لا يمكن مقاربة ما ورد بمعزل عن مفهوم صناعة الآخر الذي يشكّل مدخلًا أساسيًا لفهم كيفية انتقال الاختلاف من كونه تعبيرًا عن التنوع الاجتماعي والثقافي والديني إلى أداة لإنتاج العداوة وتبرير الإقصاء. وفي هذا السياق، يقدّم الباحث الهولندي تيون فان دايك، في إطار التحليل النقدي للخطاب، مفهوم «المربع الأيديولوجي» الذي يقوم على إبراز إيجابيات الذات وسلبيات الآخر، مقابل التقليل من سلبيات الذات وإيجابيات الآخر. وتكمن خطورة هذه الآلية في أنها لا تكتفي بإنتاج صورة سلبية عن الجماعة المختلفة، بل تسهم في بناء خطاب يمنح الذات شرعية أخلاقية وسياسية، فيما ينزع عن الآخر مشروعية الانتماء والوجود، بما قد يمهّد لتبرير التمييز والإقصاء والعنف. من هنا، لا تبدأ صناعة الآخر بالقتل، بل تبدأ بالكلمة، وبالخطاب الذي يعيد تعريف الإنسان انطلاقًا من هويته الدينية أو القومية بدلًا من الاعتراف به بوصفه شريكًا متساويًا في المجتمع. وعندما يتحول الاختلاف إلى تهديد، والتنوع إلى خطر، والانتماء الديني إلى معيار لتحديد من يحق له البقاء ومن ينبغي إقصاؤه، نكون قد انتقلنا من صناعة الآخر إلى الشيطنة (Demonization)، أي تصوير الآخر بوصفه مصدرًا مطلقًا للشر أو خطرًا على الجماعة.
وهنا تتشكل إحدى أخطر آليات الاستقطاب الهوياتي، القائمة على الثنائية الإقصائية بين «نحن» و«هم». فلا يعود المجتمع فضاءً يجمع مواطنين مختلفين ومتساوين، بل يتحول إلى جماعات متواجهة تتنازع شرعية الانتماء إلى الأرض والتاريخ والهوية. غير أن الشيطنة ليست سوى مرحلة في مسار أكثر خطورة يتمثل في نزع الإنسانية (Dehumanization)، عندما يُجرّد الآخر من قيمته الإنسانية، ويُختزل إلى هوية يُنظر إليها باعتبارها تهديدًا ينبغي التخلص منه. وعند هذه المرحلة يصبح الاعتداء عليه، في الخطاب المتطرف، فعلًا قابلًا للتبرير، بل قد يُقدَّم بوصفه ضرورة لحماية الجماعة.
وبذلك تتكامل صناعة الآخر والشيطنة ونزع الإنسانية في إنتاج بيئة فكرية ونفسية واجتماعية قد تهيئ للانتقال إلى التطرف العنيف (Violent Extremism)، حين لا يعود الإقصاء مجرد موقف أو خطاب، بل يتحول إلى ممارسة تستهدف الإنسان في حياته وأمنه وكرامته وحقه في الوجود. وما شهدناه يوم الجمعة، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، من اعتداء إرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، خلال مراسم تشييع جنازة، وما أسفر عنه من سقوط ضحايا أبرياء، يعيد طرح هذه الإشكالية بكل أبعادها الإنسانية والوطنية والسياسية.
فالاعتداء على كنيسة أثناء مراسم جنازة لا يستهدف أفرادًا مجتمعين داخل مكان للعبادة فحسب، بل يمسّ فضاءً دينيًا واجتماعيًا يجسّد الذاكرة الجماعية والانتماء التاريخي والروابط الإنسانية. ومن هنا تتجاوز خطورته الضحايا المباشرين لتطال الشعور بالأمان والثقة بين مكونات المجتمع الواحد، وإن كانت المسؤولية الجنائية ودوافع المنفذين لا تزال مسألة ينبغي أن يحسمها التحقيق. وليس ما نشهده من اعتداءات على الوجود المسيحي في المشرق منفصلًا عن المخاطر التي يواجها الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإن اختلفت الجهات المنفذة والسياقات القانونية.
