محاولة تشريح في عمق الخلفيّات المذهبيّة لمواقفنا.. السّياسيّة

نتحدّث منذ فترة ليست بقصيرة عن مسألة الهويّات، ولا سيّما الهويّات المذهبيّة والطّائفية وأحياناً القبليّة، في مقابل الهويّات الوطنيّة والقوميّة، وغيرها من الانتماءات التي يفترض الكثيرون منّا أنّه من الضّروريّ ربّما أن تشكّل الإطار الأوسع لوعينا الجماعيّ والاجتماعيّ... ولمواقفنا السّياسيّة. وقد حاولنا، في أكثر من مناسبة، الإضاءة على الدّور الخطير جدّاً الذي تؤدّيه هذه الهويّات المذهبيّة والطّائفيّة بشكل خاصّ، على أرض الواقع، في تشكيل الوعي الجماعيّ لشعوب هذا المشرق ولسلوكها السّياسيّ والاجتماعيّ.

ثمّة ملاحظة أساسيّة لا ينبغي لنا الهروب منها، بل إنّها تستحقّ التوقّف عندها مليّاً. فكثير من المواقف السّياسيّة في مجتمعاتنا المشرقيّة إذن، وإن اتّخذ في ظاهره عناوين وطنيّة أو قوميّة أو يساريّة أو علمانيّة أو حتّى إسلاميّة (إلخ..)، إنّما يستند في عمقه، إلى حدّ كبير جدّاً وفي كثير من الأحيان، إلى خلفيّات مذهبيّة وطائفيّة متجذّرة في وعي أصحابها، وحتّى – أو خصوصاً – في لا-وعيهم، مهما حاولوا اضفاء طابع فكريّ أو أيديولوجيّ أو عمليّ مختلف.

وليس المقصود هنا مجرّد اعادة التّأكيد العامّة على أنّ مجتمعاتنا لم تزل محكومةً، إلى حدّ بعيد، ببنىً مذهبيّة وقبليّة راسخة، بل محاولة استجلاء الدّور العميق والخطير الذي تؤدّيه هذه الانتماءات في صياغة مواقفنا السياسيّة بالتّحديد، حتّى حينما نعتقد أنّنا إنّما ننطلق من اعتبارات فكريّة جامعة، أو وطنيّة مخلصة، أو أخلاقيّة خالصة (إلخ..). فالمسألة لا تنحصر بالضّرورة في نفاق سياسيّ واعٍ، بل تتجاوز ذلك إلى بنية ذهنيّة-نفسيّة قد يتحوّل فيها الانتماء المذهبيّ إلى مرجعيّة خفيّة أو ضمنيّة أو باطنيّة.. نقرأ من خلالها الوقائع، ونحدّد على أساسها مواقفنا إلى حدّ بعيد، دون ادراكنا بالضّرورة لحقيقة الدّوافع التي تحكم أحكامنا واختياراتنا هنا أو هناك، أو في هذا الملفّ أو ذاك.

ولأنّ الإنسانَ الموضوعيَّ يبدأ بنفسه في المبدأ، وإن جاز التّعبير، فلننطلق ممّا يمكن تسميته مع التّبسيط بـ”العقل السّياسيّ الشّيعيّ” في المنطقة، لا سيّما في لبنان بعد عام ٢٠٠٥ والعراق بعد عام ٢٠٠٣. فمن يتأمّل هاتين التّجربتَين يلحظ عجزاً لدى قطاعات واسعة ضمن هذا “العقل السّياسيّ” عن استيعاب خطورة تفشّي الفساد في مؤسسّات الدّولة والأحزاب والمجتمع، ليس من المنظور الدّينيّ والأخلاقيّ فحسب، بل حتّى من زاوية المصلحة السّياسيّة والعمليّة للجماعة نفسها (ومن زاوية المستقبل السّياسيّ لهذه الحركات نفسها أيضاً).

