“الدروز والشهابيون في وادي التيم”.. فارس اشتي يعيد قراءة تاريخٍ غيّبته الرواية اللبنانية

ليس الخلاف على التاريخ خلافاً على الماضي وحده، بل على من يملك حق روايته وترتيب وقائعه وتحديد مراكزه وهوامشه. وفي الحالة اللبنانية، كثيراً ما خضعت الكتابة التاريخية لثقل الجغرافيا والعصبيات والمدارس التي ينتمي إليها المؤرخون. من هنا تكتسب دراسة الدكتور فارس اشتي عن الموحّدين الدروز والشهابيين في وادي التيم أهميتها؛ فهي لا تضيف وقائع نادرة إلى سجل معروف بقدر ما تعيد طرح سؤال أوسع وأهم: ماذا سقط من تاريخ لبنان لأن بعض مناطقه لم تكن في صلب الرواية؟

يوثّق الدكتور فارس اشتي، في كتابه الجديد «الموحّدون الدروز والشهابيون في وادي التيم: التباس في التأسيس والدور»، الصادر حديثاً عن دار سائر المشرق، جانباً من تاريخ وادي التيم، ويعيد طرح أسئلة تتصل بتكوّن المنطقة وأدوار القوى التي حكمتها أو أثّرت فيها. والسؤال الأولي الذي قد يحضر إلى ذهن القارئ، انطلاقاً من العنوان، هو: هل دخل الدكتور فارس اشتي في بازار «الصراع على تاريخ لبنان»، ومحاولات كل مكوّن من مكوّناته أن يشدّ سماء هذا التاريخ إلى عصبيته؟

غير أن العارف بتاريخ المؤلف السياسي، ونضالاته في مواجهة ما رسمته الدول المنتصرة في الحربين العالميتين، وحرصه على الدولة المدنية العلمانية في إدارة الشؤون الداخلية الأمنية والاقتصادية ـ الاجتماعية والقضائية، يبتعد عن الشكوك التي قد تثيرها هذه الفرضية. أما حافزه إلى دخول رحاب تاريخ وادي التيم، وإن بنكهة سياسية، فيتصل بالخلاصات التي انتهى إليها في دراسته الوجدانية لتاريخ بلدته «ينطا» في البقاع الغربي، التي يعتز بالانتماء إليها والإقامة فيها بين أهلها.

ليست هذه الدراسة الأولى أو الوحيدة التي تناولت الدروز في وادي التيم، أي حاصبيا وراشيا وينطا والجوار. فثمة كتابات أخرى عالجت الموضوع من الناحيتين التيمية والدرزية، من بينها دراسة يحيى عمار «تاريخ وادي التيم والأقاليم المجاورة»، وكتاب حيدر أحمد الشهابي «تاريخ الأمراء الشهابيين بفرعيهم في وادي التيم وحمانا»، و«تاريخ حاصبيا وما إليها» لسليمان عز الدين، وكتاب مسعود ضاهر «تاريخ الدروز»، وكتاب آمال اليازجي «تاريخ الموحّدين الدروز في لبنان وسوريا وفلسطين». وإلى ذلك، تبرز كتابات أخرى مثل «ينطا بين الماضي والحاضر» لفارس اشتي وسالم اشتي، وكتاب سالم مكارم «الدرزية: دراسة التاريخ والعقيدة»، وكتاب عارف النكد «تاريخ الشوف وراشيا وحاصبيا»، فضلاً عن كتب أخرى، بينها كتاب سليم الهشي، وكتاب فارس يوسف «وادي التيم: الشعب والثقافة»، وكتب تناولت قرى بعينها أو جوانب محددة من الوادي، مثل كتابات غالب سليقا وعبير زيدان، فضلاً عن مؤلفات عباس أبو صالح وحسن البعيني. وقد ورد معظم هذه الأعمال في قائمة المصادر والمراجع، المطبوعة والمخطوطة، التي اعتمد عليها المؤلف، وتضم 194 مرجعاً بالعربية وستة مراجع بالإنكليزية، إضافة إلى 670 هامشاً موسعاً لا تقل أهميتها، في أحيان كثيرة، عن المتن نفسه.

وبعيداً عن متاهات المقارنة والمقاربة بين منطلقات هذه الدراسات السابقة ونتائجها وبين دراسة فارس اشتي، قد يكون من المفيد تقديم قراءة شاملة للكتاب، بالنظر إلى جدته ورصانته في التوثيق، من دون الغرق في المسائل العقدية أو المناكفات الداخلية السطحية في صحن الطائفة الدرزية وخارجه، أي في علاقتها بالطوائف الأخرى الحاضرة في الوادي.

