أنقرة ترث الرياض في بيروت..

"إنّ ارتباط تركيا بهذه المناطق الثلاث (البلقان، القوقاز، الشرق الأوسط) يُشبه ارتباط الظّفر بالّلحم، وهو ما يُعدّ دليلًا على عمق وتداخل الرّوابط التّاريخيّة والجغرافيّة بين تركيا وهذه المناطق. والحقيقة أنّه إن لم توجّه تركيا الأحداث في هذه المناطق الثّلاث فإنّ أطرافًا أخرى ستوجّهها لصالحها، وستكون الأناضول هي المتضرّرة في النهاية. حتى وإن لم يلحق الضّرر بالأناضول بشكلٍ مباشر اليوم، فسيلحق بها غدًا" (من كتاب العمق الإستراتيجي لأحمد داود أوغلو)

شكّل عام 2009 تاريخًا مفصليّا في تغلغل تركيا إلى الواقع العربي عامّة، واللبناني خاصة. إنتفاضةُ السيّد رجب طيب أردوغان الغاضبة بوجه رئيس الكيان الإسرائيلي شيمون بيريز “قاتل الأطفال” في مؤتمر دافوس، ومن ثمّ حادثة السفينة مرمرة وما تبعها من توتر في العلاقات التركية الإسرائيلية، كانتا الإيذان بعودة تركيا إلى دائرة التأثير، ولا ننسى كيف وقف السيد حسن نصرالله أمام جمهوره الحاشد الملوّح بالعلم التّركي في ملعب الرّاية في الضاحية الجنوبية لبيروت والرافع صور الأمين العام لحزب الله ورئيس وزراء تركيا، ليُوجّه تحيّته إلى “الطيّب الطيّب أردوغان”.

مع مرور الوقت، لم يعد ممكنًا تجاهل الدّور التركي المتنامي في لبنان. حضورٌ يعكس رغبة أنقرة في لعب دورٍ قويّ ومتقدم في المنطقة العربيّة التي تعاني من تراجع دور الدّول العربيّة المركزية والأساسيّة. فالمملكة العربية السّعوديّة محاصرة بالأزمات من قطر التي أفلتت من حصارها إلى اليمن العصي على حملتها العسكرية، ناهيك بالصعوبات الداخلية ولا سيما الإقتصادية وتراكم العجز بفعل تراجع اسعار النفط عالمياً. أمّا العراق، فقد دخل لعبة الأمم بعد العام 2003، أي بعد احتلاله، ثمّ لحقت به سوريا في العام 2011، إضافةً إلى مصر التي تعيش أزماتٍ داخليةً وخارجيّة تهدّد أمنها العسكري والإقتصادي والحيوي (أزمة نهر النيل)، وهو مسار دشنه الرئيس أنور السادات بتوقيعه الصلح المنفرد مع إسرائيل في العام 1979.

تجلّى الحضور التّركي بشكلٍ عسكريٍّ بارزٍ في خمس بلدان عربيّة وبعناوين مختلفة: سوريا، العراق، ليبيا، قطر.. وفي لبنان تحت مظلّة الأمم المتحدة (اليونيفيل).

من هنا ينطلق السّؤال، ماذا يعني لبنان للسّياسة الخارجيّة التركيّة؟ فالمساعدات المتواصلة لوكالة التعاون والتنسيق التركية (الرئيس السابق لهذه الوكالة هو رئيس الإستخبارات التركيّة هاكان فيدان)، أضحت جزءا من مصدر عيش عائلات لبنانية فقيرة في الشّمال اللبناني، إلى جانب مئات الطلاب الطرابلسيين الذين يتعلمون في الجامعات التركية. وقد سبق ذلك افتتاح الخط البحري المباشر بين طرابلس ومرسين في نهاية العام 2010 ليعيد الزخم إلى هذه العلاقات. كما أنّ معهد يونس أمرة الثّقافي التركي الذي تتصدر مكتب مديره خريطة “ولاية بيروت”، هو واحد من أنشط المراكز الثّقافية في بيروت، ويظهر جليّاً تركيزه على الحقبة العثمانيّة. إضافة إلى الحضور الواسع للمسلسلات التّركيّة، الّتي تعتبر واحدة من أدوات القوّة النّاعمة المؤثرة في تشكيل صورةٍ ورديّةٍ وجميلةٍ في وعي المشاهدين عن تركيا الحديثة.

