كورونا تركيا يرقي وزير الداخلية.. “قائداً”!

تريد تركيا بأسرع ما يكون تسطيح منحنى البيانات المتعلقة بإصابات ووفيات فيروس كورونا، وبالتالي، تقليص الارقام خصوصا بعد تقارير منظمة الصحة العالمية التي جعلتها مع بريطانيا على مسافة واحدة من خطورة المشهد الوبائي.

تضاعفت مهمة الجهاز الطبي التركي حتما بعد المشاهد التي تابعناها على شاشات التلفزة مساء يوم الجمعة المنصرم، عندما نزل الالاف من الاتراك الى الشوارع للتبضع دون اتخاذ التدابير والاحتياطات الصحية الضرورية، وذلك قبيل ساعتين من دخول قرار حظر التجول الذي اعلنه وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، بطريقة مفاجئة، حيز التنفيذ.

بدا المشهد متضارباً. وزير الصحة التركي فخر الدين قوجا يجهد منذ اسابيع لمحاصرة الوباء وعزله. في المقابل، يهدد وزير الداخلية سليمان صويلو هذه الجهود خلال ساعتين بسبب طريقة اعلانه عن قرار حظر التجول وطريقة التنفيذ.

قاد قرار صويلو المفاجئ، حسب كثيرين، إلى نشر حالة من الهلع لدى شريحة من المواطنين، لأنّه لم يتح لهم الوقت الكافي لتأمين احتياجاتهم العاجلة، ما دفع بحوالي 250 ألف شخص إلى الشوارع في أكثر من مدينة تركية وعلى راسها اسطنبول حيث يعيش أكثر من 16 مليون نسمة.

هذه الأزمة، وضعت حزب العدالة والتنمية في ورطة وأمام أسئلة كثيرة: كيف ولماذا اقدم صويلو على تنفيذ قرار منع التجول بهذا الشكل الذي اخاف عشرات الالاف ونقلهم الى الشوارع، مما عرض كل الجهود التي بذلتها الحكومة لمحاصرة الوباء للمساءلة اولا، وتركته هو كوزير مجرب يملك خبرة طويلة في ادارة شؤون وزارة الداخلية التي يتولى مهامها منذ 4 سنوات أمام مسؤولية ارتكاب مثل هذا الخطأ في التقدير والتنفيذ ثانيا؟

حاول صويلو أن يبرر هذه الخطوة بانها لم تكن لتتم دون اعلام الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بها، لكنه عاد سريعا لاكتشاف خطأه الجديد معلناً تحمله المسؤولية الكاملة عما جرى بمفرده وتقديم استقالته امام حجم الانتقادات التي تعرض لها.

سارع العديد من المسؤولين والاعلاميين في الحكم والمعارضة إلى إستغراب الطريقة التي تمّ فيها الاعلان عن القرار وانعدام التنسيق بين الادارات والمؤسسات والوزارات التي تتولى هذه المهمة، وعلى راسها بلديات المدن التركية الكبرى التي يقودها حزب الشعب الجمهوري المعارض. في هذه النقطة بالذات، كان صويلو يمنح قوى المعارضة فرصة اضافية للتصعيد ضد طريقة اتخاذ القرارات في مواجهة الفيروس وتنفيذها، ودفع العديد من البلديات المحسوبة على المعارضة للتذكير بخطوات استبعادها عن المشاركة في القرارات ومطالبتها فقط بالإلتزام بالتنفيذ، ما زاد الطين بلة.

أول المستثمرين في هذا المشهد المتداعي، كان رئيس بلدية اسطنبول اكرم امام اوغلو، وهو المعروف عنه أنه لا يفوت هكذا فرصة من أجل مهاجمة الحزب الحاكم، معلنا أنّ البلدية لم تطلع مسبقا على القرار وهي علمت به من خلال وسائل الاعلام فقط.

صويلو تدرج في الحزب وتسلم اكثر من مهمة نجح فيها واستطاع الوصول الى قلب اردوغان ودائرة القرار الاقرب اليه منذ 5 سنوات، حتى أنه صار يأتمنه على الكثير من اسرار الحزب والدولة

صحيح أن وزير الداخلية التركي أقحم حزبه (العدالة) في مأزق كان بغنى عنه، في هذه الفترة السياسية واللحظة الصحية الدقيقة والحساسة، لكن المبالغة في رسم السيناريوهات وتضخيم الامور كان مدعاة لقراءات مختلفة. بعض القيادات السياسية البارزة في المعارضة مثل محرم اينجه مرشحها لمنصب رئاسة الدولة في مواجهة اردوغان، وصف ما يجري بالمسرحية وأن السيناريوهات كانت جاهزة والادوار تم تقاسمها بشكل مدروس ومعد مسبقا. وذهبت قراءات أخرى في منحى أن  صويلو لم يكن ليقدم على خطوة من هذا النوع من دون علم اردوغان الذي دعمه ووقف الى جانبه أكثر من مرة في أكثر من أزمة مشابهة. وأن نجاح صويلو في وزارته اثار طبعا الغيرة والحسد في صفوف كثيرين خصوصا وانه جاء الى الحزب من الخارج قبل 10 سنوات وبعدما كان ينتقد قراراته وسياساته وهو يقود الحزب الديمقراطي المعارض. لكن مؤشرات وحقائق أخرى كثيرة تقول إن صويلو تدرج في الحزب وتسلم اكثر من مهمة نجح فيها واستطاع الوصول الى قلب اردوغان ودائرة القرار الاقرب اليه منذ 5 سنوات، حتى أنه صار يأتمنه على الكثير من اسرار الحزب والدولة.

