بين الطائفة والدولة.. مَن يحمي الشيعة في لبنان؟

لم ألتقِ الدكتور مالك أبو حمدان من قبل، وربما لا نعرف عن بعضنا إلا ما تتركه الكتابة من ظلال أصحابها. لم نجلس إلى طاولة واحدة، ولم نتبادل حديثًا يسبق الكلمات التي نكتبها. ومع ذلك، ثمة ما هو أقدم من المعرفة الشخصية يجمعنا: هذه المنطقة التي أنجبت أسئلتنا، وهذا الشرق الذي ترك فينا، برغم اختلاف مواقعنا منه، قلقًا واحدًا على الإنسان والمكان والمصير.

نحن ننتمي إلى الجغرافيا نفسها، لكننا لا نأتي إليها من الطريق نفسها. خلف كل واحد منا خلفية فكرية وتجربة مختلفة في قراءة ما جرى وما يجري في لبنان والمنطقة، وربما لهذا يصبح الحوار أكثر معنى؛ فالاختلاف لا يفقد قيمته حين نختلف، بل يفقدها عندما نعجز عن رؤية الإنسان الذي يقف على الجانب الآخر منه.

قرأت مقال الأستاذ مالك الأخير «هل الشيعة في خطر.. حقًا؟». لم أقرأه بحثًا عن موضع أختلف معه فيه، بل باعتباره محاولة أخرى لفهم الخوف الذي يحيط بجماعات هذه المنطقة، والبحث عن مكان الشيعة فيها ومستقبلهم. وقد نختلف في قراءة الوقائع وتفسير أسبابها ومآلاتها، لكن اختلاف الرؤية لا يلغي القلق الإنساني الذي يقف خلفها.

فالإنسان يسبق الطائفة، والوطن يسبق الاصطفاف. والخوف الذي يصيب جماعة لا يصبح أقل إنسانية لأننا نختلف مع تفسيرها له. ومن هنا أجد أن من حق مالك أن يقرأ الخطر كما يراه، ومن حقي أن أطرح سؤالًا آخر، لا لألغي سؤاله، بل لأختبر ما قد يغيب عنه: ماذا يحدث لنا حين يصبح الخوف، بعد أن يبدأ من الخارج، جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى المختلف معنا؟

لهذا أكتب، لا لأربح سجالًا، بل لألتقي معه، ولو على الورق، عند السؤال نفسه، ثم أذهب به في اتجاه آخر.

فقد نختلف في السياسة وقراءة التاريخ، لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه هو أن الإنسان لا يجب أن يُطلب منه أن يخاف كي ينتمي، ولا أن يصمت كي يكون آمنًا، ولا أن يتخلى عن حقه في السؤال كي تثبت جماعته وجودها. ومن هنا يبدأ الاختلاف.

بين الطائفة والحزب

لنبدأ من النقطة التي يصعب تجاوزها: نعم، هناك مخاطر حقيقية تعرّض لها الإنسان في هذه المنطقة، ولا معنى لإنكار تاريخ طويل من الحروب والاحتلالات والصراعات المذهبية والتهميش السياسي والاجتماعي. لكن الاعتراف بوجود الخطر لا يقود تلقائيًا إلى النتيجة التي تقول إن كل قوة سياسية تتحدث باسم الشيعة تصبح ضرورة لحمايتهم، ولا يعني أن حماية الشيعة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر حزب أو سلاح أو محور إقليمي.

فهنا ينبغي الفصل بين ثلاثة أشياء: الشيعة كجماعة اجتماعية ووطنية، والقوى السياسية التي تتحدث باسمهم، والمشروع الإقليمي الذي قد تتقاطع معه بعض هذه القوى.