المسيحيون في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا والأردن ليسوا جماعات وافدة تحتاج إلى تبرير وجودها، ولا مجرد أقليات يُختزل مستقبلها في البحث عن الحماية، وإنما هم ركائز في صناعة تاريخ هذه المنطقة وهويتها وثقافتها
وإليكم بعض الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر: في القدس المحتلة، تعرض دير القديس يعقوب في الحي الأرمني، في آب/أغسطس 2026، لاعتداء شمل البصق ورشق الحجارة من قبل مستوطنين، في مشهد يعكس خطورة تحوّل التعصب الديني إلى ممارسة عدائية تستهدف الرموز المقدسة والانتماء الديني للآخر. وفي بلدة الطيبة شرق رام الله، وهي آخر بلدة فلسطينية ذات سكان مسيحيين بالكامل في الضفة الغربية، تعرض السكان والأراضي الزراعية لاعتداءات متكررة من مستوطنين إسرائيليين، شملت إحراق أراضٍ ومضايقات وتهديدات للمزارعين. وفي 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، استهدفت اعتداءات المستوطنين سكانًا فلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون، كما طالت دبلوماسيين أوروبيين حضروا للتضامن معهم، ما دفع بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس إلى المطالبة بحماية السكان ومحاسبة المعتدين.
هذه الاعتداءات لا يمكن اختزالها في أفعال فردية منعزلة عن سياقها الاستيطاني، ولا سيما حين تتكرر في بيئة تتراجع فيها قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم وحماية ممتلكاتهم وممارسة حياتهم الطبيعية. وهي تطرح إشكالية العلاقة بين الاستعمار الاستيطاني ومحاولات فرض تحولات ديموغرافية وجغرافية على الأرض، إذ قد يتحول الخوف وانعدام الأمن إلى عوامل تدفع السكان نحو الهجرة، حتى من دون صدور قرار مباشر بتهجيرهم. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى اتساع نطاق اعتداءات المستوطنين والتهجير المرتبط بها في الضفة الغربية خلال عام 2026، ما يمنح هذا القلق أبعادًا تتجاوز الحالات الفردية.
***
ليس تفكيك المشرق إلى كيانات طائفية وإثنية مجرد فرضية سياسية، بل هو تصور عبّر عنه الكاتب “الإسرائيلي” عوديد ينون في دراسته «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات» (1982)، حين اعتبر أن تقسيم الدول العربية، ولا سيما لبنان وسوريا والعراق، إلى كيانات تقوم على الانتماءات الدينية والإثنية يخدم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، بما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى تقاطع مشاريع التفكيك هذه مع محاولات إضعاف الهوية الوطنية الجامعة وإفراغ المشرق من تنوعه التاريخي. وهنا يبرز السؤال الجيواستراتيجي الأكثر خطورة: هل يؤدي تفريغ المشرق من مكوناته المسيحية التاريخية إلى خدمة مشاريع إعادة تشكيل المنطقة على أسس دينية وهوياتية، بدلًا من انتمائها الوطني الجامع؟
إن الخشية من تهجير المسيحيين من المشرق لا تنطلق من اعتبارهم جماعة دينية منفصلة عن محيطها العربي، بل من كونهم مكونًا أصيلًا من مكوناته التاريخية والحضارية والوطنية. فالمسيحيون في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا والأردن ليسوا جماعات وافدة تحتاج إلى تبرير وجودها، ولا مجرد أقليات يُختزل مستقبلها في البحث عن الحماية، وإنما هم ركائز في صناعة تاريخ هذه المنطقة وهويتها وثقافتها. ومن هنا، فإن اختزال قضية المسيحيين في كيفية حمايتهم من الأخطار عن طريق تسهيل هجرتهم يطرح إشكالية سياسية تتجاوز الاعتبارات الإنسانية المباشرة. فالحماية الحقيقية لا تتحقق بإخراج الإنسان من أرضه، بل بضمان حقه في البقاء الآمن والكريم فيها.
