ليس ما جرى في إيران من عمليات اغتيال للقادة الرئيسيين في النظام مجرّد فراغ في قمة الهرم، بل اختبار قاسٍ لفكرة «استمرارية الدولة» تحت النار. اغتيال آية الله السيد علي خامنئي في ضربات أمريكية–إسرائيلية يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز شخص المرشد: هل تستطيع بنية الحكم، بمؤسساتها الأمنية والدينية وشبكاتها البيروقراطية، أن تُظهر تماسكًا وظيفيًا وهي تتلقى ضربات متتالية؟ وهل تنجح النخبة في إدارة الانتقال من دون أن يتحوّل الانتقال نفسه إلى صراع مفتوح بين مراكز القوى؟
في هذا النوع من اللحظات، تبرز الحاجة إلى نوع محدّد من السياسيين: سياسي «يدير» أكثر مما «يُلهم»؛ يُمسك المفاصل بدل أن يعتلي المنابر. وهنا تحديدًا يُستدعى اسم علي لاريجاني.
***
تبرز حاجة النظام السياسي، في اللحظات الفارقة تاريخيًا، إلى «المهندس البارد» لا إلى «الخطيب المفوّه»؛ لا سيّما في اللحظة الراهنة التي تعيشها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث تدخل طورًا جديدًا من الغموض الاستراتيجي في أعقاب غياب المرشد علي خامنئي، ما يفرض على المراقب قراءة صعود لاريجاني باعتباره استدعاءً لضرورة وظيفية أكثر من كونه مجرد «إعادة تدوير» لنخب قديمة.
يُمثّل لاريجاني، الذي يجمع بين شرعية «النجف» وأروقة «جامعة طهران»، نموذج «رجل الدولة الفيلسوف» الذي لا يرى السياسة صراعًا أيديولوجيًا صفريًا، بل إدارة عقلانية للتناقضات.
***
وُلد علي لاريجاني عام 1957 في النجف، وهي ولادة منحته «شرعية جغرافية ودينية» في العقل الشيعي الجمعي. والده، آية الله ميرزا هاشم آملي، وفّر له حصانة داخل المؤسسة الدينية التقليدية، بينما وفّرت له دراسته للدكتوراه في الفلسفة الغربية أدوات تحليلية تفتقر إليها النخب التقليدية في إيران.
هذا «التكوين المزدوج» هو ما سمح له بأن يكون حلقة وصل بين «المنبر» و«المختبر السياسي»؛ فهو يتحدث لغة المؤسسة الأيديولوجية ببراعة، لكنه يمارس الفعل السياسي بعقلانية صارمة. وقد وصفته وكالة «رويترز» بأنه صانع نفوذ براغماتي ظهر في قلب المشهد الحساس في آب/أغسطس الماضي، ليدير حزمة ثقيلة من الملفات تبدأ من التفاوض النووي، مرورًا بإدارة العلاقات الإقليمية مع الجوار «الحسّاس والملتبس»، وصولًا إلى تحصين الوضع الداخلي الإيراني في مواجهة الاضطرابات المتزايدة. وقد عزّزت ثقة المرشد الراحل به مكانته داخل أجهزة الدولة العميقة، ما جعل هذا النوع من الرجال أثمن من أي “كاريزما” عابرة.
يظهر لاريجاني متماهيًا مع الأولوية الأولى للآباء المؤسسين للجمهورية بعد 47 عامًا على قيامها: «إظهار الاستمرارية»، ومساعدة النخب كما الجماهير على تجاوز اختبارات متقاطعة: تماسك الدولة الأمنية، اتفاق النخبة على صيغة انتقالية، وإمكان عودة ضغط الشارع. في مثل هذا المشهد، لا يعود معيار الأهمية هو المنصب الأعلى، بل الموقع الذي يمكّن صاحبه من وصل الأسلاك بين الأمن والسياسة والدين والمجتمع.
ومن هنا يمكن فهم مغزى أن يكون الرجل أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلًا للمرشد فيه، وأن يُصبح، بحكم الوظيفة، بوابة مرور إلزامية لكثير من قرارات الحرب والسلم والتفاوض. فقد تم تعيينه أمينًا للمجلس في 5 آب/أغسطس 2025، بحسب «رويترز»، ثم صدر مرسوم خامنئي في 7 آب/أغسطس 2025 بتعيينه ممثلًا للمرشد في المجلس نفسه وفق المادة 176 من الدستور. هذا الترتيب ليس «بروتوكولًا»، بل إعادة تموضع محسوبة لرجل خبر دهاليز الدولة.
