأميركي يقدم أمثلة على أحداث بدت في لحظتها إخفاقات أو خسائر محدودة، ثم استُخدمت لتحقيق أهداف أكبر.

ومن أشهر الأمثلة «واقعة ثورنتون» عام 1846، عندما وقعت مواجهة بين قوة أميركية وأخرى مكسيكية في منطقة متنازع عليها بين نهري نوييسيس وريو غراندي. استخدم الرئيس جيمس بولك سقوط الجنود الأميركيين ليعلن أن «دماً أميركياً أُريق على أرض أميركية»، ويطلب من الكونغرس إعلان الحرب.

وانتهت الحرب المكسيكية ـ الأميركية عام 1848 بهزيمة المكسيك وتنازلها عن مساحات هائلة أصبحت أجزاء أساسية من الولايات المتحدة الحالية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن صنعت كل تفاصيل الحادثة مسبقاً، لكنه يقدم نموذجاً مهماً في التفكير الاستراتيجي: الخسارة التكتيكية لا تعني دائماً الهزيمة الاستراتيجية.

ويمكن تطبيق السؤال نفسه على الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021. فقد بدا الانسحاب، في صورته المباشرة، هزيمة سياسية وعسكرية، لكنه أنهى حرباً استمرت عشرين عاماً وحرر موارد أميركية من ساحة لم تعد تمثل الأولوية الأولى في الصراع العالمي المتشكل مع الصين وورّث حركة طالبان ترسانة من الأسلحة كان يمكن سحبها، وهو ما يؤشر إلى دور هذه الحركة في استراتيجية الولايات المتحدة في آسيا الوسطى.

المشكلة، إذاً، في قراءة السياسة الأميركية من خلال الحدث المنفرد، من دون النظر إلى اتجاه حركة القوة الأميركية على المدى الأطول.

الصين هي مركز الثقل

منذ الثورة التي أحدثها النفط والغاز الصخريان، تراجعت حاجة الولايات المتحدة المباشرة إلى نفط الشرق الأوسط مقارنة بعقود سابقة. ولم تفقد المنطقة أهميتها، لكنها تغيرت في الحساب الأميركي.

فالنفط الخليجي والإيراني قد لا يكون حيوياً لأميركا كما كان في السبعينيات والثمانينيات، لكنه شديد الحيوية لاقتصادات آسيا، وفي مقدمها الصين.

وهنا تتحول الطاقة من سلعة تحتاجها الولايات المتحدة إلى أداة في ميزان القوة مع منافسيها.

ففي أي مواجهة كبرى حول تايوان، ستكون إحدى نقاط الضعف الصينية الأساسية اعتمادها على خطوط التجارة والطاقة البحرية، وخصوصاً تلك العابرة للمحيط الهندي ومضيق ملقا. ولهذا تكتسب الطرق البديلة أهمية استثنائية: إيران وآسيا الوسطى، والممرات البرية عبر باكستان، وميناء جوادر، والطاقة الروسية.

وهنا تظهر أهمية إيران في الحساب الصيني.

فإيران ليست مجرد منتج كبير للطاقة؛ موقعها الجغرافي يجعلها حلقة محتملة بين الخليج وآسيا الوسطى والصين، كما أن قدرتها على تهديد إسرائيل والقواعد والمصالح الأميركية تمنحها وظيفة أخرى: إبقاء جزء من القوة الأميركية مشدوداً إلى الشرق الأوسط في اللحظة التي تريد واشنطن فيها تحويل مركز ثقلها إلى آسيا.

من هذه الزاوية يمكن فهم التشدد الأميركي في منع الصين من بناء شبكة طاقة ولوجستيات آمنة لا تستطيع واشنطن التأثير فيها.

لماذا عادت فنزويلا؟

في هذا السياق تصبح فنزويلا أكثر من ملف أميركي لاتيني.

فهي تمتلك أضخم احتياطات نفطية مثبتة في العالم، إضافة إلى ثروات معدنية كبيرة. وبعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة، بدأت واشنطن في عهد دونالد ترمب إعادة فتح قطاعها النفطي أمام الشركات والاستثمارات الغربية.

يمكن تفسير ذلك بالحاجة الاقتصادية البحتة إلى زيادة الإنتاج. لكن في قراءة جيوسياسية أوسع، تستطيع فنزويلا أن تؤدي وظيفة إضافية: زيادة قدرة الولايات المتحدة على إدارة سوق الطاقة في حال تعرضت إمدادات الشرق الأوسط أو روسيا لاضطراب واسع.

وتزداد أهمية ذلك إذا كان الصراع الأميركي ـ الصيني سيتحول، في لحظة ما، إلى صراع على الوصول إلى الطاقة والمعادن والممرات البحرية.

