غبار الموت المؤجل.. من ركام نيويورك إلى ضاحية بيروت

في الثامن من أيلول/سبتمبر 2026، وقبل ثلاثة أيام من الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 أيلول، أعلن عمدة نيويورك زهران ممداني الإفراج عن أكثر من 170 ألف صفحة من سجلات المدينة المتعلقة بنوعية الهواء والمخاطر الصحية التي أعقبت انهيار مركز التجارة العالمي. لم تكن أهمية الإعلان في عدد الصفحات وحده، بل في الحقيقة التي أعادها إلى الواجهة بعد ربع قرن: آلاف الأشخاص عادوا إلى بيوتهم وأعمالهم وهم يعتقدون أن الهواء آمن، فيما كانت السلطات تعرف أن المشهد أكثر خطورة بكثير. وقد لخّص ممداني المأساة بعبارة قاسية: الناس مرضوا لأنهم وثقوا بقادة قالوا لهم إن الهواء صالح للتنفس.

بعد خمسة وعشرين عاماً، لم تعد مأساة 11 أيلول محصورة في نحو ثلاثة آلاف شخص قُتلوا في ذلك اليوم. فآلاف آخرين ماتوا لاحقاً، وعشرات الآلاف أصيبوا بأمراض مزمنة وسرطانات واضطرابات تنفسية ارتبطت بالتعرض للغبار والدخان والمواد السامة التي خلّفها الانهيار والحرائق. وهنا يصبح ما حدث في نيويورك أكثر من قصة أميركية؛ يصبح إنذاراً للبنان. فالكارثة الكبرى ليست دائماً ما يحدث لحظة الانفجار. قد يسقط المبنى خلال ثوان، لكن ما يتحول إليه ذلك المبنى يمكن أن يبقى في الهواء وعلى الشرفات وداخل البيوت والرئات سنوات طويلة. لذلك، لا يكفي أن نسأل بعد الحرب كم شخصاً قُتل وكم مبنى دُمّر. يجب أن نسأل أيضاً: ماذا استنشق الذين بقوا أحياء؟

حين انهار برجا مركز التجارة العالمي، لم يتحولا إلى «غبار» بالمعنى البسيط للكلمة. تحولت الخرسانة والجبس والزجاج والعوازل والأسلاك والدهانات والأجهزة الإلكترونية والبلاستيك والأثاث إلى مزيج معقد من الجسيمات والمواد الكيميائية. احتوى الغبار على الإسمنت وألياف الزجاج والأسبستوس والسيليكا ومعادن ثقيلة، وعلى نواتج احتراق عضوية شديدة السمية. كما كانت أجزاء من الغبار شديدة القلوية، قادرة على إحداث تهيج والتهاب حادين في الأغشية المخاطية والرئتين. ولم تتوقف المشكلة مع سقوط البرجين، إذ استمرت الحرائق في الركام أشهراً، مطلقة مزيداً من الجسيمات والملوثات.

وليست كل الجسيمات متساوية في خطرها. فالغبار الخشن يؤذي العين والأنف والحنجرة، بينما تستطيع الجسيمات الدقيقة، ولا سيما PM₂.₅ وما هو أصغر منها، الوصول إلى أعماق الرئتين والمساهمة في استجابات التهابية قد تتجاوز الجهاز التنفسي نفسه. والخطر لا يأتي من مادة واحدة، بل من اجتماع حجم الجسيمات وتركيبها الكيميائي وتركيزها ومدة التعرض لها. وهذا هو ما يجعل غبار مدينة مدمرة مختلفاً جذرياً عن الغبار العادي.

النتائج الصحية في نيويورك كانت صادمة. رجال الإطفاء والإنقاذ الذين تعرضوا مباشرة للغبار شهدوا تراجعاً كبيراً في وظائف الرئة خلال السنة التالية للهجمات، وظهرت لاحقاً أعداد كبيرة من حالات الربو المزمن، والتهاب الجيوب، واضطرابات الجهاز الهضمي، إضافة إلى عشرات الآلاف من حالات السرطان المسجلة ضمن برامج المتابعة والعلاج الخاصة بضحايا مركز التجارة العالمي. ولا يعني ذلك أن كل حالة سرطان يمكن ربطها يقيناً بذرة محددة من غبار 11 أيلول، لكنه يثبت أمراً أساسياً: الكارثة الصحية لم تنته في أيلول 2001؛ بل بدأت فيه.