السؤال ليس فقط: من يُهدّد الشيعة؟ بل أيضًا: من يُعرّف الخطر؟ ومن يُقرّر كيف تتم مواجهته؟ ومن يستفيد سياسيًا من بقاء الخوف مفتوحًا؟

ثمة فرق بين جماعة تواجه خطرًا حقيقيًا، وبين قوى سياسية تحتاج إلى استمرار الإحساس بالخطر كي تحافظ على نفوذها. وثمة فرق، أكثر حساسية، بين الدفاع عن وجود الشيعة وإقناعهم بأن أمنهم لا يتحقق إلا تحت وصاية جهة واحدة. ولا يعني ذلك أن الخطر المذهبي وهم. فهناك تيارات دينية وسياسية تنظر إلى الشيعة بوصفهم خصمًا، وقد تتحول هذه النظرة إلى ممارسات تستهدف حضورهم ومصالحهم. لكن الخطابات الإقصائية ليست حكرًا على طرف واحد؛ فهي موجودة على جانبي الانقسام المذهبي، وقد غذّتها صراعات إقليمية استثمرت الانقسامات المحلية، لا لمصلحة المجتمعات، بل لإعادة ترتيب النفوذ وموازين القوى.

وحين تتدخل القوى الخارجية في مجتمعات مأزومة، يتحول الخطاب المذهبي من خلاف عقائدي إلى أداة في صراع أكبر من أصحابه. والأخطر أن خطاب كل طرف يغذي خطاب الآخر، فيجد كل منهما في خوف خصمه مبررًا لبقائه.

وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين خطر حقيقي ينبغي مواجهته، وبين تحويل الخطر إلى تعريف دائم للشيعة بوصفهم جماعة مهددة لا يستقيم أمنها إلا تحت حماية قوة سياسية بعينها. فالصراع مع حزب الله، أو المطالبة بنزع سلاحه، لا يعني تلقائيًا مشروعًا لاقتلاع الشيعة من لبنان، كما أن انتقاد خيارات الحزب لا يساوي بالضرورة عداءً للطائفة.

وحين تُمحى هذه المسافة، يصبح الحزب هو الطائفة، واستهدافه استهدافًا للشيعة، والدفاع عنه دفاعًا عن وجود الجماعة. وعندها يضيق مجال الاختلاف، ويتحول الاعتراض السياسي إلى تهديد للهوية.

هنا يصبح استحضار الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين ضروريًا، لا بوصفه مرجعية تُستخدم لتسجيل موقف في مواجهة موقف آخر، بل لأنه طرح، من داخل البيئة الشيعية نفسها، سؤالًا بالغ الأهمية حول مستقبل الشيعة في لبنان: هل يكون ضمان وجودهم عبر الانكفاء إلى جماعة تبحث دائمًا عن حماية خاصة، أم عبر اندماجهم الكامل في الدولة؟ لا جماعة عابرة تحتاج إلى مشروع سياسي منفصل كي تثبت وجودها، فالشيعة يكونون أقوى حين يكونون جزءًا من دولة قوية، لا حين يصبح أمنهم مرتبطًا بقوة تتجاوز الدولة. والحماية لا تكون امتيازًا سياسيًا لجماعة، بل حقًا وطنيًا لا يحتاج إلى وسيط. إذا كان الشيعي لا يستطيع أن يشعر بالأمان إلا بوجود قوة سياسية فوق الدولة أو موازية لها، فإن السؤال يصبح: ماذا يحدث عندما تتحول القوة التي يُفترض أنها تحميه إلى جزء من معادلة الصراع على الدولة نفسها؟

هل نكون قد خرجنا من منطق الخوف، أم أننا نقلنا الخوف من الخارج إلى الداخل، وأصبحنا نحتاج إلى القوة ذاتها كي نشعر بالأمان من الخطر الذي ساهم وجودها في تكريس منطقه؟

هل نريد للشيعي أن يكون مواطنًا تحميه الدولة، أم فردًا في جماعة تحتاج دائمًا إلى من يحميها من الدولة أو من الآخرين؟

فالطائفة التي تشعر أن أمنها مرتبط ببقاء قوة بعينها ستجد نفسها مضطرة، مع الوقت، إلى الدفاع عن تلك القوة حتى عندما تختلف معها في خياراتها. وهكذا ينتقل الخوف من السؤال عن أمن الجماعة إلى السؤال عن مصير الحزب، ثم يصبح مصير الحزب مرادفًا لمصير الطائفة.