***
تُستخدم «البراغماتية» في عالمنا العربي أحيانًا كمفردة اتهام؛ مرونة بلا مبادئ. غير أن ما يظهر من شخصية لاريجاني يوحي ببراغماتية من نوع آخر؛ براغماتية تُدار من داخل النظام لا من خارجه، هدفها حماية الكيان السياسي من الانتحار لا تقديم التنازلات المجانية.
ففي الملف النووي تبنّى نبرة قابلة للتفاوض، وصرّح في شباط/فبراير (بحسب «رويترز») بأن مسألة الخلاف مع واشنطن «قابلة للحل» إذا كان القلق الأميركي محصورًا بمنع امتلاك سلاح نووي. هذه اللغة ليست لغة «تنازل»، بل لغة «قطع نزاع» لحماية ما يمكن حمايته في لحظة استنزاف.
***
يرى بعض خصوم النظام في لاريجاني «وجهًا باردًا للقسوة»، بينما يراه أنصاره «وجهًا حازمًا للسيطرة». وهي مفارقة نجدها في كل «عقل أمني» غير منفعل، ومسكون بلحظة مصيرية لا ينفع فيها الانفعال ولا التخلي.
فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات في كانون الثاني/يناير 2026 على خلفية اتهامات مرتبطة بقمع احتجاجات داخلية، وتتهمه واشنطن بأنه كان في طليعة الداعين إلى استخدام العنف ضد المتظاهرين. هذه النقطة، حتى مع اختلاف التقييمات حولها، تفسّر لماذا يحظى هذا «المايسترو السياسي» بهذا الاهتمام.
***
يُطلق البعض على لاريجاني لقب «هيغل الفرس» بما في اللقب من إغراء صحفي، بينما هو أقرب أكاديميًا إلى إيمانويل كانط. يظهر اهتمامه بـ«العقل العملي» و«الأمر المطلق» في كتابه «مدخل إلى آراء كانط الفلسفية».
سياسيًا، يترجم لاريجاني هذا الانضباط الكانطي في صورة «الواجب تجاه الدولة». بالنسبة له، بقاء الدولة هو «الضرورة العقلية» التي تسبق أي شعار ثوري عابر.
أما البعد «الهيغلي» فيتجلّى في قدرته على إدارة الديالكتيك السياسي؛ فهو بارع في إنتاج «تركيب» (Synthesis) يجمع بين تطلعات الحرس الثوري (الأطروحة) وضرورات الانفتاح التكنوقراطي (النقيض)، ما يجعله «صمام أمان» يمنع النظام من الانفجار الداخلي تحت ضغط الأزمات. إنه رجل يشتغل على الشروط والحدود والإمكان، وهي مفردات تتناسب مع مهمته الأساسية اليوم: المشاركة في تسيير الدولة داخل حدود الممكن تحت ضغط الحرب والاضطراب.
***
تحفل مسيرة لاريجاني، من خدمته في الحرس الثوري في شبابه إلى رئاسة الإذاعة والتلفزيون، وأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، ورئاسة البرلمان، بهوية «المفاوض الشرس والبارد». وقد وصفته بعض الوكالات الغربية بـ«صانع النفوذ»، مشيرة إلى دوره المحوري في إدارة «مجلس القيادة المؤقت»، وأن عودته في آب/أغسطس 2025 كانت إشارة إلى أن النظام قرر الركون إلى «الخبرة» بدل «المغامرة» في مواجهة التهديدات الخارجية والاضطرابات الداخلية.
في الخلاصة؛ قيمة لاريجاني لا تُقاس بما إذا كان “الأعلى” رتبة بل بكونه الأقدر على أداء ثلاث وظائف متزامنة:
-
إبقاء مؤسسات الدولة تعمل وهي تتلقى ضربات؛
-
حفظ توازنات النخبة من الانفجار الداخلي؛
-
ترك نافذة تفاوض، ولو ضيقة، تمنع الصدام الحالي من التحول إلى حرب بلا سقف.
إنها وظائف تنتج الاستمرارية في الدول. لذلك يبدو لاريجاني، بجدليته وشخصيته المركبة، عنوانًا لـ«عقل الدولة» لا أسطورتها؛ عقل يسعى إلى إدارة الضرر، وتقليل الخسائر، وتفكيك الأزمات إلى ملفات قابلة للمعالجة.
وفي هذه اللحظات الحساسة جدًا، ما بعد غياب المرشد الأعلى علي خامنئي، قد يكون هذا بالضبط ما يحتاجه النظام أكثر من أي شيء آخر: عقل ينجح في إبقاء الجمهورية الإسلامية قابلة للحكم وقادرة عليه، حتى لو لم يرق ذلك للرئيس الأميركي دونالد ترامب ومن معه، في الداخل الإيراني، من كارهي الجمهورية ونظامها الإسلامي.
