يائير لابيد.. صعود “الوسط الإسرائيلي” له حدوده!

لم يأتِ يائير لابيد إلى السياسة من المؤسسة العسكرية أو من الأحزاب التاريخية التي حكمت إسرائيل لعقود، بل وصل إليها من عالم الإعلام.

هو صحافي وكاتب ومقدّم برامج عرف كيف يخاطب الجمهور ويُصبح واحدًا من أكثر الإعلاميين شهرة في إسرائيل. لاحقاً، حوّل هذه القدرة إلى مشروع سياسي حاول احتلال المساحة الواقعة بين اليمين التقليدي واليسار المتراجع. ومنذ دخوله الكنيست قبل 13 عاماً للمرة الأولى، أصبح لابيد أحد أبرز الوجوه التي سعت إلى تقديم «الوسط» الإسرائيلي بوصفه بديلًا سياسيًا قائمًا بذاته، لا مجرد منطقة انتقالية بين المعسكرين. لكن تجربته الزئبقية، من الصعود السريع إلى رئاسة الحكومة ثم التحالفات الانتخابية الجديدة، كشفت أيضًا صعوبة تحويل الوسط إلى قوة مستقلة قادرة على مواجهة التحولات العميقة في المجتمع الإسرائيلي.

وُلد لابيد في تل أبيب عام 1963، في عائلة تجمع بين الصحافة والسياسة والأدب. كان والده تومي لابيد صحافيًا وسياسيًا بارزًا تولّى لاحقًا مناصب حكومية، فيما عُرفت والدته شولاميت لابيد ككاتبة وروائية. نشأ، إذًا، في بيئة كان فيها النقاش العام جزءًا من الحياة اليومية، قبل أن يشق طريقه في الصحافة والتلفزيون والكتابة.

دخل لابيد السياسة عام 2012 بتأسيس حزب «هناك مستقبل» (يش عتيد). لم يطرح الحزب نفسه بوصفه امتدادًا لليسار الإسرائيلي، ولم يدخل في منافسة مع اليمين على أساس قومي أو ديني، بل حاول بناء خطاب يركز على الحياة اليومية للمواطن: التعليم، الطبقة الوسطى، العبء الاقتصادي، الخدمة العسكرية، العلاقة بين الدين والدولة، وإصلاح النظام السياسي.

كان نجاحه سريعًا بفعل بساطة خطابه وقدرته على مخاطبة الجمهور. ففي أول انتخابات خاضها حزبه عام 2013، حصل على 19 مقعدًا، وأصبح ثاني أكبر كتلة في الكنيست. هذه النتيجة كشفت أن لابيد لم يكن مجرد نجم إعلامي دخل السياسة، بل نجح في تحويل شهرته إلى قوة انتخابية مؤثرة. غير أن هذه القوة لم تكن مستقرة تمامًا؛ فقد تراجع الحزب إلى 11 مقعدًا عام 2015، قبل أن يستعيد حضوره لاحقًا ويصل إلى 24 مقعدًا في انتخابات 2022. وعلى الرغم من هذه التقلبات، أثبت «يش عتيد» قدرة على الاستمرار في مشهد سياسي عُرف بكثرة الأحزاب والتحالفات قصيرة العمر، وإن ظل مرتبطًا إلى حد كبير بشخص مؤسسه وزعيمه.

لكن التجربة السياسية الأولى أظهرت أيضًا حدود المشروع. فقد تولّى لابيد وزارة المالية في حكومة بنيامين نتنياهو عام 2013، قبل أن تنتهي الشراكة بينهما سريعًا. ومنذ ذلك الوقت، بدأ يتشكّل موقعه بوضوح أكبر: ليس منافسًا لنتنياهو من خارج المنظومة، بل خصمًا يريد إعادة ترتيبها من الداخل.

لخّص لابيد رؤيته في أكثر من مناسبة بالدعوة إلى العقلانية والبراغماتية، محاولًا تقديم الوسط بوصفه موقفًا سياسيًا يقوم على الإدارة والكفاءة وحماية المؤسسات، لا على الغموض أو التردد. ومن هذا المنطلق، سعى إلى مخاطبة قطاعات من العلمانيين وأبناء الطبقة الوسطى الذين يرون أن النظام السياسي أصبح أسيرًا للاستقطاب الحزبي والديني والقومي المتشدد، لكنهم لا يجدون أيضًا في اليسار التقليدي تعبيرًا عن أولوياتهم.

