بعضٌ من عِبَر التاريخ السوري.. “الدين لله والوطن للجميع” (4)

حين شعر سلطان الأطرش بدنوّ أَجَله، كتب وصيّته السياسية والشخصية، وهو الثائر السوري الوحيد الذي ترك خلفه وصية سياسية بامتيار يُحدّد فيها هوية العدو والصديق وأولوية الدولة السورية.

من “وصية سلطان الأطرش”

سأعرض على القرّاء الجزء السياسي من وصية الراحل سلطان الأطرش الذي أكّد فيه على شعار ثورة 1925، وعلى أهمية الحفاظ على الاستقلال والسيادة وعلى الوحدة الوطنية لصدّ العدو وتحرير الأرض بالقوة والمنعة والوحدة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني وأبنائي العرب…

عزمتُ وأنا في أيامي الأخيرة، أنتظر الموت الحق، أن أخاطبكم مودّعاً وموصياً. لقد أولتني هذه الأمة قيادة الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي الغاشم، فنهضت بأمانة القيادة وطلبتُ الشهادة وأدّيتُ الأمانة. انطلقت الثورة من الجبل الأشمّ، جبل العرب، لتشمل وتعمّ، وكان شعارها: “الدين لله والوطن للجميع”، وأعتقد أنها حققت لكم عزة وفخاراً وللاستعمار ذلاً وانكساراً.

وصيتي لكم، إخوتي وأبنائي العرب، هي أن أمامكم طريقاً طويلة ومشقات شديدة تحتاج إلى جهاد وجهاد: جهاد مع النفس وجهاد مع العدو. فاصبروا صبر الأحرار ولتكن وحدتكم الوطنية وقوة إيمانكم وتراصّ صفوفكم هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء وطرد الغاصبين وتحرير الأرض. واعلموا أن الحفاظ على الاستقلال أمانة في أعناقكم بعد أن مات من أجله العديد من الشهداء وسالت للوصول إليه الكثير من الدماء. واعلموا أن وحدة العرب هي المنعة والقوة وأنها حلم الأجيال وطريق الخلاص. واعلموا أن ما أُخِذَ بالسيف، بالسيف يُؤخَذ، وأن الإيمان أقوى من كل سلاح، وأن كأس الحنظل في العز أشهى من ماء الحياة مع الذل وأن الإيمان يُشحَن بالصبر ويُحفَظ بالعدل ويُعَزّز باليقين ويُقوّى بالجهاد. عودوا إلى تاريخكم الحافل بالبطولات، الزاخر بالأمجاد لأني لم أرَ أقوى تأثيراً في النفوس من قراءة التاريخ لتنبيه الشعور وإيقاظ الهمم لاستنهاض الشعوب لتظفر بحريتها وتحقق وحدتها وعزّتها وكرامتها وترفع أعلام النصر. واعلموا أن التقوى لله والحب للأرض وأن الحق منتصر وأن الشرف بالحفاظ على الخُلُق والإبداع وإتقان العمل، وأن الاعتزاز بالحرية والفخر بالكرامة وأن النهوض بالعلم والعمل، وأن الأمن بالعدل وأن القوة بالتعاون (…).

***

“الدين لله والوطن للجميع”

في هذه العُجالة، سأحاول وضع تفسير لشعار ثورة 1925، علّنا نقرأه قراءة مفيدة، الآن وهنا:

أول مَنْ أطلق شعار، “الدين لله والوطن للجميع”، هو المعلّم بطرس البستاني (1819-1883)، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ردّاً على مذابح العام 1860؛ وهو ما أضحى شعاراً للثورة السورية الكبرى سنة 1925؛ وهو كذلك العقد الاجتماعي في سورية لقرن كامل من الزمن. كما أطلق البستاني شعاراً آخر هو “فصل السياسة عن الرياسة”، أي “فصل السياسة عن السُلطة الدينية”؛ فغاية الدولة هي غاية دنيوية، تحمى المواطن وكرامته وحريته في عدالة اجتماعية حقيقية.

“الدين لله والوطن للجميع”؛ شعارٌ قد يطرح أسئلة إشكالية في يومنا هذا، إلا أنها كانت في زمن الثورة السورية الكبرى (1925-1937) من البديهيات التي لا تقبل النقاش، ألا وهي: “الحيادية” و”المقاومة”.

فالثورة السورية الكبرى، ومنذ انطلاقتها في 21 تموز/يوليو 1925، آمنت بالحيادية تجاه العقائد، سبيلاً واضحاً للعيش في وطن واحد والتطلّع إلى مستقبل واعد لبناء وطن قوي عصيّ على الدخلاء، فرفع قائدها العام سلطان الأطرش هذا الشعار للثورة:

في قسمه الأول (الدين لله)، نجد حياد الثورة السورية الكبرى واضحاً على الصعيد الديني، وهذه الحيادية هي ضمان لعدم التحيّز، وتالياً، فإن هذه الثورة قد احترمت جميع الأديان وأقصت التعصّب وأحلّت محلّه التسامح. وهكذا، فإن الإنسان يستطيع التماهي في الوطن، إذ يجد نفسه على قدم المساواة مع الآخرين مهما تكن معتقداته الروحية؛ وبهذا، يتحقق القسم الثاني من شعار الثورة، وهو (الوطن للجميع).

هدف الحيادية هو تحقيق وحدة الشعب المرتكزة إلى المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، ومرجعيتها في ذلك الصالح العام الذي يعطي لكل فرد القدرة على الفعل الحر، أما أفقها فهي الديموقراطية المرتكزة إلى الشعور بالحرية والتصميم على ممارستها بشكل تشاركيّ وحقيقي. وضمن هذا الجو الحيادي، هناك مقام أساسي للعقل، بعيداً عن الغرائز، فللعقل قدرة نقدية، لا غنى للإنسان عنها. وتشجّع الحيادية على تعليم الناس الابتعاد عن الذاتي والاهتمام ببناء القدرة على المحاكمة المتنَوِّرة والمتعقِّلة للوصول إلى توضيح ضرورة وجود رابط قويّ بين الصالح العام والإنجاز الشخصي: إنه تفعيل للمواطنة والعيش الوطني المستنير.

فهل مَنْ يعتَبِر، اليوم؟

حتماً إننا نتوق إلى ذلك.

(يُتبع)

 (*) راجع الأجزاء الأول والثاني والثالث للكاتبة في موقع “180 بوست”

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  عندما تؤدي فضائح ترامب إلى زيادة شعبيته!
ريم منصور سلطان الأطرش

كاتبة عربية، دمشق

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  تعيينات الجولاني.. بعد شقيقه، عديلهُ مُحافظاً لدمشق!