لذلك لا ينبغي النظر إلى فنزويلا والخليج وإيران باعتبارها ملفات منفصلة تماماً. إنها تقع، بدرجات مختلفة، داخل خريطة واحدة عنوانها: من يستطيع ضمان الطاقة للصين، ومن يستطيع تعطيلها؟

إعادة الانتشار الأميركي في الخليج

الحرب مع إيران كشفت في الوقت نفسه مشكلة عسكرية أميركية أخرى: القواعد الكبيرة والثابتة في الخليج باتت أكثر عرضة للصواريخ والمسيّرات الدقيقة.

وهذا يفتح الباب أمام إعادة النظر في نموذج الانتشار العسكري الأميركي الذي نشأ بعد حرب الخليج الأولى وتعزز بعد عام 2003.

السؤال هنا ليس بالضرورة: هل ستنسحب أميركا من الشرق الأوسط؟

الأدق أن نسأل: هل تنتقل من نموذج الانتشار الكثيف والثابت إلى نموذج أكثر مرونة وبعداً عن مصادر التهديد المباشر؟

إذا جرى تخفيف الوجود الأميركي في العراق والكويت وبعض دول الخليج، وتعزيز البنية العسكرية في مواقع أبعد أو أكثر تحصيناً، ومنها إسرائيل، فإن ذلك سيعني تحولاً مهماً في الهندسة الأمنية للمنطقة.

وفي الوقت نفسه، بدأت دول الخليج تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية. السعودية عمقت تعاونها مع تركيا وباكستان، والإمارات وسعت شراكاتها الدفاعية الآسيوية، فيما تحتفظ قطر بعلاقة استراتيجية مع تركيا.

يمكن النظر إلى هذه التحركات بوصفها بحثاً خليجياً عن بدائل للضمانة الأميركية. لكن يمكن قراءتها أيضاً بوصفها انتقالاً إلى تقاسم أكبر للأعباء الأمنية: تخفف واشنطن انتشارها المباشر، فيما تتحمل القوى الإقليمية جزءاً أكبر من مسؤولية التوازن.

وهنا تكمن الخطورة.

من يملأ الفراغ؟

كل انسحاب لقوة مهيمنة يخلق سؤالاً حول من يملأ الفراغ.

في الخليج والعراق تتقاطع ثلاثة مشاريع إقليمية كبيرة: إيران وتركيا والسعودية. وإذا خفّ الوجود الأميركي، ستزداد المنافسة بينها على العراق والخليج والممرات التجارية والأمن الإقليمي.

وتمتلك إيران ميزة لا يمتلكها منافسوها بالدرجة نفسها: شبكة من الحلفاء والفصائل المسلحة تمتد من العراق إلى لبنان واليمن.

لذلك لا يمكن استبعاد أن ترى طهران في تراجع الانتشار الأميركي فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها. لكن هذا التوسع نفسه قد يتحول إلى فخ.

فالقوة التي تتجاوز حدود قدرتها على إدارة النفوذ يمكن أن تدخل في صدامات متعددة تستنزفها، تماماً كما استنزفت روسيا في أوكرانيا. ومن هنا تبرز فرضية تستحق الاختبار: ماذا لو كان أحد النتائج المقبولة أميركياً ـ وليس بالضرورة «الخطة السرية» المسبقة ـ هو دفع إيران والقوى الإقليمية إلى تحمل كلفة الصراع على النظام الذي سيأتي بعد تقليص الهيمنة الأميركية المباشرة؟

عندها تصبح واشنطن أقل انكشافاً، بينما يبقى خصومها منشغلين ببعضهم بعضاً.

إيران بين التمدد والاستنزاف

تزداد أهمية هذا السؤال مع انتقال الخطاب الإيراني من الدفاع إلى الحديث عن «الهجوم الاستراتيجي».

إقرأ على موقع 180  مأزق العروبة: هزيمتنا داخلية ومقاومتها إقتصادية

لكن قدرة إيران على خوض حرب تقليدية واسعة تظل موضع شك، خصوصاً بعد الخسائر التي أصابت قدراتها البحرية والجوية والرادارية. ولذلك قد لا يكون المقصود بـ«الهجوم» تحريك الجيوش الإيرانية النظامية، بل الاستخدام المكثف لشبكة القوى الحليفة.

العراق هو الحلقة الأكثر حساسية بسبب وجود فصائل مسلحة قريبة من طهران. واليمن يمنح إيران قدرة على الضغط على السعودية والبحر الأحمر، وهذا ما بيّنته الوقائع العسكرية الأخيرة عندما تمكن “انصار الله” من احكام سيطرتهم على المخار والعديد من المناطق في الساحل الغربي المطل على باب المندب. أما لبنان فيمنحها ما لا تمنحه أي ساحة أخرى: جبهة مباشرة مع إسرائيل.

