إذا كان ثمة مرجع فكري ترك الأثر الأعمق في تكوين نتنياهو العقائدي، فهو زئيف جابوتنسكي، مؤسس تيار الصهيونية التصحيحية وصاحب نظرية «الجدار الحديدي»، التي جعلت التفوق بالقوة شرطًا لفرض الوقائع السياسية على الفلسطينيين. وقد انتقلت هذه الأفكار إلى بنيامين عبر والده، المؤرخ بن تسيون نتنياهو، أحد أبرز المنتمين إلى ذلك التيار. ومن هذا الإرث العائلي والفكري يمكن فهم جانب أساسي من مقاربة نتنياهو للصراع: تقديم الردع والقوة على التسوية، والتعامل مع الزمن بوصفه أداة لترسيخ الوقائع، بدل اعتباره فرصة لتقديم التنازلات.
بالمقابل، أمضى نتنياهو جزءًا من طفولته وشبابه في الولايات المتحدة. وقد ساهمت هذه الثنائية (التيار الصهيوني التصحيحي والتجربة الأميركية) في تشكيل شخصيته السياسية لاحقًا: إسرائيلي شديد الانتماء إلى اليمين القومي، لكنه يمتلك في الوقت نفسه قدرة استثنائية على مخاطبة الولايات المتحدة والرأي العام الغربي بلغته وأدواته.
شكّلت المؤسسة العسكرية محطة أساسية في مسيرته. فقد خدم في وحدة «سييرت متكال»، إحدى وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث جمع بين الهندسة المعمارية وإدارة الأعمال، ودرس أيضًا العلوم السياسية. وبين التجربة العسكرية والتعليم الأميركي والعمل في القطاع الخاص، تبلورت شخصية مختلفة عن النمط التقليدي لسياسيي إسرائيل الأوائل.
لكن التحول الأهم جاء مع انتقاله إلى العمل العام والدبلوماسي. برز نتنياهو في الولايات المتحدة مدافعًا عن الرواية الإسرائيلية في مواجهة ما كان يصفه بالإرهاب، ثم عمل في السفارة الإسرائيلية في واشنطن قبل أن يصبح سفيرًا لدى الأمم المتحدة. هناك، اكتسب مهارة ستصبح إحدى أهم أدواته السياسية: تحويل السياسة إلى خطاب إعلامي مباشر، وتبسيط القضايا المعقدة في رسائل واضحة تستند إلى الأمن والخطر والتهديد.
عندما تولى قيادة حزب الليكود عام 1993، كان يمثل وجهًا جديدًا لليمين الإسرائيلي. فقد جمع بين خطاب قومي متشدد، واقتصاد ليبرالي، وقدرة عالية على استخدام الإعلام. وبعد ثلاث سنوات، وصل إلى رئاسة الحكومة للمرة الأولى (1996) في مواجهة شيمون بيريز، ليبدأ مسارًا سياسيًا سيجعله الشخصية الأكثر حضورًا في الحياة السياسية الإسرائيلية الحديثة.
لم يكن مشروع نتنياهو قائمًا على تقديم حل نهائي للقضية الفلسطينية. فجوهر تجربته كان مختلفًا: منع العودة إلى تسوية شاملة، مع الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية وإدارة الصراع أمنيًا وسياسيًا. وحتى عندما تعامل مع اتفاقات ومفاوضات في مراحل مختلفة، ظل حذرًا من فكرة الانسحاب الواسع أو إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة.
ومع عودته إلى الحكم عام 2009، أصبحت هذه المقاربة أكثر وضوحًا. توسّع الاستيطان، وتراجعت المفاوضات السياسية، وتحولت إدارة الصراع إلى حالة دائمة. لم يعد السؤال الأساسي هو كيفية إنهاء القضية الفلسطينية، بل كيفية منعها من التحول إلى تهديد استراتيجي لإسرائيل أو إلى ضغط دولي يفرض عليها تنازلات.
بالتوازي، نقل نتنياهو مركز الاهتمام الإسرائيلي إلى إيران. فقد جعل من البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران محورًا ثابتًا في خطابه السياسي والدبلوماسي، ونجح في تقديم إيران بوصفها التهديد الأكبر لإسرائيل وللنظام الإقليمي. وهكذا، لم تعد القضية الفلسطينية وحدها محور الأمن الإسرائيلي، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تقوم على مواجهة إقليمية تتصدرها إيران، وهو من أعطى الضوء الأخضر لما تسمى “حرب الظلال” التي خاضتها إسرائيل طوال أكثر من عقدين من الزمن ضد إيران وحلفائها، قبل أن تصبح المواجهة مباشرة في أعقاب “طوفان الأقصى”.
اقتصاديًا، مثّل نتنياهو وجهًا آخر من المشروع نفسه. فقد تبنّى سياسات ليبرالية تقوم على الخصخصة وتقليص دور الدولة وتعزيز القطاع الخاص. وساهمت هذه السياسات في تعزيز موقع قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي وربط صورة الدولة بالنمو والابتكار، لكنها رافقتها أيضًا انتقادات مرتبطة بتراجع بعض أشكال الحماية الاجتماعية واتساع الفوارق الاقتصادية.
تكمن قوة نتنياهو السياسية في قدرته على الجمع بين هذه العناصر المختلفة: الأمن والاقتصاد والإعلام والتحالفات. فهو سياسي يفهم أن الخوف يمكن أن يكون أداة انتخابية، وأن العلاقات الدولية يمكن أن تتحول إلى جزء من المعركة الداخلية، وأن الانقسام السياسي، إذا أُدير بمهارة، قد يصبح وسيلة للبقاء.
لكن هذه القدرة حملت معها وجهًا آخر. فقد أصبح المجتمع الإسرائيلي أكثر انقسامًا، وتصاعدت المواجهة بين مؤيدي نتنياهو وخصومه إلى مستوى تجاوز المنافسة التقليدية بين الأحزاب. ومع الوقت، باتت شخصية الرجل نفسها جزءًا من الانقسام: بالنسبة إلى أنصاره، هو القائد الأكثر قدرة على حماية إسرائيل في بيئة إقليمية خطرة؛ وبالنسبة إلى خصومه، أصبح رمزًا لتركيز السلطة وإضعاف المؤسسات وتغذية الاستقطاب، ناهيك بتحمله مسؤولية تدمير صورة إسرائيل دولياً.
إن إرث نتنياهو لا يقتصر على عدد السنوات التي قضاها في الحكم. فأهميته تكمن في التحول الذي ساهم في ترسيخه داخل إسرائيل: يمين أكثر قومية، وسياسة فلسطينية تقوم على إدارة الصراع بدلًا من حلّه، واقتصاد أكثر ارتباطًا بالليبرالية والتكنولوجيا، وحياة سياسية أصبحت أكثر اعتمادًا على الشخصية والقدرة الإعلامية.
لهذا، فإن نتنياهو ليس مجرد رجل سياسي نجح في العودة إلى السلطة مرارًا. إنه أحد مهندسي إسرائيل المعاصرة، والسياسي الذي جعل «اللاحلول» سياسة قابلة للاستمرار. قد تتغير الحكومات وتتبدل موازين القوى، لكن النموذج الذي ساهم في بنائه سيبقى جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل إسرائيل والمنطقة.