ثلاثة متغيرات

يتبع الدكتور اشتي النهج المعهود في الدراسات التي تتناول بيئة بشرية ضمن مساحة جغرافية محددة. ففي الفصلين الأول والثاني، يتناول المعنى الاجتماعي لوادي التيم ومداه الجغرافي، من دون إلباسه عباءة القداسة والتبريك على غرار وادي قاديشا أو وادي لامرتين، كما يتوقف عند دوره في الدعوة التوحيدية والبنية المجتمعية والفكرية لسكان الوادي. ويعرض بإسهاب للمحن التي تعرض لها الموحّدون، ويحصي خمساً منها، كما يتناول مآلاتهم في الوادي.

أما في الفصل الثالث، فينتقل إلى الطرف الآخر من حبكة عنوان الكتاب، أي الشهابيين، من حيث أصلهم وفصلهم، ويناقش الرواية السائدة عن قتالهم الفرنجة والمغول. ثم يصل في الفصل الرابع، وهو عمدة الكتاب، إلى تقديم بانوراما واسعة لأحداث غُيّبت أو هُمّشت في تاريخ الوادي، مستنداً إلى مجموعة من الوثائق التي لم تحضر، أو لم تحضر بالقدر نفسه، في الدراسات السابقة.

وتحت عنوان «أحداث مغيّبة في تاريخ وادي التيم»، يشير المؤلف إلى ثلاثة متغيرات طبعت موقع الوادي في العصر الحديث: أولها تهميش موقعه في الكيان اللبناني الذي أُعلن عام 1920، وثانيها ضعف مكوّناته الديموغرافية والاقتصادية، بفعل طبيعته الجبلية الوعرة ومحدودية إنتاجه الزراعي الذي كان النمط السائد آنذاك، وثالثها غلبة المنبت الجبل ـ لبناني على معظم من كتبوا تاريخ لبنان. وقد أدت هذه العوامل، في رأيه، إلى إهمال حضور الوادي في تاريخ ما سُمّي لاحقاً لبنان، وإلى نسبة بعض الأحداث المهمة إلى مناطق أخرى.

وينبّه المؤلف إلى ما سبق أن كشف عنه في كتابه «ينطا بين الماضي والحاضر» بشأن الحضور المهم للوادي في العهد المملوكي. ويميل إلى تسمية المرحلة الممتدة من سقوط آخر حصون الإفرنجة سنة 1272 إلى استقرار الحكم العثماني في بلاد الشام سنة 1517 بـ«المرحلة التركية». وكان من أبرز ما أنتجته هذه المرحلة إقامة حكم مركزي، والتصدي لاستقلالية الأمراء، ومسح الأراضي، وضبط التنوع المذهبي، ولو قهراً، في بلاد الشام على قاعدة أهل السنة والجماعة.

إقرأ على موقع 180  قائدٌ مقاومٌ.. أسيرٌ حيّاً وأسيرٌ شهيداً

وعلى المستوى الاقتصادي، شهدت تلك المرحلة ثلاثة تطورات أساسية: تجارة الثلج من جبل حرمون، وتشجيع الزراعة على حساب الرعي، ونمو طرق التجارة الخارجية عبر المنطقة. وقد دفعت محورية دمشق، بوصفها عاصمة لممالك إسلامية، وأهمية عكا وصور، إلى افتراض مرور جانب من التجارة بينهما عبر جنوب البقاع، الأمر الذي جعل الوادي مستفيداً من هذا الواقع الجديد.

الصراع مع الأمراء والولاة

وفي تناوله صراعات تلك المرحلة، يتحدث المؤلف مطولاً عن الواقعة بين البعلبكية وأهل وادي التيم كما وردت في كتابات عدد من المؤرخين المعاصرين لها، فيحدد موقعها وزمنها والظروف التي أحاطت بها، ويخلص، استناداً إلى المعطيات المتوافرة، إلى أن طبيعتها كانت سياسية أكثر منها دينية أو مذهبية. ثم ينتقل إلى عرض الصراعات التي رافقت انتقال السلطة من المماليك الأتراك، أو البحرية، إلى المماليك الشراكسة، أو البرجية، محدداً بدقة المراجع التي استقى منها معطياته. كما يشير إلى التباسات الصراع الثاني مع المغول، بعد نحو مئة سنة من الغزوة الأولى، بقيادة تيمورلنك.

ويتناول كذلك الصراع المملوكي ـ العثماني، وانتقال السلطة إلى العثمانيين، وموقع أمراء الشوف في هذه الصراعات، فضلاً عن الحملات على الوادي عامي 1489 و1512 وما نتج منها. وقد قاد الحملة الأخيرة نائب دمشق سيباي وعسكره، الذين نهبوا الوادي وقرى المتن على خلفية مقتل مملوكه، والي القنطرة.

