الإنسان بعد انفصال الفعل عنه

ثمة شيء بالغ الأهمية يحدث للإنسان، أكبر من الذكاء الاصطناعي، وأقدم من الهاتف الذكي، وأخطر من استبدال وظيفة بشرية بآلة. إننا ندخل طورًا تاريخيًا يتغير فيه معنى أن يكون الإنسان فاعلًا.

لآلاف السنين، استقرت صورة ضمنية للإنسان في قلب الفلسفة والقانون والأخلاق والسياسة: إنسان يريد، فيقرر، ثم يفعل، فيترك أثرًا يمكن ردّه إليه. كانت المسافة بين اليد والفعل قصيرة، وبين القرار والنتيجة مرئية، وبين الفاعل والمسؤولية علاقة قابلة للتعيين. حتى عندما استخدم الإنسان المطرقة والسيف والمحراث والقلم، ظل قادرًا على رؤية نفسه في نهاية الحركة. كانت الأداة امتدادًا ليده، وكان الأثر يحمل حرارة الجسد الذي صنعه.

هذه الصورة تتصدع اليوم.

الفعل يغادر الجسد، والقرار يغادر الوعي المنفرد، والذاكرة تتوزع خارج الدماغ، والمعرفة تتجاوز صاحبها، والاختيار يدخل تدريجيًا في بنى تستطيع أن تقترح وتستبعد وترتب وتتنبأ وتنفذ. نكتب أقل مما تنتجه أسماؤنا، نتذكر عبر أجهزة خارج أجسادنا، نصل إلى الأمكنة عبر نظام يعرف الطريق قبلنا، نختار تحت تأثير خوارزميات درست تاريخ اختياراتنا، نقرأ ما رتبته منصات لم نر محرريها، ونتعامل مع مؤسسات تتحرك بواسطة أنظمة يصعب تحديد الشخص الذي اتخذ داخلها القرار. ونقترب من زمن يستطيع فيه وكيل اصطناعي أن يقرأ ويكتب ويشتري ويحجز ويفاوض ويجيب ويتابع وينجز سلسلة من الأفعال باسم إنسان قد يكون نائمًا.

المسألة هنا تتجاوز سؤالًا شائعًا من نوع: ماذا ستفعل التكنولوجيا بالإنسان؟

زعزع نيتشه صورة الإرادة الشفافة لنفسها، وكشف ماركس القوى والعلاقات المادية التي تعمل خلف استقلال الفرد الظاهر، وأدخل فرويد اللاوعي إلى قلب القرار، فصار الإنسان غريبًا جزئيًا عن دوافعه. نقل هايدغر التقنية من مرتبة الأداة المحايدة إلى طريقة في انكشاف العالم، وكشف فوكو كيف تتكون الذات داخل شبكات السلطة والمعرفة وممارسات تشكيل النفس، ثم رأى دولوز في مجتمعات التحكم فردًا يتشظى إلى بيانات وأكواد وعينات داخل شبكة مستمرة.

يذهب آندي كلارك وديفيد تشالمرز خطوة حاسمة عندما يسألان عن الحدود التي ينتهي عندها العقل؛ فإذا أدت الأداة الخارجية وظيفة تدخل فعليًا في العملية المعرفية، يصبح رسم حد صارم عند الجمجمة أقل بداهة. وتقدم نظرية الإدراك الموزع، خصوصًا مع إدوين هاتشينز، صورة للعمل المعرفي بوصفه عملية يمكن أن تتوزع بين أشخاص وأدوات وتمثيلات وبيئة منظمة.

أما دونا هاراواي فتضرب الحد نفسه الذي يفصل الإنسان عن الآلة من خلال صورة السايبورغ، فيما تدفع كارن باراد المسألة إلى مستوى أنطولوجي أكثر جذرية، حيث لا تكون الفاعلية ملكية مستقرة يحملها كيان مكتمل ثم يستخدمها، بل تتشكل داخل العلاقات والتشابكات نفسها. وتقترب لوسي سَشمان من الواجهة الحساسة بين الإنسان والآلة حين تعيد التفكير في الفاعلية داخل الممارسات والأنظمة والواجهات

ويستحق ألبرت باندورا موقعًا خاصًا في هذه المحاكمة. فقد ميّز، في نظريته عن الفاعلية الإنسانية، بين الفاعلية الشخصية المباشرة، والفاعلية بالوكالة التي يستعين فيها الإنسان بآخرين لتحقيق ما يريد، والفاعلية الجمعية التي تتحقق بالتنسيق بين عدة أطراف.

من هنا ننتقل من سؤال:

مَن فعل؟

إلى سؤال:

كيف تكوّن الفعل، ومَن شغل كل موقع من مواقع تكوينه؟

يمكن لشخص أن يصنع الخطوة الأولى والثانية والثالثة، ثم يترك شخصًا آخر وحيدًا أمام الخطوة الرابعة. الثاني هو الذي ضغط الزر. الثاني هو الذي نفذ الحركة الأخيرة. لكن هل تكفي الحركة الأخيرة كي نمنحه ملكية الفعل كله؟ ماذا لو كان الأول قد صمم الطريق، وحدد الخيارات، وأنتج الإغراء، وضيّق البدائل، وعرف قابلية الشخص الآخر للتأثر، ثم انسحب قبل اللحظة التي يصبح فيها الفعل مرئيًا؟

هنا تصبح الفاعلية مسألة هندسة شروط بقدر ما هي مسألة تنفيذ.

ومن هذه النقطة تتولد أسئلة هذا المشروع في القانون والأخلاق والسياسة والإعلام والاقتصاد والحب والتعليم واللغة والذاكرة والذكاء الاصطناعي: مَن يتحمل مسؤولية النتيجة؟ صاحب القرار الأخير أم مصمم شروطه؟ أين تبدأ النية إذا كانت مقدمات الفعل موزعة؟ مَن يملك الفعل الذي يستمر بعد صاحبه؟ وكيف نستعيد فعلًا فوّضناه إلى نظام ثم أصبح النظام أعرف منا بطريقة إنتاجه؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  معركة جنين.. حالة فلسطينية متمددة
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  اقتصاد الحرب في تل أبيب.. ما هو سر الصعود التاريخي في البورصة؟