بمنطق الواقعيّة السّياسيّة، يمكن القول إنّ مجموعة عوامل تحدد حرّكية أنقرة تجاه بيروت أبرزها الآتي:

  1. موقع لبنان الجغرافي المُلاصق لسوريا وفلسطين المحتلة، وبالتالي خلق تماسٍ وتأثير مُباشرٍ على هاتين الدّولتين من خلال ساحةٍ لطالما كانت متشظيّة القرار، ومتصفةً بالضّعف والوهن تاريخياً.
  2. الموقع الجغرافي لشمال لبنان، حيث يقع بمحاذاة نقطة وصلٍ أساسيّة للدولة السورية، تربط حمص ودمشق والساحل السوري، وهذا ما عكس أهميّة معركة القصير والدور الذي أدته في نتائج الحرب في سوريا.
  3. قرب الشّمال اللبناني نسبيّا من قاعدة حميميم العسكرية، تضعه تحت العين الروسية والرصد المستمر له كي لا يتحول إلى ساحة خلفية لأعمال عدائية ضدها (تبعد القاعدة حوالي 220 كلم عن الشمال اللبناني)، وثمة واقعة طرية في الذاكرة، عندما ألزم الروس الإسرائيليين بقواعد إشتباك جوية، حتمت جعل أجواء الشمال اللبناني إلى حد كبير جزءاً من الأمن القومي الروسي.
  4. الإستثمار في البعد الإقتصادي، إذ أن حجم التبادل التجاري بين البلدين كبير، ولو أنه يشهد إختلالاً لمصلحة الأتراك (حسب أرقام العام 2018، يستورد لبنان من تركيا بنحو 950 مليون دولار بينما يصدر إليها بقيمة 127 مليون دولار)، ويسري ذلك على الميزان السياحي الذي تميل كفته لمصلحة الأتراك، فضلا عن وجود إستثمارات لبنانية في تركيا وقيام وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” بإنجاز عشرات المشاريع التنموية في لبنان.
  5. استشراف مُستقبل الطّاقة في لبنان وشرق المتوسط، وهو أمرٌ حيويّ لأنقرة من ناحية تأمين مصدر طاقةٍ قريب وسهل، أو من ناحية تصديره من خلال الأراضي التركيّة، برغم النتائج السلبية للتنقيب الإستكشافي في البلوك الشمالي رقم 4، لكن ثمة رهان على نتائج مغايرة في البلوكين 8 و9 في الشواطىء الجنوبية.
  6.  إستغلال البُنية الطّائفيّة والمذهبيّة في لبنان، ومحاولة ملء الانكفاء السّعودي المهدّد بالمزيد من التّراجع نتيجة عوامل داخليّة وخارجيّة عدّة، ممّا يتيح لتركيا وغيرها، تمدّدًا سهلًا وسلسًا وبغطاءٍ شعبيّ مقبول ومطلوب.
  7. تمثّل السّاحة الّلبنانيّة فرصةً لإحداث توازنٍ ولو عرضيٍّ مع النفوذ الإيراني، فبالإمكان مُلاحظة التّسابق المحموم بين الدّولتين اللّتين تقيمان علاقاتٍ مميّزةً في ما بينهما بشكلٍ مباشر، بينما تشتبكان في ساحات النّفوذ المتداخلة غالبًا، كسوريا والعراق مثلًا.

تجميع بازل المَشهد ينبئُ بدورٍ أكثر فاعليّة وحضورًا لتُركيا الأردوغانيّة في الشّؤون الّلبنانيّة، وهذا ما تشي به الأحداث التي شهدتها مدينة طرابلس في الأسابيع الأخيرة، لكن يبقى العامل الحاسم، هو حجم ودور حزب العدالة والتنمية وزعيمه في المرحلة المقبلة داخل السّاحة التُركيّة نفسها

تراجع الحضور السّعودي

شكّلت المرحلة الممتدة من اتفاق الطّائف وحتى العام 2005، مرحلة هامة في التأثير السياسي السّعودي في لبنان، وهو تأثيرٌ تراكم عبر سنواتٍ طويلةٍ ، ليصل إلى ذروته في زمن الرّئيس الرّاحل رفيق الحريري الّذي مثّل عقدة التقاطع في التّسوية السوريّة السّعوديّة الأميركيّة، غداة حرب الخليج الأولى.