مواجهة التطرف العنيف لا يمكن أن تقتصر على المعالجة الأمنية، برغم ضرورتها، بل تستدعي تفكيك الخطابات التي تنتج الكراهية، ومساءلة الأيديولوجيات الإقصائية، وتعزيز سيادة القانون، وبناء سياسات وطنية تحمي التعددية الدينية والثقافية، وتمنع تحويل الاختلاف إلى ذريعة للعنف
ولذلك، فإن أي مقاربة كنسية أو دولية لمستقبل المسيحيين المشرقيين ينبغي أن تنطلق من تعزيز مقومات صمودهم، لا من التعامل مع هجرتهم بوصفها حلًا طبيعيًا أو حتميًا للأزمات التي تواجههم. فإذا أصبح العنف وسيلة لدفع السكان إلى مغادرة أرضهم، وتحولت الحماية إلى إدارة لخروجهم، نكون أمام نتائج ديموغرافية قد تتقاطع مع مصالح مشاريع الهيمنة والتوسع، حتى إن لم يثبت وجود جهة واحدة تدير مختلف الاعتداءات أو تنسق بينها. وتزداد خطورة هذه التحولات عند ربطها بالمشروع الاستيطاني الإسرائيلي وبالتيارات الصهيونية التوسعية التي تتبنى تصورات جغرافية تتجاوز حدود الدولة القائمة. فالمسألة لا تقتصر على السيطرة على الأرض، وإنما تشمل أيضًا الصراع على الهوية والرواية التاريخية وشرعية الانتماء.
ومن هذه الزاوية، يمكن طرح فرضية أن إضعاف الحضور المسيحي العربي في فلسطين والمشرق يخدم، من حيث النتائج السياسية، محاولات إعادة تقديم الصراع العربي الإسرائيلي بوصفه صراعًا دينيًا بين الإسلام واليهودية، بدلًا من كونه قضية احتلال وحقوق وطنية وتقرير مصير. وهذا التحول في توصيف الصراع يحمل تداعيات استراتيجية خطيرة، لأنه يهمّش البعد الوطني للقضية الفلسطينية، ويُغيّب حقيقة أن الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين يشتركون في الانتماء إلى الأرض نفسها وفي المطالبة بالحقوق الوطنية نفسها. كما أن تحويل الصراع السياسي إلى مواجهة دينية مفتوحة يتيح للخطابات المتطرفة إعادة إنتاج العداوة على أساس الهوية، ويوسع دائرة الاستقطاب إلى خارج المنطقة، بما يهدد بتحويل الاختلافات الدينية إلى مصادر دائمة للتوتر والعنف.
***
في هذا السياق، تبرز أهمية قراءة الاعتداءات الإرهابية ضمن التحولات الأوسع التي يشهدها النظامان الإقليمي والدولي، ولا سيما مع تصاعد التحركات الشعبية الأوروبية المناصرة للحقوق الفلسطينية، والجدل الدولي المتزايد بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في غزة والضفة الغربية. فكلما تقدّم النقاش حول حقوق الإنسان والقانون الدولي والمساءلة عن الجرائم، ازدادت أهمية الحذر من الخطابات التي تسعى إلى إزاحة النقاش من مسؤولية السياسات والممارسات إلى المواجهة بين الهويات الدينية. غير أن تحليل المستفيد سياسيًا لا يجوز أن يحل محل التحقيق القضائي والأمني. إن صناعة الآخر لا تهدد المسيحيين وحدهم، بل تهدد البنية والهوية الوطنية للمجتمعات المشرقية، لأنها تضرب المبدأ الذي تقوم عليه الدولة-الأمة والدولة الحديثة، أي المواطنة المتساوية.
