في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أيام، جدّد ترامب التأكيد على موقفه الرافض لفرض أي قيود، أو إبطاء، على تطوير الذكاء الاصطناعي، وقال إن إدارته «ترفض تمامًا أي محاولة للتحكم في الذكاء الاصطناعي، عليكم تذكر أن من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي يربح كل شيء. نحن الآن متقدمون بفارق كبير على الصين، وعلى الجميع. وسنحافظ على ذلك».
في الوقت ذاته، تضمنت قائمة المدعوين لحفل العشاء الرسمي الذي أقامه ترامب على شرف ضيفه الرئيس الصيني شي جين بينغ، الرؤساء التنفيذيين لكبريات شركات التكنولوجيا المنشغلة بتطوير هذه التكنولوجيات، مثل: OpenAI، Amazon، Nvidia، Alphabet، Apple، وTesla
وبرغم التطور السريع في تكنولوجيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تغيب التشريعات المنظمة لهذه التطبيقات، سواء في الولايات المتحدة أو خارجها. وتخلق هذه المفارقة أزمة عصية على الحل، ففي الوقت الذي تتطور تطبيقات وأنظمة الذكاء الاصطناعي بمعدلات سريعة كل ساعة وكل يوم، لم يتحرك الكونغرس، الذي تقاس فترة تبني تشريعاته بالأشهر والسنوات، بصورة جدية لوضع التشريعات اللازمة لهذه التكنولوجيا التي أصبحت تمس أمن وخصوصية ملايين البشر، بل وتمس كل جزئيات الحياة اليومية كما نعرفها الآن.
***
قبل أسبوعين، اتخذت حياة المهندس «جاكوب كوكسن» منعطفًا دراماتيكيًا عندما أعلن استقالته أمس من شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي، ومن قبلها شركة أوبن أيه آي، وقراره بمغادرة قطاع الذكاء الاصطناعي بالكامل. ورافق رحيل كوكسن إصداره تحذيرات قوية ذهب فيها إلى حد التحذير من أن وتيرة التطوير الحالية قد ينتج عنها إفناء البشرية ذاتها. وجادل كذلك بأن المختبرات الرائدة تخوض سباقًا شديد الخطورة نحو الذكاء الفائق الذي يحسن نفسه ذاتيًا، وأعرب عن قلقه من أن الأنظمة المستقبلية قد تكتسب قدرات مثل اكتساب الموارد ذاتيًا والاختراق المتطور أسرع مما يضمن الباحثون السيطرة عليها. ودعا كوكسن لاحقًا إلى اتفاقيات ملزمة بين مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وإذا لزم الأمر، قيود دولية على بعض قدرات الذكاء الاصطناعي، مما جعل استقالته أكثر من كونها قرارًا مهنيًا فرديًا، بل أيضًا كصرخة صادمة وسط النقاش حول سلامة الذكاء الاصطناعي ومخاطره على وجود البشر أنفسهم! وعزز هذا التصريح، ومن قبله حادثة شركة Hugging Face، حيث تعرضت لهجوم سيبراني غير بشري من وكيل إلكتروني من أحد تطبيقات الشركة خلال مرحلة تطويره يوم 16 تموز/يوليو الماضي، سخونة النقاش الذي تشهده الولايات المتحدة في وقت يرفض فيه 70% من الناخبين بناء المزيد من مراكز المعلومات الضرورية لتطوير منظومة الذكاء الاصطناعي.