مثّل اغتيال الحريري في العام 2005، ضربة كبيرة للنّفوذ السّعودي ليس في لبنان وحسب، بل على المستوى الإقليمي، فالرجل كان يجسد بشبكة علاقاته، الإقليمية والدولية، أحد أوجه السياسة الخارجية السعودية في المنطقة. وبرغم محاولة المملكة الدّفاع عن مصالحها وتحميلها سوريا مسؤولية مقتلة رئيس وزراء لبنان، بفعل النفوذ الذي كانت تحظى به عسكرياً وأمنياً وسياسياً طوال عقد ونصف من الزمن، فإن التطورات المتسارعة في الساحة اللبنانية، أبرزت وجود منظومة سياسية ـ أمنية يقودها حزب الله، سارعت إلى ملء الفراغ وصعبت على الرياض فرصة الاستثمار لضمان أن يبقى لبنان تحت عباءتها. لم تجرِ الرّياح بما تشتهيه سفن المملكة، وساهمت عوامل متعدّدة في تحجيم هذا النّفوذ، بدءًا من صلابة خصومها، إلى ضعف وريث الحريريّة وإخفاقاته المتكرّرة، غير أنّ العامل الأهم، كان دخول المملكة نفسها في مرحلة تغييرٍ بُنيويٍّ، داخليّ وخارجي، ما أدى إلى الإطاحة بالظهير السعودي الحامي للحالة الحريرية في لبنان.

إقرأ على موقع 180  لبنانيون يعترفون بمرارة: نستحق هذا البؤس!

عودة تركيا

في هذه الأثناء، كانت تركيا تُعيد تشكيل نفسها وإنتاج أدوات نفوذها وقوّتها مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002. ولعلّ السؤال الأبرز الّذي لم يقدم حزب العدالة والتنمية جوابه النهائي عليه هو التوجّه نحو الشّرق أم نحو الغرب، أم التوازن بين الوجهتين، وذلك تبعاً لموقع تركيا الإستراتيجي، من جهة، ولإعتبارات داخلية تركية، من جهة ثانية؟

منذ إنتخابات العام 2007 النيابيّة التي أعادت تفويض حزب العدالة والتنمية بزخمٍ أكبر، بدت تركيا، سنةً تلو أخرى، أكثر إنشداداً نحو الشرق، في ضوء إستمرار إقفال بوابة الإنتساب للإتحاد الأوروبي أمامها، وإكتسب هذا الإنشداد قوّته من أهمية موقع تركيا الجغرافي الواصل بين الشّرق والغرب، ومن الإرث التّاريخي العميق والعريق الوارث للسّلطنة العثمانيّة، وأخيرًا من خلال الحاجة المتبادلة في المجالات السياسية والإقتصادية.

لم يطل الأمر كثيرًا حتى راح رجب طيب أردوغان، وهو الإختصار الواقعي لتركيا الحاليّة خاصّةً بعد أن أقصى شركائه في الوصول إلى السّلطة، وأبرزهم عبد الله غول وداود أوغلو، ثم تحويل النظام التركي من برلماني إلى رئاسي تتركّز فيه جميع السلطات، يُعبر بصراحة عن خلفيّته العميقة الّتي تصوغ نظرته ونظريّته في السياسة الخارجيّة الجديدة، والّتي تتكىء في جوهرها على لملمة النّفوذ العثماني واستعادته وإن بصورٍ تتناسب مع المفاهيم الحديثة للنفوذ والهيمنة.

وقد ساهمت الإدارة الأميركية في حقبة باراك أوباما في محاولة تعويم النموذج التركي، وهو ما اختزله خطاب الرئيس الأميركي في رحلته الأولى إلى كلّ من أنقرة والقاهرة في حزيران/يونيو 2009، بعنوان “البحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي”، فكان مضمونه، يشي بالدعوة إلى تعميم النموذج الإسلامي التركي (الإخواني) المنفتح والمتحالف مع الحلف الأطلسي والكيان الإسرائيلي، قبالة النّموذج الوهّابي السعودي المتشدّد والنموذج الإيرانيّ الخميني. ثم جاءت أحداث ما سمي بـ”الرّبيع العربي” لتُعطي المشروع زخمه الأوسع، قبل أن يسقط.. في مصر أولاً.

