من 1982 إلى 2026: عودة أمين أم بشير الجميل؟

نادراً ما يعيد التاريخ نفسه بالصورة ذاتها، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج الأسئلة التي عجزت المجتمعات عن حسمها. وفي لبنان، ظل سؤال العلاقة بين الداخل والخارج أحد أكثر هذه الأسئلة حضوراً: ماذا يحدث عندما يسعى مشروع داخلي إلى إعادة تشكيل الدولة مستنداً إلى قوة إقليمية أو دولية؟ وهل يستطيع التفوق الخارجي أن يتحول إلى نظام سياسي مستقر، أم أنه يخلق، في الوقت نفسه، الشروط التي تنتج مشروعاً مضاداً؟

بهذا المعنى، تمثل سنة 1982 لحظة مفصلية. ففيها بلغ مشروع بشير الجميّل ذروته، وفيها أيضاً نشأت البيئة التي سرّعت تبلور أحد أكثر المشاريع تضاداً معه، أي حزب الله. وبعد أكثر من أربعة عقود، تعيد حرب 2023 ـ 2026 طرح السؤال نفسه من الجهة المقابلة: هل يشهد لبنان محاولة لإسقاط المشروع الذي نشأ في مواجهة نتائج 1982، وإعادة رسم ملامح المشهد السياسي والأمني ضمن ميزان إقليمي جديد؟

التحالف سبق الاجتياح

لم تبدأ علاقة بشير الجميّل بإسرائيل مع اجتياح حزيران/يونيو 1982. فقد سبقتها سنوات من الاتصال والتسليح والتنسيق. ويشير فواز طرابلسي إلى إرسال بشير وفداً كتائبياً إلى إسرائيل منذ آذار/مارس 1976، ثم إلى تطور العلاقة في السنوات التالية. كما تحولت القوات اللبنانية تدريجياً، بعد مجزرة إهدن ومجزرة الصفرا وحرب المئة يوم وحصار زحلة، من جهاز عسكري حزبي إلى قوة تسعى إلى احتكار القرار المسيحي وبناء سلطة أمر واقع ذات مؤسسات أمنية ومالية وإدارية، يقول طرابلسي.

ولم يبق الانتقال إلى الدولة مجرد طموح ضمني. فالدراسة المعدة سنة 1980 حول «استلام بشير السلطة» ناقشت إعادة بناء النظام والعلاقة بإسرائيل، وقد نشر الكاتب الفرنسي آلان مينارغ نصها في ملحق كتابه «أسرار حرب لبنان»، الذي استند في معظمه إلى أرشيف القوات اللبنانية الذي كان بحوزة قائد القوات السابق فادي فرام .

لذلك كان اجتياح 1982 تتويجاً لتقاطع مشروعين: مشروع إسرائيلي يسعى إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وإضعاف النفوذ السوري وإنتاج وضع لبناني أكثر ملاءمة لأمن إسرائيل، ومشروع بشيري يريد الانتقال من السيطرة على المجال المسيحي إلى الإمساك بالدولة.

ومع حصار بيروت وخروج القوات الفلسطينية والجيش السوري وهزيمة الحركة الوطنية اللبنانية، تبدل ميزان القوى الذي كان يحد من هذا الانتقال. وجاء انتخاب بشير في 23 آب/أغسطس 1982 في هذا السياق، وبدعم إسرائيلي وأميركي واضح. لكن وصوله إلى الرئاسة بدأ يفرض عليه حسابات مختلفة؛ فظهرت فجوة بين حاجته إلى توسيع شرعيته اللبنانية وبين رغبة إسرائيل في اتفاق سريع يترجم نتائج الحرب. وتؤكد الدراسات الأرشيفية الاميركية أن واشنطن وتل أبيب راهنتا بوضوح على رئاسته ضمن ترتيبات ما بعد الاجتياح.

من بشير إلى أمين: تغيّر الرهان

أدى اغتيال بشير في 14 أيلول/سبتمبر 1982 إلى فقدان إسرائيل الحليف اللبناني الذي كانت تراهن عليه لتحويل إنجازها العسكري إلى ترتيب سياسي وجعل لبنان الحلقة الثانية في اتفاقات الصلح بعد اتفاق كامب ديفيد. وانتقلت الرئاسة إلى أمين الجميّل، لكن نموذج السلطة تغيّر.