ثم ينتقل المؤلف إلى المواجهات التي شهدها الوادي في المرحلة العثمانية، والمتغيرات السياسية والإدارية والاقتصادية التي أحاطت بها. فيسلّط الضوء على حملة خرّم باشا سنة 1524 ـ وحتى يومنا هذا يُطلق في البقاع، على سبيل السخرية، لقب «خرم بك» على المتباهي والمتسلط من غير حق ـ وهي حملة أهملتها الكتب التي تناولت تاريخ لبنان، فلم يرد ذكرها لدى البطريرك الدويهي أو حيدر الشهابي أو بطرس الشدياق، ولا في عدد من كتابات القرن العشرين. ويعرض المؤلف الأسباب المعلنة لتلك الحملة، لكنه يذهب أبعد من ذلك، فيربطها بالتوجس العثماني من عدم ولاء الدروز للسلطة بعد معركة مرج دابق.

ويتبع تقصّيه هذا بالحديث عن التمرد الدرزي الطويل، الذي كان وادي التيم شريكاً فيه، وما رافقه من اقتتال بين القيسيين واليمنيين. كما يعرض، بفيض من التحليل والتعليل، لحال الوادي خلال مواجهات الأمير فخر الدين الثاني، ابن قرقماز، مع السلطنة العثمانية، وهي مواجهات يضعها تحت عنوانين رئيسيين: الصراع مع الأمراء الذين يحيطون بمنطقته وجوارها، والصراع مع الولاة الذين سعوا إلى تحصيل الأموال الأميرية، مضافاً إليها إكرامياتهم. ويفنّد المؤلف، بالاستناد إلى وثائق مهمة، هذه المواجهات على امتداد صفحات عدة.

دعوة للمراجعة

ويتناول المؤلف، ابتداءً من الصفحة 186 وما يليها، حال الوادي في لحظة انتقال الإمارة إلى الشهابيين بعد وفاة الأمير أحمد المعني من دون عقب، واختيار أعيان الجبل بشير الشهابي خلفاً له. ويعرض الأسباب المعروفة والمتداولة التي أدت إلى اختيار بشير الشهابي بدلاً من حيدر، المرشح الآخر لتولي الإمارة، لكنه يضيف إليها سبباً آخر يرى أن الوثائق والدراسات المتوافرة أغفلته، ويتمثل في قوة الإمارة الشهابية في موقعين: أولهما أن الشهابيين كانوا الأقوى بين العصبيات القيسية، وثانيهما موقع الإمارة الشهابية في صراعات مركز الولاية.

ويقوده ذلك إلى التشديد على أهمية موقع الوارث السياسي والعصبوي في انتقال الإمارة، وهو الموقع الذي كان سبباً في التآمر لقتل بشير وقتل شقيقه الأقوى، منصور، على نحو ظهر في الإمارة المعنية واستمر مع الإمارة الشهابية. ويتبع ذلك بعرض مستفيض لصيرورة الوادي شريكاً مضارباً في الصراع على الإمارة الشهابية في الشوف.

ولم يغفل المؤلف، كما فعلت بعض الكتابات التاريخية المتداولة، انتفاضة قرية المطلة سنة 1878 وظروفها، ولا سيما جانبها الدرزي وتداعياتها الاستيطانية، كما يتناول انتفاضة راشيا ضد السخرة في العام نفسه.

بهذا المعنى، لا يقتصر كتاب فارس اشتي على استعادة أحداث وادي التيم أو مراجعة أدوار الدروز والشهابيين، بل يفتح باباً لمساءلة الطريقة التي كُتب بها تاريخ لبنان نفسه. فالتاريخ لا يصبح أكثر دقة بكثرة ما نعرفه عن مراكزه فقط، بل بقدرتنا على استعادة ما أُهمل في أطرافه وهوامشه. وربما تكون قيمة هذا الكتاب الأساسية أنه يذكّر بأن إعادة قراءة الماضي تبدأ أحياناً من مكان ظُنّ طويلاً أنه هامش، فإذا به يكشف خللاً في المتن كله. من هذه الزاوية، يدعو المؤلف إلى مراجعة متأنية للأفكار السائدة، وإلى الكشف عن الحقائق والأحداث المنسية أو المغيّبة، وهي، على الأرجح، كثيرة.

Print Friendly, PDF & Email
محمد علي العريبي

أكاديمي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  خمسون "الحروب اللبنانية".. دروس وعبر