وهذا ما يجعل حزب الله مختلفاً عن بقية مكونات الشبكة الإيرانية.

فالحوثيون يستطيعون تهديد الملاحة والسعودية، والفصائل العراقية تستطيع استهداف قواعد وممرات، لكن حزب الله يحتفظ بوظيفة استراتيجية مرتبطة مباشرة بأمن إسرائيل، وبالتالي بالقرار الأميركي.

العقوبات ومفارقة الحرس الثوري

ثمة مفارقة أخرى في السياسة الأميركية تجاه إيران. فالعقوبات التي استهدفت إضعاف النظام ساهمت، في مراحل مختلفة، في تعزيز الوزن الاقتصادي للحرس الثوري.

بعد انسحاب شركات أجنبية كبرى من إيران، توسعت المؤسسات المرتبطة بالحرس، وفي مقدمها «مقر خاتم الأنبياء للإنشاءات»، في مشاريع النفط والغاز والبنية التحتية.

كما سمح ضعف القطاع الخاص وصعوبة التعامل مع الأسواق العالمية للشركات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية بتوسيع حصتها من الاقتصاد، فيما اكتسبت شبكات الالتفاف على العقوبات والتهريب قيمة متزايدة.

وهكذا تنشأ مفارقة: كلما ازدادت عزلة الاقتصاد الإيراني، ازدادت قيمة المؤسسات القادرة على العمل داخل اقتصاد العزلة.

ولذلك لا تؤدي العقوبات بالضرورة إلى إضعاف كل مكونات النظام بالتساوي؛ فقد تضعف الدولة المدنية والقطاع الخاص أكثر مما تضعف المؤسسات الأمنية والعسكرية.

وهذا بدوره يطرح سؤالاً حول إيران التي ستخرج من الحرب والعقوبات: هل ستكون أكثر اعتدالاً، أم أكثر خضوعاً للمؤسسة العسكرية والحرس الثوري؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً استخباراتياً وجوياً وتكنولوجياً هائلاً، لماذا لم تستخدم هذا التفوق لتحقيق حسم أسرع مع إيران؟ ولماذا بقيت أجزاء من البنية الصاروخية الإيرانية قادرة على العمل؟ وكيف استطاعت إيران مواصلة الحصول على مواد ومساعدات خارجية وإعادة بناء بعض قدراتها؟

هناك تفسيران محتملان.

الأول أن الحروب أكثر تعقيداً مما توحي به خرائط القوة النظرية، وأن امتلاك التفوق العسكري لا يعني القدرة على تدمير دولة كبيرة كإيران أو إخضاعها من دون كلفة هائلة.

أما الثاني فهو أن واشنطن لا تبحث أصلاً عن «نصر مطلق»، وإنما عن نتيجة أكثر محدودية: إضعاف إيران بما يكفي لمنعها من تهديد النظام الإقليمي، من دون إسقاط الدولة وإدخال بلد يناهز عدد سكانه مئة مليون نسمة في فوضى يصعب التحكم فيها.

وفي الحالتين، يصبح السؤال الأساسي ليس لماذا لم «تدمر» أميركا إيران، وإنما: ما إيران التي تريد واشنطن أن تبقى بعد الحرب؟

لبنان.. موقعه الوظيفي

إذا كانت الولايات المتحدة تريد تقليص انكشافها العسكري في الخليج، وتأمين إسرائيل، وتحويل موارد أكبر نحو المنافسة مع الصين، فإن عليها معالجة قدرة إيران على إعادة إشعال حرب كبرى في المشرق. هنا يتحول حزب الله من مشكلة لبنانية ـ إسرائيلية إلى عقدة في استراتيجية أوسع.

بالنسبة إلى إيران، الحزب ليس مجرد حليف. إنه إحدى أهم أدوات الردع التي بنتها طهران خلال أربعة عقود، وقوته تكمن في موقعه بقدر ما تكمن في سلاحه: فهو موجود مباشرة على حدود إسرائيل.

وبالنسبة إلى إسرائيل، يصعب تصور هندسة أمنية إقليمية جديدة فيما تبقى على حدودها قوة مسلحة مستقلة تمتلك ترسانة صاروخية كبيرة وترتبط استراتيجياً بطهران.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن استمرار هذه الجبهة يعني أن إيران تحتفظ، نظرياً، بوسيلة تستطيع من خلالها التأثير في القرار الأميركي وإعادة جذب الولايات المتحدة إلى حرب شرق أوسطية في توقيت لا تختاره واشنطن.

