الخامس من نوفمبر.. من أنا خلف كل هذه الأقنعة؟

استوقفني تاريخ الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر وأنا أشاهد فيلم (V for Vendetta)، الذي يستحضر محاولة "غاي فوكس" ورفاقه تفجير البرلمان البريطاني عام 1605، ويبرز فيه البطل السينمائي مُتخفّياً وراء قناع يحمل ملامح ذلك الرجل؛ قناعٌ تجاوز شاشات السينما ليُصبح رمزاً عالمياً للثورة والتمرّد ومناهضة الاستبداد.

ابتسمت لهذه المصادفة، فالخامس من تشرين الثاني/نوفمبر هو يوم ميلادي. ثم وجدتني أتخيّل نفسي أرتدي القناع ذاته، وأقف أمام برلماننا. لكني سرعان ما ضبطت جموح مُخيّلتي، فأي جدوى من انهياره! فلعل ما أريد هدمه في الخارج مُتجذّر في داخلي، وفي علاقاتي، وفي تفاصيل حياتي اليومية.

وسط هذه الأفكار التي أخذتني بعيداً عن الفيلم وعن الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، أعادني “القناع” فجأة إلى نفسي.

فأنا أيضاً أرتدي أقنعتي كي أواصل حياتي. وأنا جزء من هذا البلد الصغير، بل من هذا العالم الأكبر، أحمل تناقضاته وأخضع لشروطه.

وأنا الأب والابن والروح الهائمة، والزوج والأخ والمواطن، وأشياء أخرى كثيرة، والإنسان الذي يحاول أن يبقى وفيّاً لقناعاته، برغم ما اضطرّ إليه أحياناً من مساومات وتنازلات.

أحمل مسؤولياتي ومخاوفي وعُقدي، وأحاول أن أبدو متماسكاً حتى عندما يُثقلني القلق أو العجز.

بعض هذه الأدوار بات جُزءاً عزيزاً من حياتي، ومن اختياراتي وعلاقاتي بالذين أُحبهم. وبعضها الآخر صنعته الضرورة، أو فرضته التجربة، أو راكمته سنوات طويلة من التكيّف مع الآخرين، ومع نفسي.

ولستُ في خصومة مع هذه الأدوار، ولا مع الأقنعة التي تقتضيها الحياة أحياناً. فنحن جميعاً مُمثِّلون على مسرحها، نُؤدّي أدواراً اخترنا بعضها وفُرض علينا بعضها الآخر.

لكن من أنا خلف هذه الأدوار كلها؟

لقد ارتديت من الأقنعة ما جعلني أعجز أحياناً عن التمييز بين وجهي الحقيقي وما اعتدت على إظهاره للآخرين. وكثيراً ما كان وراء تلك الأقنعة حرصي على استيعاب الآخرين ومراعاة مشاعرهم، حتى حين كان ذلك يقتضي أن أُخفي شيئاً مما أشعر به.

في الفيلم، يرتدي البطل قِناعَهُ المُبتسم لِيُواجه به العالم ويتحرّر من الخوف. أما أنا، فقد دفعتني صورته إلى التفكير في الأقنعة التي أحتاج إلى خلعها لأرى نفسي على حقيقتها.

***

لطالما بحثت عن نفسي في علاقاتي بالعالم وبالآخرين، قبل أن أدرك أن عليّ أن أبحث عنها في داخلي أيضاً. وربما لهذا أصبحت لحظات التأمّل التجاوزي، التي أُمارسها كل صباح ومساء، من أقرب اللحظات إليّ.

عشرون دقيقة في كل مرة أجلس فيها وحيداً، بعيداً عن ضجيج العالم ومطالبه وصراعاته. تهدأ الأفكار، وتتراجع الهويّات والأدوار والمخاوف، وأختبر حالة من الوعي الصافي أشعر فيها باتصال عميق بذاتي.

هناك، لا أحتاج إلى الدفاع عن موقف أو إثبات شيء لأحد. في تلك الخلوة التي أختارها، أكون مع نفسي، كما أنا.

وحين أعود إلى العالم، أحمل معي شيئاً من تلك الحرية الداخلية، ما يساعدني على مواجهة ما يصعب عليّ تقبّله بقدر أكبر من الوعي والسكينة.

وأُدرك أنني أيضاً جزء من تناقضات هذا العالم، وأن لحظات الصفاء لا تمنحني حصانة من الضعف أو الخطأ أو الخوف، لكنها تجعلني أكثر مرونة في التعامل مع ضغوط الحياة.

وما زلت أستغرب كيف استطاع الإنسان تغيير العالم إلى هذا الحد، بينما لا يزال يجد صعوبة في تغيير علاقته بنفسه وبالآخرين وبالكون من حوله.

أُفكر في ذلك كُلّما تأمّلت السنوات التي مضت من عمري، وما حملته من أفراح وخيبات، ومن أشخاص أحببتهم وما زلت أحبهم، ومن أشياء تغيّرت في داخلي وأخرى لم أستطع تغييرها. وبرغم كل ما أعرفه عن هشاشة وجودنا، أزداد تمسّكاً بالحق والخير والجمال، حتى حين يبدو العالم أبعد ما يكون عنها.

***

في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، مضى عام آخر من عمري، وما زلت أختبر المسافة بين ما أعيشه في داخلي وما أستطيع أن أكونه في هذا العالم.

ولا أعرف كم بقي من العمر لأكتشف وجهي الحقيقي، أو كم من الأقنعة عليّ أن أخلع لأتصالح مع حقيقة أن أكون إنساناً، بكل ما في ذلك من مأساة وحبّ ووعي وفرح.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180   إسرائيل بمواجهة مأزق الضفة: "السلطة" أم عملية عسكرية؟
ضياء عبد العال

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "حركة فيفري" التونسية.. إنتفاضة طلابية عمرها نصف قرن