هل كل صراع مع حزب أو حركة أو محور يعني بالضرورة صراعًا مع الجماعة التي ينتمي إليها هؤلاء؟

المقاومة لا تعني غياب الدولة

لا يمكن الحديث عن الشيعة في لبنان من دون التوقف عند المقاومة، فالمقاومة ليست مجرد عنوان سياسي خارج النقاش السياسي. فإذا كانت المقاومة قضية وطنية، فإن السؤال الوطني حولها يبقى مشروعًا: من يقرر الحرب والسلم؟ وأين تنتهي صلاحية المقاومة وأين تبدأ صلاحية الدولة؟

إقرأ على موقع 180  إنفجار بيروت بعيون تل أبيب: إبعاد الحرب أم إقترابها؟

وهنا تحديدًا يصبح يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أكثر من تاريخ عسكري. يصبح سؤالًا سياسيًا كبيرًا. يمكن أن يختلف اللبنانيون حول إسرائيل، وحول فلسطين، وحول المقاومة، وحول إيران، لكن لا يمكن تجاوز السؤال المتعلق بمن يملك القرار عندما يصبح البلد كله طرفًا في حرب أو مواجهة. فهل يستطيع حزب، مهما بلغت قوته وشعبيته، أن يقرر وحده متى يدخل بلد بأكمله حربًا؟ ومن يحدد موعد انتهائها؟ ومن يحاسب عندما تتهاوى الجغرافية ويدفع المدنيون الثمن؟

هذه ليست مسألة خلاف سياسي عابر، بل مسألة سيادة. فإذا كان قرار الحرب والسلم بيد طرف خارج مؤسسات الدولة، فما الذي يبقى من الدولة سوى اسمها؟ إذا كانت المقاومة مشروعًا وطنيًا، فلا ينبغي أن تخشى الدولة، بل أن تكون الدولة إطارها الشرعي، بما يحدد وظيفتها ويمنع تحولها إلى قوة فوق القرار الوطني. أما إبقاء السلاح خارج الدولة بحجة ضعفها، فيؤدي إلى النتيجة نفسها التي يُفترض أنه جاء لمنعها، ولن أتحدث هنا عن الخوف الذي يعتري الآخرين من وظيفة هذا السلاح.

لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدفان إضعاف حزب الله واحتواء دوره وسلاحه. لكن القفزة الخطرة هي تحويل استهداف الحزب إلى استهداف للشيعة كجماعة.

فاستهداف حزب أو سلاح أو نفوذ إقليمي لا يعني تلقائيًا استهداف الطائفة، كما أن انتقاد خيارات الحزب لا يساوي عداءً للشيعة. وهنا السؤال: هل نحمي الشيعة من استهداف وجودهم، أم نحمي موقعًا سياسيًا من خسارة نفوذ ما يُمثل في المعادلة الداخلية من أبعاد إقليمية؟

فالخلط بينهما يحوّل كل تراجع سياسي إلى خسارة جماعية، وكل اعتراض إلى انحياز للخصم، فيما المطلوب هو الفصل بين الدفاع عن الجماعة والدفاع عن موقع سياسي داخلها.

وماذا عن الشيعي الذي يقول لا؟ هنا تبدأ المساحة التي لا يحب خطاب الخوف أن يراها.

ماذا عن الشيعي الذي يؤيد فلسطين، لكنه لا يريد حربًا مفتوحة؟ ماذا عن الشيعي الذي يؤيد المقاومة، لكنه يريد أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة؟ ماذا عن الشيعي الذي يحترم إيران، لكنه يختلف معها حين يرى أن المصلحة اللبنانية تقتضي موقفًا آخر ولو كان على حساب إيران أو أي دولة وأي خارج؟

وماذا عن الشيعي الذي ينتمي إلى طائفته بكل اعتزاز، لكنه لا يصوت لحزب الله؟

هل يصبح هؤلاء أقل شيعية؟ هل يصبحون، بمجرد اختلافهم، جزءًا من مشروع يستهدف جماعتهم؟ إذا كان الجواب نعم، فنحن لم نعد نتحدث عن حماية الطائفة، بل عن احتكار تعريفها.