لهذا يصبح لبنان مهماً، لا بسبب حجمه أو اقتصاده أو موارده، بل بسبب موقعه الوظيفي داخل معادلة الردع الإيرانية ـ الإسرائيلية.

وقد تكون هذه تحديداً المعضلة التي يصعب حلها.

فإذا كان المطلوب الأميركي ـ الإسرائيلي إنهاء القدرة العسكرية المستقلة لحزب الله، فإن الضغط لتحقيق ذلك قد يؤدي إلى حرب إسرائيلية ـ لبنانية واسعة، أو انفجار داخلي لبناني، أو تدخل إيراني أكبر.

أي أن محاولة إزالة العقبة التي تعيق التفرغ الأميركي للصين قد تنتج النتيجة المعاكسة: إعادة جذب أميركا إلى الشرق الأوسط.

وفي المقابل، من الصعب تصور قبول إيران بالتخلي بسهولة عن حزب الله، لأنه يمثل بالنسبة إليها قدرة استراتيجية يصعب تعويضها. وقد تقبل طهران بخسائر تكتيكية للحزب أو بتراجع دوره الداخلي، لكنها ستواجه قراراً أكثر صعوبة إذا أصبح المطلوب نزع قدرته العسكرية التي تؤدي وظيفة الردع تجاه إسرائيل.

ومن هنا ينبغي أيضاً الحذر من تفسير كل خسارة يتعرض لها الحزب باعتبارها دليلاً حاسماً على انتهاء قوته. فقد يكون جزء من سلوكه ناتجاً عن الضعف، لكن من الممكن أيضاً أن يكون مرتبطاً بمحاولة الحفاظ على ما تبقى من قدراته للمعركة التي يعتبرها وجودية: الدفاع عن إيران نفسها.

العقدة الأخيرة

يبقى فارق كبير بين وجود استراتيجية أميركية لإعادة توزيع القوة وبين الاعتقاد بأن واشنطن تتحكم في جميع النتائج المترتبة عليها.

وقد يكون هذا الفارق تحديداً هو المكان الذي يدخل منه لبنان.

فإذا كانت الولايات المتحدة تعيد بالفعل تخفيف انكشافها العسكري في الخليج، وتدفع حلفاءها إلى تحمل قسط أكبر من أعباء أمنهم، وتعيد ترتيب مصادر الطاقة تحسباً لمواجهة استراتيجية طويلة مع الصين، فإن نجاح هذه المقاربة يتطلب منع إيران من الاحتفاظ بقدرة مستقلة على استدعاء القوة الأميركية مجدداً إلى الشرق الأوسط عبر حرب واسعة مع إسرائيل.

وهنا يصبح حزب الله عقدة تتجاوز حدود لبنان.

لكن محاولة إزالة هذه العقدة تحمل مفارقتها الخاصة. فإذا أدى الضغط لنزع قدرة الحزب العسكرية إلى حرب لبنانية ـ إسرائيلية واسعة، أو انفجار داخلي، أو تدخل إيراني مباشر، تكون الاستراتيجية قد أنتجت عكس ما تريده: بدلاً من تحرير الموارد الأميركية من الشرق الأوسط، تعيد ربطها به.

لهذا قد يتحول لبنان إلى أحد أصعب اختبارات إعادة التموضع الأميركي.

ليس لأن لبنان يمتلك النفط أو الجيوش أو الوزن الاقتصادي الذي يجعله مركزاً للصراع العالمي، بل لأنه يقع عند نقطة التقاء ثلاث دوائر شديدة الحساسية: أمن إسرائيل، والردع الإيراني، وحرية الحركة الأميركية.

وقد تكون المفارقة الكبرى أن الدولة الأصغر بين معظم اللاعبين الذين تناولتهم هذه المقالة تصبح المكان الذي تتعثر فيه حسابات القوى الأكبر.

فالاستراتيجيات الكبرى قد تُرسم في واشنطن وبكين وطهران، وتمر عبر نفط الخليج وفنزويلا ومضيق ملقا وآسيا الوسطى، لكن جزءاً من مصيرها قد يتوقف في نهاية المطاف عند رقعة جغرافية صغيرة على الساحل الشرقي للمتوسط اسمها لبنان.

وعندها لا يعود السؤال: هل لدى أميركا خطة كبرى؟

بل: هل تستطيع تنفيذها من دون أن يعيد اللاعبون الآخرون رسمها أثناء التنفيذ؟

 

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب سياسي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  رئاسة البرلمان اللبناني.. الممكن والمستحيل!