لم يمتلك أمين علاقة أخيه العضوية بالقوات، ولا المستوى نفسه من العلاقة بإسرائيل، وأصبح الرهان الاميركي على إعادة بناء الدولة والجيش والمؤسسات أكثر وضوحاً. ولذلك تبدو تجربته مهمة لفهم المرحلة الراهنة أكثر من المقارنة المباشرة بين بشير والسلطة الحالية.

بلغ هذا المسار ذروته في اتفاق 17 أيار/مايو 1983. لكنه اصطدم بسوريا، التي لم تستطع منع اجتياح 1982 ولا انتخاب بشير، لكنها استطاعت منع تحويل التفوق الإسرائيلي إلى تسوية نهائية.

فقد رفض حافظ الأسد الانسحاب السوري وفق شروط الاتفاق، ودعم قوى لبنانية معارضة له، وانتهى المسار بإلغاء لبنان الاتفاق في آذار/مارس 1984. وتؤكد الوثائق الاميركية أن دمشق رأت فيه مدخلاً إلى هيمنة إسرائيلية على لبنان.

وهنا يظهر أحد أهم دروس تلك المرحلة: لم تكن قوة سوريا في هزيمة إسرائيل عسكرياً، بل في امتلاك قدرة تعطيلية منعت تثبيت النتائج العسكرية في صيغة سياسية دائمة.

ولادة النقيض

لم يولد حزب الله نتيجة اغتيال بشير الجميّل، ولا يصح اختزال نشأته في رد فعل مباشر على المشروع البشيري. فقد سبق 1982 تحول سياسي واجتماعي داخل البيئة الشيعية، ارتبط بالإمام موسى الصدر وحركة أمل والنجف والثورة الإيرانية.

لكن الاجتياح الإسرائيلي كان عامل تسريع حاسماً، إذ تزامن الاحتلال مع وصول الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع، وتبلور شبكات مقاومة إسلامية ستتوحد تدريجياً في حزب الله. وفي «الرسالة المفتوحة» سنة 1985، أعلن الحزب بصورة أوضح عداءه لإسرائيل والهيمنة الاميركية وارتباطه بولاية الفقيه. هكذا أنتجت سنة 1982 مفارقتها الكبرى: الحرب التي بلغت فيها علاقة بشير بإسرائيل أقصى فاعليتها ساهمت، ضمن عوامل أخرى، في إنتاج القوة اللبنانية التي جعلت مقاومة إسرائيل أساس شرعيتها.

دولة بلا إجماع وحرب غير متكافئة

تكمن المفارقة الأكثر قسوة في المقارنة بين 1982 و2026 في أن الدولة اللبنانية، في اللحظتين، لم تدخل الحرب بوصفها قوة قادرة على الدفاع عن حدودها وفرض شروطها على إسرائيل.

ففي 1982، كانت المؤسسة العسكرية قد خرجت من سنوات الحرب الأهلية ضعيفة ومنقسمة وعاجزة عن احتكار القوة، ولم تستطع أن تحول دون الاجتياح أو أن تكون القوة التي تواجه الجيش الإسرائيلي. وهي صورة تنسجم مع الدراسات التي ترى أن الجيش اللبناني، خلال الحرب، فقد أصلاً احتكاره شبه النظري للعنف، ولم ينجح في استعادته خلال محاولات إعادة بنائه بين 1982 و1984.

إقرأ على موقع 180  المساعدات العربية.. هكذا تنظر السعودية إلى لبنان

وفي 2026، لا يبدو المشهد بعيداً تماماً عن هذه المعضلة. فالجيش ينتشر حيث تسمح الترتيبات الإسرائيلية، فيما ما تزال إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل الجنوب وتفرض عملياً قيوداً على الحركة في أجزاء منه، بينما تتركز مهام الجيش، في إطار الترتيبات القائمة، على تسلّم الأرض بعد الانسحاب وضبط السلاح داخلها.