السّلطان في لبنان

في العام 2010، قام أردوغان ـ رئيس الحكومة التركية حينذاك ـ بزيارة إلى بيروت، في وضعٍ لبنانيّ دقيقٍ وحساس نتيجة ترقّب صدور القرار الظّني للمحكمة الدولية، والخوف من تبعات نتائجه على الصعيد المذهبي. كما أنها جاءت على إثر زيارة الرئيس الإيراني السّابق أحمدي نجاد، وما مثّلته من زخمٍ واستعراضٍ للقوّة الشّعبية والسّياسية والخدماتية الإيرانية خاصةً في رمزيّة الإحتفال به على الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة المحتلة وتحديداً في مدينة بنت جبيل.

 شكلت زيارة السّيد أردوغان، بالمفهوم الّلبناني، الثّقل الذي أعاد كفّة التوازنات إلى التقابل بين الأطراف المحليّة. ومع كونها الزيارة الثانية له على إثر حضوره انتخاب ميشال سليمان رئيسًا في أيار/مايو 2008، إلّا أنّها كانت الإيذان الحقيقي لتظهير النّفوذ التركي المتصاعد، إنطلاقًا من السّاحة الشّماليّة، حيث الثّقل التركماني الّذي يقدّر بأكثر من أربعين ألفًا في لبنان، يتركّز أكثر من نصفهم في منطقة عكار، لا زال غالبيّتهم يحافظون على لغتهم وعاداتهم الأم، وباستعادة مشابهةٍ للأسلوب ذاته مع العراق على إثر الإجتياح الأميركي وسقوط الدّولة المركزيّة في بغداد، حيث شكل تركمان العراق البوّابة التي أمّنت العبور السلس للتأثير التركي في عمليّة إعادة تكوين وتوزيع السلطة في العراق.

إعادة ترتيب الحضور التركي في لبنان تزامنت مع فترة من الإنسجام بين دمشق وأنقرة، إستمرت حتى إندلاع الأزمة السورية في العام 2011، فكان أن سهّلت دمشق للأتراك تكثيف الدور والتّأثير، وتجلّى ذلك في آخر فصوله السياسية بالوساطة الّتي قادتها تركيا وقطر على إثر إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري مطلع العام 2011، وحضور وزيري خارجية البلدين إلى دمشق، ومنها إلى بيروت، من أجل لقاء وإقناع القوى الفاعلة والمؤثّرة على السّاحة اللبنانيّة بالتسوية الّتي حملها الوزيران أحمد داود أوغلو وحمد بن جاسم، ولكن قيادة حزب الله أبلغتهما موقفاً حاسماً برفض عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، برغم التنازلات التي قدمها مكتوبة بواسطة الورقة التي نقلها الوزيران التركي والقطري.. وآلت رئاسة الحكومة، وقتذاك، إلى نجيب ميقاتي الذي تربطه علاقات جيدة بقيادات عربية وعالمية، أبرزها رجب طيب أردوغان.

صورةٌ مُستقبليّة

يمكن القول بأنّ تطوّر الحضور التركي في لبنان يتوقف على عدّة عناصر متداخلة، أهمّها كيفيّة إدارة المملكة العربية السّعوديّة وشريكتها الإمارات حضورهما على السّاحة الّلبنانيّة، وبالتّالي حجم الفراغ السّياسي والشعبي والإقتصادي الّذي يحدثه الإنكفاء المتمادي منذ التسوية الرئاسية في العام 2016.

تجميع بازل المَشهد ينبئُ بدورٍ أكثر فاعليّة وحضورًا لتُركيا الأردوغانيّة في الشّؤون الّلبنانيّة، وهذا ما تشي به الأحداث التي شهدتها مدينة طرابلس في الأسابيع الأخيرة، لكن يبقى العامل الحاسم، هو حجم ودور حزب العدالة والتنمية وزعيمه في المرحلة المقبلة داخل السّاحة التُركيّة نفسها. وعليه، فإن متابعة ومراقبة ما يحدث في تركيا، يُصبح ضروريّا وملحّا من أجل استشراف طبيعة العلاقات الّلبنانيّة التركيّة ومستقبل الدور التركي في لبنان.

(*) كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الأردن؛ أخطر  من "مؤامرة" وأقل من انقلاب