عفيف دياب.. ماذا بعد “بيجو 504″؟

ماذا سأكتب عن عفيف دياب بعد كل ما كُتب عنه؟ وكيف يمكنني أن أضيف شيئًا إلى رواية استدرجت هذا الكمّ من القراءات والمقالات والانطباعات، حتى باتت الكتابة عنها ظاهرة ثقافية تستحق التوقف عندها، لا مجرد احتفاء بإصدار روائي جديد؟

هذا السؤال لم يأتِ من عجز عن العثور على زاوية للكتابة، بل من فائض ما كُتب، ومن فضول يدفعني إلى فهم الأسباب التي جعلت رواية «بيجو 504» تحظى بكل هذا الاهتمام. لا أذكر أن رواية لبنانية استقطبت، خلال الفترة القصيرة التي أعقبت صدورها، مثل هذا العدد من القراءات النقدية المتنوعة، ولا سيما أن صاحبها يخوض تجربته الروائية الأولى بعد مسيرة طويلة في الصحافة والنضال السياسي.

ولعل المفارقة أن عفيف دياب، الصحافي الذي اعتاد الكتابة عن الآخرين، وجد نفسه فجأة موضوعًا لكتاباتهم. انتقل من موقع من يراقب الأحداث ويوثّقها إلى موقع من يُقرأ عمله ويُحلَّل، ومن صاحب الأسئلة إلى من تتوجه إليه الأسئلة، ومن كاتب يتتبع الحكايات إلى روائي يصنع حكاية تستدعي حكايات القراء وذاكراتهم.

***

تعددت المقاربات التي تناولت «بيجو 504»، لكن معظمها يلتقي عند اعتبارها استعادة لذاكرة الجنوب اللبناني، بما تختزنه من تحولات سياسية وعسكرية واجتماعية، ومن أحلام كبيرة اصطدمت بوقائع أكثر قسوة.

توقفت بعض القراءات عند المرحلة الممتدة من نكسة حزيران/يونيو 1967 إلى الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، مركّزة على الأثر الإنساني للحروب، وعلى التناقض بين الإيمان بالقضايا الكبرى والثمن الذي دفعته العائلات في حياتها اليومية. كما برز حضور المرأة الجنوبية بوصفها شريكة في النضال، وصاحبة موقف ووعي، لا مجرد شخصية هامشية في حكايات الرجال والحروب.

وفي مقاربات أخرى، حضرت الرواية بوصفها حكاية تتجاوز حدود قرية جنوبية بعينها، لتلامس تجربة عائلات كثيرة، وتكشف كيف تتداخل الانتماءات الحزبية مع العلاقات الإنسانية، وكيف يمكن للأحلام الوطنية أن تتعرض للتشويه حين تتحول بعض القيادات إلى مصدر آخر للخذلان.

وذهب بعض الكتّاب إلى قراءة السيارة نفسها بوصفها علامة زمنية تستدعي ذاكرة الحرب والنزوح، وتستبطن دلالات سياسية تتصل بمرحلة الوصاية السورية على لبنان، ذلك أن رجال المخابرات السورية غالباً ما كانوا يتحركون بسيارات “بيجو 504” بيضاء اللون.

هذه القراءات، على اختلاف زواياها، لم تكتفِ بتقديم الرواية إلى القارئ، بل أعادت طرح أسئلة لا تخص الماضي وحده، بل تمتد إلى الحاضر الذي ما يزال أسير كثير من تناقضاته.

***

لماذا كل هذا الاهتمام برواية عفيف دياب؟

أعتقد أن الإجابة لا تكمن في الرواية وحدها، ولا في اسم عفيف دياب وحده، بل في المسافة التي تفصل بينهما، ثم تختفي حين يبدأ القارئ بمطالعة الرواية.

فعفيف ليس كاتبًا جاء إلى الجنوب من خارجه، ولا روائيًا اكتشف الحرب من خلال أرشيف أو شهادة عابرة. إنه صحافي ومناضل عرف قضايا الناس من داخلها، وعايش زمن الشعارات والتحولات والانكسارات، واحتفظ في ذاكرته بما لا تستطيع التقارير الصحافية أن تحفظه كله: نبرة الخيبة، وملامح الانتظار، وارتباك الإنسان حين يكتشف أن القضية التي أفنى عمره في سبيلها لا تعفي أصحابها من ارتكاب الأخطاء.

فالصحافي يسأل غالبًا: ماذا حدث وكيف ولماذا؟ أما الروائي فيُفترض أن يذهب أبعد من ذلك، ذلك أن من حقه أن يذهب بخياله أبعد مما نتوقع وأن يغوص في الأعماق الإنسانية ويجعلنا أسرى تفاصيل لا يُمكن لمادة صحفية أن تستوفيها..