من هنا يصبح السؤال الذي ربما يغيب وسط الضجيج: لمصلحة من يكبر الخوف؟

حين يكون الخطر خارجيًا، يصبح الخوف مفهومًا، لكن ماذا يحدث عندما يصبح الخوف نفسه وسيلة لتنظيم الداخل؟

خطر خارجي، فخوف جماعي، فحاجة إلى الحماية، فقوة واحدة تتقدم بوصفها عنوان الحماية.

فيصبح الاعتراض عليها اعتراضًا على الطائفة. ثم يصبح نقدها تهديدًا للجماعة، فيتقدم الصمت شرطًا للتماسك، متوجًا بسياسة الخوف، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي جماعة ليس فقط أن تتعرض للتهديد، بل أن تصبح أسيرة لتعريف دائم لنفسها باعتبارها مهددة. عندها يصبح الخوف جزءًا من الهوية، ووسيلة لإدارة الجماعة.

من يملك القوة؟ من يملك الدولة؟

السؤال ليس عن حجم القوة التي امتلكتها القوى الشيعية فقط، بل عن موقعها: هل هي قوة داخل الدولة أم فوقها؟

القوة داخل الدولة تشارك وتعارض وتفاوض وتحمي مصالح جمهورها، أما القوة فوقها فتملك القدرة على فرض قرارات تتصل بالسلاح والأمن والحرب والسلم خارج مؤسساتها.

وعندما تضعف الدولة، يصبح ضعفها مبررًا لاستمرار القوة الموازية:

قوة موازية تضعف الدولة، وضعف الدولة يبرر القوة الموازية.

الخطر الذي لا يظهر على الخريطة قد لا يكون الخطر الأكبر على الشيعة اقتلاعهم من أرضهم، بل انتقالهم تدريجيًا من موقع المواطن إلى ابن الطائفة، ثم تابعًا لحزب وجزءًا من محور.

لذلك لا يُقاس وجود الشيعة فقط بعددهم أو قوتهم السياسية والعسكرية، بل بقدرتهم على أن يكونوا مواطنين أحرارًا داخل دولة تحميهم من الآخرين، وتحميهم أيضًا من تحويل جماعتهم إلى أداة في يد قوة سياسية أو إقليمية.

السؤال الأهم ليس: من يحمي الشيعة؟ بل: ما الذي يحميهم فعلًا؟

تحميهم دولة قوية، وقانون يتقدم على السلاح، ومواطنة تسبق الطائفة، وتعدد يسمح للشيعي بالاختلاف مع الحزب الذي يقول إنه يمثل طائفته من دون أن يُتهم بخيانتها.

ويحميهم أن يستطيع أن يحب فلسطين من دون أن يُطلب منه قبول كل قرار يُتخذ باسمها، وأن يحترم إيران من دون أن يصبح تابعًا لها.

وقبل كل شيء، أن يعرف أن وجوده في لبنان ليس منّة من حزب ولا هبة من محور.

إنه حقه كمواطن.

وهنا نعود إلى السؤال الأول: هل الشيعة في خطر حقًا؟

نعم، مثل أي جماعة يمكن أن تكون في خطر. لكن الخطر لا يبرر تحويل الخوف إلى نظام سياسي، ولا تصبح الطائفة أكثر أمنًا كلما أصبحت أقل قدرة على الاختلاف.

فالخطر ليس فقط فيمن يريد إضعاف الشيعة، بل في أن يقنعهم الخوف بأن أمنهم لا يتحقق إلا بالتخلي عن حقهم في السؤال والاختلاف والقرار.

وحين يصبح الخوف شرطًا للوحدة، تصبح الوحدة غطاءً للصمت. وحين يصبح الصمت شرطًا للانتماء، يتحول الانتماء إلى طاعة. وعندها يصبح الخوف نفسه جزءًا من السلطة.

(*) راجع مقالة الزميل مالك أبو حمدان بعنوان: “هل الشيعة في خطر.. حقًا؟

 

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  حراك دولي واقليمي.. لا يكسر حرفاً من حروف الاستعصاء اللبناني!