الأخطر أن هذه الحرب لم تنتج، حتى الآن، لحظة تضامن وطني جامعة، ولا يوجد اتفاق داخلي على الترجمة العملية للسيادة نفسها: هل تبدأ بانسحاب إسرائيل أم بنزع سلاح حزب الله؟ وهل يسيران بالتوازي أم يسبق أحدهما الآخر؟

يكشف ذلك أن الدولة لا تدير إجماعاً، بل تدير نزاعاً داخلياً مؤجلاً حول ما بعد الحرب.

ومن هنا تصبح المقارنة مع تجربة أمين الجميّل أكثر قرباً من المقارنة مع بشير. فلا تجسد السلطة الحالية مشروع بشير العسكري ولا علاقته بإسرائيل، لكنها، مثل سلطة أمين في مطلع الثمانينيات، تراهن إلى حد بعيد على الولايات المتحدة وعلى ترتيبات خارجية لإعادة بناء سلطة الدولة في ظل عجزها عن فرض هذه السلطة بقواها الذاتية، وتعويلها على واشنطن للضغط على إسرائيل من أجل الانسحاب.

وهذا يجعل السؤال التاريخي أقل راحة مما توحي به عبارة «استعادة سيادة الدولة»: هل نحن أمام دولة تستعيد سيادتها فعلاً، أم أمام دولة تحاول إعادة بناء سلطتها الداخلية في اللحظة نفسها التي تعجز فيها عن حماية جزء من أرضها وسكانها من قوة خارجية؟

عودة المنطق لا عودة بشير

لا تسند الوقائع الراهنة تشبيه الرئيس جوزاف عون ببشير الجميّل. فالسلطة الحالية آتية من مؤسسات الدولة، لا من ميليشيا متحالفة مع إسرائيل، والرئاسة تؤكد أن حصرية السلاح قرار داخلي مرتبط ببسط سلطة الدولة، بالتوازي مع المطالبة بانسحاب إسرائيل.

لكن المقارنة تصبح أكثر إنتاجية إذا انتقلنا من الأشخاص إلى بنية اللحظة. فالمسار التفاوضي الجاري في 2026 يربط عملياً بين انسحاب إسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة سلاح حزب الله، تحت النار والتهديد والقصف والقتل والتدمير، وفي أجواء داخلية صعبة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ومن هذه الزاوية تبدو السلطة الحالية أقرب بنيوياً إلى تجربة أمين الجميّل منها إلى تجربة بشير: دولة تستند إلى الجيش والمؤسسات، وتحتاج إلى دعم أميركي وعربي ودولي، وتحاول إعادة احتكار قرار الحرب والسلاح في ظل وجود الاحتلال على الأرض وتحت وطأة التهديدات اليومية.

أما إيران، فيمكن مقارنتها بسوريا الثمانينيات من زاوية وظيفية محددة، تتعلق بكونها قوة إقليمية وازنة تدعم قوى المقاومة في المنطقة، وتسعى إلى منع تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى ترتيب سياسي لبناني ـ إسرائيلي نهائي لا يراعي مطالب حلفائها في لبنان.

فإيران لا تمتلك جيشاً نظامياً داخل لبنان ولا حدوداً مشتركة معه، وتعتمد قدرتها بصورة أساسية على استمرار حزب الله نفسه كفاعل لبناني مسلح وسياسي، وعلى قدرتها الإقليمية، بما فيها القوة الصاروخية، على دعمه عند الحاجة.

فهل تستطيع إيران تعطيل مفاعيل السياسة الاميركية في لبنان في 2026، على غرار ما فعلته سوريا بين 1982 و1984، برغم التفوق العسكري الإسرائيلي والنفوذ الاميركي الواسع في القرار السياسي اللبناني؟

وهل تستطيع إيران رفع سقف المواجهة وكلفتها على الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يسمح لحزب الله بإعادة بناء معادلة ردع جديدة؟

هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة، التي تبدو خريفية بامتياز..

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  يوم لها.. وكل الأيام عليها