في «بيجو 504»، لم تعد الحكاية مجرد تسلسل للوقائع السياسية والعسكرية، بل صارت محاولة للاقتراب من أثرها في البيت الجنوبي، وفي العلاقات بين الزوجين، وفي خيارات النساء والرجال، وفي مصائر الذين آمنوا بأن التضحية وحدها قادرة على تغيير العالم.

ولعل القراء وجدوا في الرواية شيئًا من سيرهم الشخصية، أو سير آبائهم وأمهاتهم، أو حكايات ظلت معلّقة في الذاكرة من دون أن تجد شكلها الأدبي. إنها ذاكرة جيل كامل، لكنها أيضًا ذاكرة أجيال لم تعش تلك السنوات، ومع ذلك ورثت نتائجها. ولهذا لا تبدو الرواية محصورة في زمنها، ولا الجنوب الذي تستحضره مجرد مساحة جغرافية. إنها تضع القارئ أمام سؤال يتكرر بأسماء مختلفة: لماذا يدفع الناس العاديون دائمًا الثمن الأكبر حين تصبح حياتهم مرهونة بنتائج صراعات وقضايا كبرى؟

أضف إلى ذلك أن عفيفًا لم يدخل عالم الرواية بلا رصيد. لقد سبقت اسمه سيرة الصحافي المنخرط في الشأن العام، والمناضل الذي انحاز إلى قضايا الناس. وحين أصدر روايته الأولى، لم يبدأ من الصفر في ذاكرة جمهوره، بل دخل إليها محمولًا على ثقة محجوزة مسبقاً، وعلى فضول لمعرفة ما الذي يمكن أن يكتبه رجل عرف الوقائع عن قرب، حين يقرر أن يمنحها حياة أخرى داخل الأدب الروائي.

وهكذا اجتمع في «بيجو 504» فضول القراءة، وحنين الذاكرة، والرغبة في مراجعة التاريخ، والثقة بصاحب التجربة.

***

هنا أعود إلى سؤالي الأول: ماذا يمكن أن أضيف إلى ما كُتب، من دون أن أكرّر ما قاله الآخرون، أو أن أتحول إلى صوت جديد في “جوقة الإعجاب والمعجبين”؟

ربما يكون الأجدى أن نغادر الرواية قليلًا، وأن نتطلع إلى صاحبها وهو يقف على عتبة تجربة جديدة.

لقد نجح عفيف دياب في العبور من الصحافة إلى الرواية. وهذه ليست خطوة بسيطة، لأن الانتقال من الاستقصاء وكتابة الوقائع إلى بناء العالم الروائي يقتضي أكثر من امتلاك الذاكرة والمعرفة السياسية. إنه يحتاج إلى القدرة على تحويل التجربة إلى شخصيات، والتاريخ إلى مصائر، والفكرة إلى حياة مستقلة عن صاحبها.. والأهم هي اللغة الجميلة التي يتمتع بها الكاتب.

إقرأ على موقع 180  أكثرية ماكرون النيابية على المحك بانتظار الدورة الثانية

وقد منحه القراء، من خلال هذا الاهتمام الواسع، إشارة واضحة إلى أنهم مستعدون لمرافقته في هذا العبور.. فالرواية الأولى تستفيد، إلى حد بعيد، من المخزون الشخصي والتاريخي الذي يملكه الكاتب. أما الرواية التالية، فعليها أن تثبت أن النجاح لم يكن ثمرة الموضوع وحده، ولا نتيجة سيرة صاحبه، بل بداية مشروع أدبي قادر على التجدد.

لا أريد من عفيف دياب أن يكتب «بيجو 504» أخرى، حتى لو تغيّرت السيارة، ولا أن يستعيد الجنوب نفسه بالشخصيات ذاتها، أو أن يظل أسير الحقبة التي يعرفها جيدًا. أريده أن يغامر خارج المنطقة الآمنة التي تمنحها له خبرته الصحافية والسياسية، وأن يذهب إلى مناطق لم يسبق لذاكرته أن رتّبتها، ولم يسبق لمواقفه أن حسمت أسئلتها.

أريده أن يكتب عن الإنسان حين لا يكون مناضلًا، وعن الحب حين لا تحاصره الحرب، وعن الخوف الذي لا تفسّره السياسة وحدها، وعن الهزيمة التي لا يعلنها أحد، لكنها تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة للحياة.

ماذا لو كتب عفيف عن رجل لم يصنع التاريخ، بل عجز عن فهمه؟ أو عن امرأة لم تكن مهمتها أن تتحمل نتائج قرارات الآخرين، بل أن تعيد اكتشاف حياتها بعيدًا عن الشعارات؟ أو عن جيل ورث ذاكرة الآباء، لكنه لم يعد يعرف كيف يحوّلها إلى مستقبل؟

إن هذه الأسئلة لا تعني أن عليه التخلي عن عالمه الأول، بل أن يكتشف ما وراءه. فالكاتب لا يُقاس فقط بقدرته على كتابة ما يعرف، وإنما أيضًا بقدرته على الاقتراب مما لا يعرفه بعد.