وليست حماية المسيحيين في المشرق قضية مسيحية منفصلة عن محيطها، ولا مسؤولية الكنائس وحدها، بل هي مسؤولية وطنية وإنسانية ترتبط بحماية الدولة والمجتمع والتعددية وحرية المعتقد. كما أن الاعتداء على أماكن العبادة يمسّ جملة من الحقوق الأساسية التي يحميها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة الإنسانية وحرية الدين والمعتقد والمساواة وعدم التمييز. ولا يمكن مواجهة التحريض على الكراهية من خلال تقييد حرية التعبير بصورة تعسفية، بل عبر التمييز القانوني بين الرأي المشروع والتحريض على التمييز أو العداوة أو العنف، وفق المعايير الدولية ذات الصلة. ولعلّ أخطر ما يمكن أن تواجهه مجتمعاتنا اليوم ليس العنف في حد ذاته فحسب، بل تحويل العنف إلى أداة لإعادة تعريف هوية المجتمع وتحديد من يحق له الانتماء إليه ومن ينبغي إقصاؤه.
وعليه، فإن مواجهة التطرف العنيف لا يمكن أن تقتصر على المعالجة الأمنية، برغم ضرورتها، بل تستدعي تفكيك الخطابات التي تنتج الكراهية، ومساءلة الأيديولوجيات الإقصائية، وتعزيز سيادة القانون، وبناء سياسات وطنية تحمي التعددية الدينية والثقافية، وتمنع تحويل الاختلاف إلى ذريعة للعنف. إن حماية المسيحيين في المشرق هي، في جوهرها، حماية لهوية المشرق التعددية ولحق جميع أبنائه في الحياة معا. وهي أيضًا رفض لتحويل الدين إلى أداة للصراع السياسي، ورفض لمشاريع الإقصاء والتهجير التي قد تعيد تشكيل المجتمعات على حساب تاريخها وتنوعها.
***
إلى الكنائس الغربية، وإلى الضمير المسيحي في الغرب، نقول: إن مسيحيّي المشرق لا يحتاجون إلى من يفتح لهم أبواب الهجرة بقدر ما يحتاجون إلى من يدافع عن حقهم في البقاء على أرضهم. فلا تجعلوا من حمايتهم طريقًا إلى اقتلاعهم، ولا تسمحوا بأن تتحول أرض المسيح والرسل إلى مجرد ذاكرة روحية يزورها المؤمنون بعد أن يغادرها أبناؤها. تذكّروا أن المسيحيين في المشرق ليسوا ضيوفًا على أرضهم، ولا بقايا تاريخ ينتظر نهايته، بل هم أبناء هذه الأرض، وشركاء في حضارتها وهويتها ومصيرها. وحين تُستهدف كنائسهم ويُهدَّد وجودهم، فإن ما يتعرض للخطر لا يقتصر على جماعة دينية، بل يمتد إلى الجذور الحيّة للمسيحية المشرقية وإلى القيم الإنسانية التي قامت عليها رسالة المسيح.
فهل يمكن أن يبقى الضمير المسيحي في الغرب مطمئنًا، فيما يُدفَع مسيحيو الأرض التي انطلقت منها البشارة إلى الاختيار بين أمنهم والبقاء في وطنهم؟ وهل يكفي أن نحافظ على حجارة الكنائس والأديرة، إذا عجزنا عن حماية الإنسان الذي يمنحها روحها ومعناها؟
إننا لا نطلب امتيازًا للمسيحيين، ولا حماية تقوم على الفرز الديني، بل نطالب بحقهم، مع جميع أبناء المشرق، في الحياة والحرية والكرامة والمواطنة المتساوية. فإذا خسر المشرق مسيحيّيه، فلن يخسر المسيحيون وحدهم وطنهم، بل سيخسر المشرق جزءًا من روحه، وستخسر المسيحية العالمية جزءًا حيًّا من جذورها، وستفقد المواطنة معناها حين يصبح الانتماء الديني سببًا للإقصاء بدل أن يكون التنوع مصدرًا لغنى الأوطان. وإلى مسيحيّي الغرب نقول: لا تسمحوا بأن يصبح مسيحيو المشرق مجرد ذكرى في صلواتكم، أو صورة في كتب تاريخكم، أو حجارة مقدسة في رحلات حجّكم. دافعوا عن الإنسان الذي بقي يحرس هذا الحضور عبر القرون، لأن حماية الوجود المسيحي في المشرق ليست دفاعًا عن الماضي فحسب، بل مسؤولية أخلاقية تجاه مستقبل الإنسان وكرامته.