مقارنة مقلقة بين مانهاتن والضاحية الجنوبية

من الخطأ العلمي القول إن الضاحية الجنوبية لبيروت تعرضت للخليط الكيميائي نفسه الذي تعرض له مانهاتن. طبيعة المباني مختلفة، ونوع الحرائق مختلف، والأسلحة المستخدمة مختلفة، ومدة التعرض مختلفة. لكن المسار البيئي والصحي متشابه بما يكفي ليدفعنا إلى القلق: مبانٍ سكنية تتحول خلال لحظات إلى مسحوق، سيارات ومولدات وأسلاك ومواد بلاستيكية تحترق، مدنيون يعودون سريعاً إلى أحيائهم، عمال ومتطوعون يرفعون الركام، وآليات ثقيلة تعيد إثارة الغبار مرات متتالية. ما كان بالأمس جزءاً ثابتاً من جدار أو سقف أو جهاز كهربائي يصبح بعد التفجير جسيمات دقيقة يمكن استنشاقها.

ولم تعد هذه المخاوف افتراضاً نظرياً بالكامل. فقد أظهرت قياسات ودراسات أُجريت على الضاحية الجنوبية خلال حرب 2024 ارتفاعاً ملموساً في تركيز الجسيمات الدقيقة PM₂.₅ أثناء أشد مراحل القصف. وهذه الجسيمات لا تخبرنا وحدها بكل شيء؛ فقياس كتلتها في الهواء لا يكشف بالضرورة تركيبها الكيميائي. قد تأتي من الخرسانة والحجر، وقد تحتوي مواد بناء قديمة على أسبستوس إذا كان موجوداً أصلاً، بينما يمكن لغبار الخرسانة والحجر أن يحمل السيليكا البلورية. وفي المقابل، قد تطلق حرائق الأسلاك والإلكترونيات والبلاستيك والوقود السخام والمعادن مجموعة واسعة من المركبات العضوية السامة. معرفة كمية الغبار من دون معرفة مكوناته تشبه معرفة وزن دواء ابتلعه شخص من دون معرفة اسم الدواء.

ويزداد الخطر مع الحجم الهائل للركام الذي خلفته الحرب في الضاحية والجنوب والبقاع. فهذه ملايين الأطنان من الخرسانة والحجر والحديد والزجاج والمواد البلاستيكية والمكونات المنزلية والصناعية التي لم تختف بتوقف الغارات. إنها موجودة في الشوارع، وفي ساحات التجميع، وعلى الشاحنات، وفي عمليات الهدم والفرز وإعادة الإعمار. وكل مرة يُحرك فيها هذا الركام يمكن أن يعود جزء منه إلى الهواء. الحرب قد تنتهي عسكرياً، لكنها قد تستمر بيئياً لسنوات أثناء إزالة آثارها.

ومن المهم في الوقت نفسه ألا نستبدل التطمين غير العلمي بالتهويل. فقد انتشرت بعد بعض الغارات روايات عن استخدام اليورانيوم المنضب، لكن الفحوص التي أُجريت لم تقدم دليلاً على وجوده في العينات التي تم تحليلها. ويجب قول ذلك بوضوح. الوعي لا يحتاج إلى إشاعات كي يكون مخيفاً بما يكفي. في المقابل، أظهرت التحاليل البيئية وجود عناصر معدنية مختلفة في بعض عينات التربة، كما أن احتراق المواد البلاستيكية والعوازل والوقود يمكن أن يولد طيفاً واسعاً من الملوثات السامة. وما لا نعرفه حتى الآن هو أين تركزت هذه الملوثات، وكم استمر وجودها، وما الجرعة الفعلية التي تعرض لها السكان.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: غياب البيانات لا يعني غياب الخطر. لا نستطيع اليوم أن نقول إن الحرب ستؤدي حتماً إلى موجة سرطانات في الضاحية، لأن كثيراً من الأمراض تحتاج سنوات أو عقوداً كي تظهر، ولأن إثبات العلاقة السببية يتطلب متابعة علمية طويلة. لكن لا يحق لنا أيضاً أن نتصرف كأن الخطر غير موجود لمجرد أننا لم ننتظر عشرين سنة بعد. الموقف العلمي المسؤول واضح: لدينا أسباب جدية للقلق، ولدينا إشارات بيئية أولية، وما نحتاج إليه الآن هو القياس والتوثيق والمتابعة.