***

يُمكن لعفيف دياب أن يواصل مشروعه في كتابة الذاكرة اللبنانية، وأن يذهب إلى مناطق أخرى من التاريخ، حيث تتقاطع السيرة الشخصية مع التحولات السياسية. ويمكنه أن يقترب أكثر من الرواية الاجتماعية والنفسية، فيمنح الشخصيات مساحة أوسع للتحرك خارج حدود مواقفها المعلنة. ويمكنه أيضًا أن يغامر في بناء عالم روائي لا تكون فيه الوقائع التاريخية هي المحرك الأساسي، بل الإنسان بتناقضاته ورغباته وأوهامه وأسئلته الوجودية.

والأهم، في رأيي، أن يستفيد من الصحافي الذي فيه، من دون أن يسمح له بأن يقود الروائي في كل مرة.

فالصحافي يعرف قيمة المعلومة، أما الروائي فيعرف أن الحقيقة الإنسانية ليست دائمًا في المعلومة نفسها، بل في المسافة بين ما تقوله الشخصية وما تخفيه، وبين ما تؤمن به وما تفعله، وبين صورتها عن نفسها والصورة التي تكشفها أفعالها.

ومن هنا تبدأ المغامرة الأدبية الحقيقية: حين يصبح للخيال حق الاعتراض على الذاكرة، وحين تتحرر الشخصية من موقف الكاتب، وحين لا تعود الرواية مطالبة بإثبات شيء، بل تصبح قادرة على طرح أسئلة لا تملك إجابات جاهزة.

أما الجزء الثاني الذي قد ينتظره بعض القراء من «بيجو 504»، فأراه احتمالًا مشروعًا، لكنه ليس الطريق الوحيد أمام الكاتب. ربما يكون الأجمل أن يفاجئنا عفيف بعمل لا نتوقعه، وأن يترك لنا مهمة اكتشافه من جديد.

فليس مطلوبًا منه أن يُكرّر النجاح، بل أن يغامر بما يجعل نجاحه الأول بداية لا نهاية.

***

ومع كل هذه الأسئلة التي أضعها أمام عفيف، لا بد من العودة إلى ما أنجزه فعلًا، وإلى ذلك العنصر الذي يجعلني أراهن على تجربته الروائية المقبلة: أسلوبه السردي.

ثمة عذوبة في سرد عفيف، وقدرة على الإمساك بالخيط الحكائي من دون افتعال، وعلى نقل القارئ بين الأزمنة والشخصيات بسلاسة لا تفقد النص تماسكه. يكتب بطمأنينة من يعرف الحكاية، لكنه لا يستعجل الوصول إلى نهايتها. يترك للشخصيات أن تتنفس، وللتفاصيل أن تقول ما تعجز عنه الخطابات المباشرة.

وهذه، في ظني، واحدة من أهم ميزات الروائي الجميل: أن يجعل الحكاية تمضي إلى القارئ من دون أن يشعر بثقل الكاتب خلفها.

أعجبني في عفيف أنه لا يتكئ على ذاكرته النضالية والصحافية وحدها، بل يمتلك حسًّا حكائيًا يتيح له تحويل تلك الذاكرة إلى مادة أدبية نابضة. وبين الصحافي الذي يعرف كيف يلتقط الحدث، والروائي الذي يعرف كيف يمنحه حياة، تتشكل ملامح تجربة تستحق أن تُتابَع.

لذلك، حين أسأل عفيف: ماذا ستكتب بعد «بيجو 504»؟ فإنني لا أسأل من باب الفضول وحده، بل من موقع قارئة وجدت في أسلوبه ما يشجعها على انتظار المزيد منه.

ربما لا أعرف أي طريق سيختار، لكنني أعرف أن لديه ما يؤهله لأن يكون روائيًا جميلًا، وأن أجمل ما يمكن أن يفعله الآن هو أن يفاجئنا بحكاية لم نكن ننتظرها، وأن يثبت أن «بيجو 504» لم تكن مجرد محطة ناجحة في مسيرة صحافي ومناضل، بل كانت الباب الذي دخل منه إلى عالم الرواية.

لقد كتب عفيف دياب روايته الأولى، فكتب الناس عنها. والسؤال الذي أتركه له الآن ليس ماذا سيكتب بعد «بيجو 504» فحسب، بل أيّ كاتب يريد أن يكون بعد «بيجو 504»؟

(*) رواية “بيجو 504” للكاتب عفيف دياب، صادرة عن دار الفارابي (2026)، رسم الغلاف للفنانة التشكيلية اللبنانية سكينة حويلا.

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الجيش الجزائري بين الانقلاب والحراك: إنه الغموض - 3 من 3