وقد تعدّدت التّبريرات كما نعلم جميعاً، من ضرورة الحفاظ على “الوحدة الشّيعية-الشّيعية”، إلى الحاجة لتصحيح اختلالات تاريخيّة أو للتّعويض عن مراحل سابقة من التّهميش والاقصاء وما إلى ذلك. غير أن السّؤال الأساسيّ يبقى: كيف يُمكن تفسير التّساهل العامّ هذا.. مع ممارسات تتناقض مع المنظومة العقائديّة والأخلاقيّة المعلنة (والمتجذّرة في التّاريخ الانسانيّ والاسلاميّ)، بل ومع المصلحة الموضوعيّة التي كشفت التّجربة لاحقاً حجم الضّرر اللّاحق بها جرّاء هذا التّفكير شبه الانتحاريّ؟ أليس في عمق هذا الموقف منطقٌ مذهبيٌّ، يعتبر أن حُكم المُنتمي إلى “جماعتنا” ليس تماماً كحُكم الآخر، وأنّ الحفاظ على السّلطة وعلى المكتسبات الجماعيّة والحزبيّة يتقدّم على سائر الاعتبارات؟ هل يُمكن لأيّ عقل موضوعيّ أن يقتنع بغير ذلك في جوهر الأمور؟ هل يُمكن لأيّ عقل موضوعيّ أن يقتنع بأنّ “الانتقام للماضي” أو “ضرورة الوحدة المذهبيّة”.. تبرّران الغرق في الفساد بشكل شبه كاريكاتوريّ – أو كاريكاتوريّ أحياناً – في عدّة أمثلة في المنطقة؟

طبعاً، هذا التّفكير، في جوهره.. مذهبيّ الطّابع، مهما حاولنا سوق الحجج والتّبريرات التي لم يعد أيّ عقل مُنصف يقبلها، خصوصاً بعد الذي حصل ويحصل منذ أيلول/سبتمبر عام ٢٠٢٤.

وإذا ما انتقلنا، على سبيل المثال المُعبّر أيضاً، إلى ما يُعرف ببيئة “اليَمين المسيحيّ” في لبنان، أمكننا ملاحظة تناقض لا يقلّ دلالة بين الخطاب الفكريّ-المفاهيميّ المُعلن وبين الموقف السّياسيّ الفعليّ. فمن جهة، تتمسّك قطاعات واسعة من نُخب هذه البيئة بمفاهيم وشعارات الحداثة و”الدّولة المدنيّة” والمواطَنة والقيم السياسيّة الغربيّة بشكل عامّ، ولا سيّما تلك المتّصلة بالإرث الفكريّ للثّورة الفرنسيّة مع التّبسيط. ولكن، ما إن ينتقل النّقاش من المبادئ المجرّدة.. إلى مسألة اصلاح النّظام اللّبنانيّ مثلاً باتّجاه تجاوز الطّائفية السّياسيّة والاداريّة وما إلى ذلك، حتّى نجد كثيراً من دعاة “الدّولة الحديثة” هؤلاء أنفسهم.. في موقع المُدافع المُستميت عمليّاً عن البُنية الطّائفية القائمة. فهل نحن أمام تصوّر نظريّ بديل للدّولة الحديثة مثلاً، أم هنا أيضاً.. نحن أمام هواجس طائفيّة بحتة، تتعلّق بالحفاظ على موقع الجماعة وما تعتبره ضمانات وجودها ودورها السّياسيّ؟

ولا تبدو الصّورة مختلفةً جذريّاً إذا ما وسّعنا دائرة النّظر إلى البيئة الاسلاميّة السّنّيّة في المنطقة. فمنذ عقود، رفعت تيّارات واسعة من نخب هذه الأخيرة شعارات مواجهة الاستعمار ومقاومة المشروع الصّهيونيّ، واحتفت من بين ما احتفت به بتجربة الرّئيس جمال عبد الناصر، بل وما تزال قطاعات منها تبدي حماسة كبيرة مثلاً لخطابات الرّئيس التّركيّ رجب طيّب إردوغان المناهضة “لإسرائيل”، مع أنّها لا تقترن – موضوعيّاً – بمواقف عمليّة مُوازية. غير أنّ المشهد يتبدّل كثيراً لدى بعض هذه النّخب، إن لم يكن لدى أكثرها، حين تكون “إيران الشّيعيّة” هي التي تقف في مواجهة عسكريّة، مباشرة وواضحة، مع “إسرائيل” والولايات المتّحدة.. فتتغيّر معايير التّقييم والتّعاطف في العموم (وبكلّ موضوعيّة وانصاف أيضاً)، وتتراجع الاعتبارات التي كانت تبدو مبدئيّة وثابتة و”اسلاميّة” الطّابع إلى حدّ كبير.