الحديث مثلا عن تفككات وانقسامات في صفوف العدالة والتنمية واحتمالات تحول الموضوع الى ازمة حزبية أكبر، فيه الكثير من المبالغات. الحديث كذلك عن خلافات شخصية بين الوزير صويلو وصهر الرئيس التركي وزير المالية برات البيرق فيه الكثير من التضخيم لأن اردوغان نجح حتى الان في اثبات انه صاحب السلطة والقرار والممسك بخيوط اللعبة في الحزب وقيادة الدولة. محاولات الاصطياد في الماء العكر وسط الاعلام المعارض والرهان على بداية التفكك وبروز معارضة جديدة لم تقنع أحدا لأن الاعوام المنصرمة أثبتت أن الاصوات المعارضة كانت تغادر دائما الحزب بارادتها او برغبة حزبية، وهذا ما رايناه في السنوات الاخيرة مع قيادات سياسية بارزة على راسها عبد الله غل واحمد داوود اوغلو وعلي باباجان وغيرهم.

اسئلة أخرى رافقت الازمة بينها على من كان يعوّل سليمان صويلو وهو يعلن قرار استقالته من منصبه كوزير للداخلية في تركيا مساء الاحد المنصرم؟ وما هي الاسباب التي دفعته للتخلي عن قراره خلال ساعات والعودة إلى ممارسة مهامه؟

ثمة فرضية أولى مفادها أن رفض اردوغان طلب الاستقالة الذي تقدم به صويلو، بعد الانتقادات اللاذعة التي تعرض لها بسبب ارتدادات تطبيق قرار حظر التجول في 31 مدينة تركية، جعل وزير الداخلية يخرج اقوى مما كان عليه في السابق.

الفرضية الثانية، حسب الكثير من المحللين الاتراك، تقول أنه وعلى ضوء ما جرى، تحول صويلو نفسه الذي كان يرغب بالمغادرة الى الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية. في هذا السياق، هناك من يجزم أن صويلو عندما قدم إستقالته، كان يثق بتمسك اردوغان به في وزارة الداخلية، وبوقوف دولت بهشلي زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتحالف مع حزب العدالة من الخارج الى جانبه. كما أنه يثق بالانجازات التي حققها في السنوات الاربع الاخيرة في موقعه، وربما ـ وهذا الاهم ـ  كان واثقا بتحرك الالاف من المواطنين في حملات جمع التوقيعات المطالبة بالتراجع عن قراره ورفض هذه الاستقالة من قبل الرئيس التركي.

الفرضية الثالثة، والتي لا يمكن اغفالها، هي أن حزب العدالة والتنمية أمام إحتمال من إثنين في مواجهة إختبار كورونا: إما أن يخرج ناجحا في الاختبار، وهذا سيعني له الكثير حزبيا وسياسيا، وبالتالي، يمنحه فرصة استرداد ما فقده من شعبية في الانتخابات المحلية الاخيرة. وإما أن يفشل، وهذا يعني حصاد المزيد من الخسائر، بينما يستعد حزب العدالة لخوض معارك العام 2023 الانتخابية. لكن هناك حقيقة أو فرضية أخرى تقول أن صويلو اضاف الى ثقله الحزبي والسياسي ثقلا جديدا بعد هذه الازمة، برغم قبوله تحمل المسؤولية الكاملة في الموضوع. والسبب هو الشعبية والدعم الواسع الذي حصل عليه في صفوف القوميين الاتراك واجهزة الامن والعشائر الكردية في جنوب شرق تركيا بعد النجاحات الواسعة التي حققها في ادارة شؤون وزارته في اصعب الظروف الامنية والسياسية والاقتصادية.

لقد خرج صويلو من الازمة أقوى بكثير مما كان عليه قبلها، وربما السبب الاول في ذلك، هو اعترافه الشجاع بارتكاب خطأ في التقدير وطريقة التنفيذ والمجاهرة بأنه جاهز لتحمل المسؤولية بمفرده، وهذا الأمر بحد ذاته، جعله يقدم نفسه شخصية مستعدة لتحمل المسؤولية وكل تبعاتها وصولاً إلى المحاسبة، بخلاف آخرين، تعودوا رمي المسؤولية على الآخرين.

د. سمير صالحة

كاتب وباحث تركي، أستاذ جامعي في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course