بلغ هذا المشروع ذروته عام 2021، عندما كان لابيد القوة المحرّكة وراء تشكيل حكومة ائتلافية واسعة ضمّت ثمانية أحزاب من اتجاهات متناقضة، من اليمين إلى الوسط واليسار، إضافة إلى «القائمة العربية الموحدة» بقيادة منصور عباس (مؤخراً أعلن رفضه إشراك العرب في أية حكومة للمعارضة). لم يكن الرابط الأيديولوجي بين هذه القوى قويًا، لكن لابيد نجح في تحويل هدف إنهاء عهد نتنياهو إلى قاعدة مشتركة. وقد قبل بأن يتناوب على رئاسة الحكومة مع نفتالي بينيت، في خطوة أظهرت استعداده للتنازل عن الموقع الأول مقابل بناء ائتلاف قادر على الحكم. وكانت مشاركة حزب عربي في الائتلاف الحكومي سابقة في الحياة السياسية الإسرائيلية، عكست اتساع التحالف الذي نجح لابيد في جمعه، كما كشفت منذ البداية هشاشته وتناقضاته.

شغل لابيد منصب وزير الخارجية ثم تولّى رئاسة الحكومة في تموز/يوليو 2022، بعد انهيار ائتلاف بينيت، وبقي في المنصب حتى نهاية ذلك العام.

تبرز في خطابه مسائل تقاسم أعباء الخدمة العسكرية، ولا سيما إعفاءات اليهود المتشددين دينيًا، إلى جانب التعليم وتكاليف المعيشة واستقلال القضاء ومكافحة الفساد.

لكن الوسطية التي يتبناها لابيد في السياسة الداخلية لا تعني بالضرورة اعتدالًا مماثلًا في القضايا الأمنية أو في التعامل مع الفلسطينيين. فهو ينتمي إلى التيار الصهيوني الذي يضع أمن إسرائيل في مركز رؤيته، ويختلف مع نتنياهو في إدارة الصراع وحدود استخدام القوة وعلاقة إسرائيل بحلفائها، أكثر مما يختلف معه في عدد من مرتكزات العقيدة الأمنية، وصولاً إلى تراجعه عن تأييده حل الدولتين، وذلك على خلفية حدث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع تأكيده، في المقابل، على موقفه المعارض لضم الضفة الغربية المحتلة بصورة أحادية.

إقرأ على موقع 180  العروبة هويتها مشروع.. كوني

في 26 نيسان/أبريل، أعلن لابيد ونفتالي بينيت خوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة حملت اسم «معًا» (بيَحَد)، برئاسة بينيت، فيما حلّ لابيد في المرتبة الثانية. وهذا التحالف ليس مجرد ترتيب انتخابي بين شخصيتين سبق أن تعاونتا في الحكم، بل يعكس تغيرًا في موازين القوى داخل المعارضة الإسرائيلية. فالرجل الذي نجح في تحويل «يش عتيد» إلى قوة وسطية مستقلة، ثم تولّى رئاسة الحكومة، وجد نفسه اليوم في تحالف يقوده سياسي قادم من اليمين القومي والديني.

ويمكن تفسير هذه الخطوة برغبة لابيد في جمع أصوات الوسط واليمين المناهض لنتنياهو، وتجنّب تشتّت المعارضة، حتى لو اقتضى الأمر تقديم تنازل شخصي وسياسي جديد. لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا عن استقلالية المشروع الوسطي الذي أمضى سنوات في بنائه: هل أصبح الوسط عاجزًا عن منافسة اليمين إلا من خلال التحالف معه، أم أن لابيد يحاول تكرار تجربة 2021، عندما فضّل موقع الشريك على موقع الزعيم مقابل الوصول إلى السلطة؟

يُمثل يائير لابيد نموذجًا مختلفًا في السياسة الإسرائيلية: سياسي صنع نفسه خارج المؤسسة الحزبية التقليدية، وحوّل الإعلام إلى رأسمال سياسي، ثم حاول بناء مشروع يقوم على الوسط والعلمانية المدنية والمؤسسات. وقد أثبت أن هذه المساحة قادرة على المنافسة والوصول إلى الحكم، لكنه كشف أيضًا هشاشتها عندما تتسع الفجوة بين خطابها الداخلي ومواقفها الأمنية، أو عندما تصبح التحالفات مع اليمين شرطًا لبقائها السياسي.

اليوم، بعدما انتقل لابيد من قيادة حزب وسطي مستقل إلى الموقع الثاني في تحالف يقوده نفتالي بينيت، بينما يتقدم عليه آيزنكوت في استطلاعات الرأي، تبدو تجربته أمام اختبار يتجاوز شخصه: هل يستطيع الوسط الإسرائيلي المحافظة على هويته السياسية في مجتمع يتجه نحو مزيد من التشدد، أم أن دوره سينحصر في إعادة ترتيب التحالفات داخل المنظومة القائمة، من دون إحداث تحول جوهري في سياساتها تجاه الفلسطينيين والمنطقة؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  كمال الصليبي.. الإستعانة باللغة على المعنى (3)