إقرأ على موقع 180  الحوار الوطني في لبنان.. آلية تعطيل لا اتخاذ قرار

وهنا يفرضُ سؤالٌ نفسَه بإلحاح، حتّى نتمكّن من فهم خطورة هذه النّقطة بموضوعيّة تامّة أو حتّى شبه تامّة، بما أنّ التّبريرات التي تُساق مُتعدّدة ومُتشعّبة: حقّاً، لو كانت إيران “سنّيّة” المذهب عموماً، هل كانت ردود فعل هذه النّخب العربيّة والتركيّة واللّبنانيّة (إلخ..) لتبقى على حالها في معركة واضحة ومصيريّة كالتي نراها اليوم أمام أعيننا؟ وهل تكفي الاعتبارات السياسيّة والاستراتيجيّة وحدها لتفسير هذا التّفاوت الكبير نسبيّاً.. أم أنّ الانتماء المذهبيّ يؤدّي دورا أعمق ممّا نتقبّله عادةً، واعياً أو غير واع، في تحديد طبيعة الموقف، والاصطفاف، وحدود التّضامن؟ لنفكّر سويّاً.. بموضوعيّة وبهدوء.

ويتجلّى هذا الإشكال بصورة أشدّ حساسيّة في الانتقائيّة الأخلاقيّة المتبادلة تجاه الحروب والجرائم المرتكبة بحقّ المدنيّين من كلّ الأطراف. فكثيرون مثلاً ممّن أدانوا ما يوصف بـ”جرائم النّظام السّوري السّابق”، واستحضروا باستمرار وعن حقّ ربّما مشاهد أو سرديّات “البراميل المتفجّرة” وضحاياها المدنيّين، لا يُظهرون بالضّرورة اليوم القدر نفسه من الغضب والادانة والتّكرار.. حين تقع انتهاكات مماثلة، أو ربّما أشدّ فظاعة، بحقّ مدنييّن ينتمون إلى جماعات مذهبيّة أخرى في الشّام أو في الاقليم ككلّ.

وليس الاشكال هنا في ادانة ما ثبت من جرائم أو انتهاكات هنا أو هناك، وهي ادانة تقتضيها المبادئ الأخلاقيّة أيّاً تكن هويّة مرتكبيها.. بل في تحوّل الموقف الأخلاقيّ من معيار عامّ إلى نوع من عاطفة انتقائيّة.. تتبدّل عمليّاً بتبدّل “هويّة” الضّحيّة والفاعل.

وإذا ما نظرنا إلى البيئة الدّرزية اللّبنانيّة على سبيل المثال أيضاً، وجدنا مثالاً آخر على التّباعد بين القناعة السياسيّة المعلنة والسّلوك السياسيّ الفعليّ. فكثير من نخب هذه البيئة تُبدي وعياً نقديّاً لبمساوئ النّظام اللبنانيّ وزعمائه الطّائفيّين، ولطالما توجّه انتقادات حادّة إلى الزّعامات التقليديّة وأساليب ادارتها للسّلطة ولثروات النّاس أنفسهم. غير أنّ هذا الوعي النّقديّ، كثيراً أو غالباً ما يتراجع كما نعلم.. عند صندوق الاقتراع بشكل خاصّ، حيث تعود قطاعات واسعة من هذه النّخب نفسها إلى دعم الزّعامات نفسها التي تنتقدها في الأغلب. وهنا أيضاً، يصعب اغفال أثر العصبيّة الطّائفيّة الظّاهرة والضّمنيّة، وهواجس حماية الجماعة، في تغليب مقتضيات الانتماء المذهبيّ على القناعات السّياسيّة الموضوعيّة المعلنة، العامّة منها والخاصّة.

وليس في هذه الأمثلة، السّريعة وغير الكاملة لكن المعبّرة، ادّعاءٌ بأنّ كلّ موقف سياسيّ عندنا هو قابل للاختزال في خلفيّته المذهبيّة، بل فيها: محاولة للكشف، قدر الامكان، عن مقدار ما قد تمارسه وتمارسه هذه الخلفيّات المذهبيّة والطّائفيّة من تأثير ظاهرٍ، وخصوصاً من تأثير خفيّ وعميق ولا-واعٍ، في تشكيل وعينا السياسيّ وتموضعنا السياسيّ، حتّى حين نعتقد أنّنا قد نكون تحرّرنا منها أي من هذه الخلفيّات.

ويمكننا، بطبيعة الحال وعلى المستوى العمليّ، الاستمرار في الخطابات الدّوغمائية وفي فنون اللّغة الخشبيّة على اختلافها، واخفاء تناقضاتنا هذه خلف عناوين اعلاميّة برّاقة.. أو يُمكننا، أيضاً، أن نمتلك شجاعةَ مساءلة ذواتِنا ومحاولة فهم البنى العميقة والأعمق.. التي تحكم مواقفنا وتموضعاتنا، في حقيقة الأمور وبواطنها الباطِنة.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  مقتدى الصدر.. الشرارة العراقية بيده!