أين قاعدة البيانات؟

وهذا هو درس نيويورك الأهم. بعد 11 أيلول، عاد آلاف الأشخاص إلى العمل والسكن قبل أن تكون حقيقة التعرض مفهومة جيداً. وبعد سنوات، أصبحت أسئلة تبدو بسيطة اليوم بالغة الأهمية: من كان موجوداً؟ أين كان يسكن؟ كم بقي في المنطقة؟ ماذا استنشق؟ ما نتائج فحوصه التنفسية في السنوات الأولى؟ وما درجة تعرضه مقارنة بغيره؟ وتحولت سجلات العناوين والعمل والخرائط البيئية والفحوص الطبية إلى عناصر أساسية في تحديد من يحق له العلاج والتعويض.

إقرأ على موقع 180  النبطية، من لا يَعرِفَها.. ماذا يعرف؟

فأين هو السجل اللبناني المقابل؟ أين قاعدة البيانات التي توثق منذ الآن سكان حارة حريك والليلكي وبرج البراجنة والحدث والمدن والقرى الجنوبية والبقاع، وعمال البلديات والدفاع المدني والمسعفين والمتطوعين وعمال رفع الأنقاض؟ أين القياسات الأساسية لوظائف الرئة لدى الأكثر تعرضاً؟ أين الخرائط التي تربط مواقع القصف ومناطق انتشار الغبار بأماكن إقامة السكان؟ وأين التحاليل المتكررة للهواء والغبار داخل البيوت والمدارس لا خارجها فقط؟

وسيكون من غير المنصف، وسط هذا النقد، تجاهل الجهود التي تبذلها وزارة البيئة بقيادة الوزيرة تمارا الزين في توثيق الأضرار البيئية للحرب، وفحص التربة والمياه، وتنظيم التعامل مع الركام والمواد الخطرة. هذا جهد يستحق التقدير والدعم، لأن ما تجمعه الوزارة اليوم من عينات وخرائط وبيانات قد يصبح بعد سنوات أساساً لفهم الأضرار الصحية، بل ودليلاً ضرورياً في أي مطالبة مستقبلية بالتعويض أو المساءلة.

لكن هنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الدولة اللبنانية مرارة. ففي الوقت الذي تحاول فيه مؤسسة رسمية أن توثق الضرر وتحفظ أدلته، تتخذ القيادة السياسية للدولة نفسها قرارات قد تضعف القدرة على استخدام هذه الأدلة مستقبلاً. وكان يفترض بهذه القيادة أن توسع عمل وزارة البيئة إلى برنامج وطني طويل الأمد يربط البيانات البيئية بالسجلات الصحية ومتابعة سكان المناطق المتضررة، وأن تضمن في الوقت نفسه بقاء جميع الأبواب القانونية مفتوحة أمام الضحايا.

ومن هذه الزاوية تحديداً يصبح البند الثالث عشر من الاتفاق الإطاري الموقع مع إسرائيل بالغ الخطورة. فحتى لو قيل إن تقييد التحرك القانوني والقضائي في المحافل السياسية والقانونية الدولية مؤقت ومرتبط بالمفاوضات، يبقى السؤال البديهي: لماذا يقبل المعتدى عليه أصلاً بتقييد إحدى أدواته القانونية في الوقت الذي لم يكتمل فيه بعد جرد الأضرار الصحية والبيئية التي لحقت به؟

قد تكون عينة تربة تجمعها وزارة البيئة اليوم، أو خريطة توثق منطقة تعرضت للقصف، أو نتيجة فحص رئوي محفوظة في ملف طبي، دليلاً في قضية بعد خمسة عشر عاماً. فبأي منطق نجمع الأدلة بيد، ثم نقبل باليد الأخرى بصياغات يمكن أن تضيق المجال الذي قد تُستخدم فيه هذه الأدلة؟

المشكلة هنا ليست مجرد خلاف تقني حول نص اتفاق. إنها تمس جوهر وظيفة الدولة. الدولة التي تعجز عن منع الحرب قد نفهم حدود قوتها، أما القيادة التي لا تحمي حق مواطنيها في التوثيق والمحاسبة والتعويض، أو تقبل طوعاً بلغة يمكن أن تقيد هذا الحق، فهي تخذل مواطنيها مرتين: مرة حين تعجز عن حمايتهم من القصف، ومرة حين تضعف قدرتهم على المطالبة بالعدالة بعده. وإذا انتهى هذا المسار إلى إغلاق أبواب المحاسبة أمام ضحايا لا نعرف حتى الآن حجم الضرر الذي سيلحق بهم، فإن وصف ذلك بالخيانة السياسية لن يكون مجرد انفعال لغوي.