وتشير دراسات متعددة إلى مخاطر وجودية أو أخرى كارثية تهدد بقاء الإنسان، ويخشى آخرون من تأثير هذه التطبيقات على سوق العمل والتوظيف، والعلاقات الاجتماعية، أو خلق اعتماد مفرط على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
***
وبعد الالتفات لهذه المخاطر، كان رد واشنطن السياسي متواضعًا في المضمون، إذ قدم النائبان تيد ليو، الديموقراطي، وناثانيال موران، الجمهوري، قانونًا لضبط تطور الذكاء الاصطناعي يسمح لوزارة الأمن الداخلي بإصدار أمر بإيقاف أي برامج أو تطبيقات خطرة. كما اقترح ستة أعضاء في مجلس النواب، بشكل منفصل، آليات تدقيق مستقلة للتطبيقات الجديدة لاختبار مخاطرها المتوقعة. وكما هو متوقع، وعندما يتأخر سن القوانين، تملأ كبريات شركات التكنولوجيا هذا الفراغ بكتابة القواعد المنظمة لصناعتها. وتعرف السياسة الأمريكية حالة استقطاب غير مسبوقة بين الديموقراطيين والجمهوريين، أصبح معها من الصعوبة بمكان تمرير تشريعات وقوانين بطرق سهلة وسريعة.
في الوقت ذاته، تعرف واشنطن مؤخرًا ظواهر جديدة، فلم تعد شركات السلاح أو شركات الطاقة، أو حتى الدول الأجنبية، الأكثر إنفاقًا على شركات اللوبي والعلاقات العامة كما كان الحال خلال العقود الأخيرة. وتقدمت شركات التكنولوجيا في هذا المضمار وأنفقت حوالي 71 مليون دولار العام الماضي لتبقى الحكومة الفيدرالية والكونغرس بعيدًا عن مجال اهتمام هذه الشركات. وأصبح لهذه الشركات مكاتب ضخمة في واشنطن تشمل مئات الموظفين بها، ممن تنحصر مهامهم في التأثير المباشر وغير المباشر على الحكومة الأمريكية، بل وعلى ما يزيد على 150 سفارة أجنبية وعشرات المنظمات والبعثات الدولية.
من ناحية أخرى، تضخ تلك الشركات مئات الملايين من الدولارات لمعارضة وهزيمة أعضاء الكونغرس ممن يدفعون بفرض قواعد أكثر صرامة على أنشطة وتطوير الذكاء الاصطناعي. وتعد احتمالات تمرير ونجاح مشاريع ضبط الذكاء الاصطناعي منعدمة للغاية، فمعظم المشرعين من كلا الحزبين رفضوا الإبطاء من تطوير الذكاء الاصطناعي تحت دعوى أن ذلك يسلم القيادة للصين. وغالبًا ما يصور نقاش الذكاء الاصطناعي على أنه يسار اشتراكي مقابل يمين رأسمالي، لكن خطوط الصدع الحقيقية هي السرعة مقابل الحذر. ولأن معظم التشريعات تحتاج إلى 60 صوتًا في مجلس الشيوخ، فإن أي قانون جاد للذكاء الاصطناعي سيتطلب نوعًا من التنازل الذي يصعب تحقيقه في مناخ الاستقطاب الحالي. في الوقت ذاته، تُركت أُطر الأمان الداخلية، وسياسات الاستخدام الشخصي، وحماية الخصوصية، والالتزامات الطوعية للشركات في يد الشركات التكنولوجية ذاتها.
***
ما تعرضه شركات التكنولوجيا لا يخرج عن حلول تحافظ على قيادتها وحريتها وسرعتها، بحيث تمنع الشركات الأخرى من اللحاق بها وجعل احتكارها أقل تنافسية، وبالتأكيد عدم فقدان الصدارة أمام الشركات الصينية. ويدعم ذلك قول ترامب إن مخاطر الذكاء الاصطناعي ما هي إلا خدعة، ويعطي الأولوية للبقاء في المقدمة متفوقًا على الصين.
في النهاية، لن تتباطأ التكنولوجيا، شئنا أم أبينا، لكن يجب ضبط مسار التطوير واتجاهاته. التكنولوجيا ستتفوق دائمًا على التشريع، لكن علينا ردم هوة الفجوة بينهما لدرجة تصبح مقبولة لأغلبية المستخدمين.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