برنامج وطني

ليس كل ضحايا الحرب الإسرائيلية مدفونين تحت الأنقاض. بعضهم قد يكون طفلاً يلعب اليوم قرب موقع هدم، أو عاملاً يزيل الخرسانة من دون حماية تنفسية كافية، أو مسعفاً دخل عشرات الأبنية المدمرة، أو امرأة عادت إلى شقتها ومسحت الغبار عن أثاثها ثم واصلت حياتها ظناً منها أن الخطر انتهى عندما توقفت الطائرات. هؤلاء قد لا يحملون اليوم ملفات مرضية تثبت شيئاً، لكن الدولة مسؤولة منذ الآن عن ألا تحولهم بعد عشرين عاماً إلى ضحايا وأرقام بلا سجل وبلا دليل.

ولهذا يجب ألا ينتظر لبنان ظهور أول عنقود سرطاني كي يبدأ العمل. المطلوب برنامج وطني حقيقي لتسجيل التعرض للحرب ومتابعة سكان المناطق الأكثر تضرراً والمسعفين وعمال الركام، مع فحوص دورية لوظائف الرئة، ومتابعة الأمراض التنفسية والقلبية والسرطانية، وتحليل منهجي للجسيمات الدقيقة والسيليكا والأسبستوس حيث يُحتمل وجوده والمعادن والملوثات الناتجة من الاحتراق. ويجب إعطاء الأطفال والنساء الحوامل والفئات الأكثر هشاشة أولوية خاصة.

كما ينبغي أن تتحول عملية رفع الركام من مسألة هندسية وبلدية فقط إلى مسألة صحة عامة. ترطيب الغبار قبل الهدم والنقل، وعزل المواقع، واستخدام معدات تنفس مناسبة، وفرز المواد الخطرة، ومنع إعادة نشر الغبار في الأحياء ليست تفاصيل ثانوية. وهي إجراءات قد تحدد بعد سنوات من مرض ومن بقي سليماً.

وفي الوقت نفسه، يجب التعامل مع عينات التربة والغبار والمياه، وصور الأقمار الصناعية، وخرائط القصف، وسجلات المستشفيات، وفحوص وظائف الرئة، باعتبارها جزءاً من الذاكرة العلمية والقانونية للبنان. فالحق في العلاج والتعويض يحتاج إلى دليل، والدليل يحتاج إلى أن يُجمع في وقته، والزمن الذي يضيع اليوم لا يمكن استعادته سنة 2040.

بعد خمسة وعشرين عاماً، تفتح نيويورك سجلات كان ينبغي ألا تبقى مغلقة كل هذه المدة، وتعيد النظر في مصير أشخاص قيل لهم يوماً إن الهواء آمن. أما لبنان فلديه اليوم فرصة نادرة وقاسية: أن يتعلم من كارثة حدثت في مكان آخر قبل أن يضطر بعد عقود إلى اكتشاف الكارثة نفسها في سجلات مستشفياته.

الحرب لا تنتهي عندما تصمت الطائرات والمدافع. أحياناً تنتقل ببساطة من السماء إلى الرئة، ومن الركام إلى الدم، ومن نشرات الأخبار إلى ملف طبي يُفتح بعد خمسة عشر عاماً.

والخطيئة الأكبر ليست أن نعجز اليوم عن معرفة كل ما سيحدث غداً، بل أن نعرف أن علينا القياس والتوثيق والحماية والمتابعة، وأن نعرف أن ضحايا المستقبل قد يحتاجون إلى حقهم في العلاج والتعويض والعدالة، ثم نختار سياسياً أن نتركهم بلا سجل، وبلا دليل، وبلا صوت.

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  هل تجوز المقارنة لبنانياً بين 2025.. وما بعد اجتياح 1982؟