إنسحاب إسرائيل من لبنان.. صور فيتنام و”ذيل بين الأرجل”؟

Avatar18004/05/2020
تسلط الصحافة الإسرائيلية الضوء على صفحات من حقبة الإحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، وذلك لمناسبة الذكرى العشرين ليوم الخامس والعشرين من أيار/مايو 2000، تاريخ الإنسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من لبنان. كتب عاموس هرئيل تقريراً في "هآرتس" يعرض فيه لبعض صفحات تلك الحقبة.

أظهرت الصفحة الرئيسية في “هآرتس” صورة عائلة دافيد غرانيت قرب قبره في المقبرة العسكرية في جبل هرتزل، وقد بكرت في زيارتها السنوية للضريح طبقاً لتعليمات الحكومة الإسرائيلية في أيام كورونا. الملازم غرانيت، ابن مستوطنة عوفرا، قتل في اشتباك مع رجال حزب الله في جنوب لبنان في شباط/فبراير 1999، كان هذا أحد الأحداث المعروفة والصعبة في الفترة التي سبقت انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة الآمنة (2000). في هذا الحادث قتل ثلاثة ضباط، بينهم قائد دورية المظليين الرائد ايتان بلحسن. بعد أسبوع، قتل العميد ايرز غيرشتاين، قائد وحدة الارتباط مع لبنان. إن موت غيرشتاين في انفجار عبوة جانبية مع جنديين آخرين ومراسل “صوت إسرائيل” ايلان روعيه، سرّع في قرار انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، الذي استكمل بعد ذلك بسنة وثلاثة أشهر.

اشتباك دورية المظليين أثار أصداء كثيرة لسبب آخر. أصيب بلحسن وضابط آخر هو الملازم ليرز تيتو بصلية نيران لحزب الله أثناء تقدمهم داخل شق ضيق (أحد الوديان). غرانيت، قائد طاقم في الوحدة، قفز إلى داخل الشق لمساعدة المصابين فأصيب. أحد جنود الدورية، العريف، عوفر شارون، أخبر لاحقاً في مقابلة مع افيحاي بكر في “هآرتس” كيف تردد في النزول إلى الوادي برغم أن قائده غرانيت دعاه للمساعدة. “لقد عرفت أن الانقضاض الآن معناه الموت في حرب غبية. لم أتجرأ على النزول. عرفت أن من سينزل لن يعود. قصة “لا أؤمن بأن نكون في لبنان” سيطرت علي”.

شارون الذي اعتبر جندياً متميزاً ويحبه قائده، هو ابن السيدة دروريا شارون، من النشيطات البارزات في “حركة الأمهات الأربع”، الحركة التي أثارت تغييراً زلزالياً في المجتمع الإسرائيلي، وقادت الدعوات للانسحاب من لبنان. القضية أثارت عاصفة شعبية، وفي أعقابها أصدر الضابط اليعازر شتيرن، وهو حالياً عضو في الكنيست ورقة توضيح للقادة أدان فيها الجندي الذي لم يهاجم (شارون). ولكن في الوقت نفسه، عكست عمق الأزمة التي كان يعيش فيها الجيش الإسرائيلي، 17 سنة في حرب لم يطلب منه أحد أن يحسمها وينتصر فيها (…).

باراك وليفين

سلسلة الأحداث التي بدأت في كارثة الطائرات المروحية في شباط/فبراير 1997 وانتهت بقتل غيرشتاين (حل محله قائداً للمنطقة بني غانتس) بعد سنتين، أدت إلى تغيير تدريجي في الرأي العام الإسرائيلي. وقد أثرت أيضاً على قرار رئيس الحكومة إيهود باراك حول تنفيذ انسحاب أحادي الجانب من لبنان. وقبل باراك كان دعا إلى ذلك قائد المنطقة الشمالية في حينه عميرام ليفين.

ضابط خدم تحت إمرة الأخير، قال لـ”هآرتس”: لقد أعجبت بعميرام وقدرته كشخصية وقائد عسكري، لكن الحقيقة لم يكن هناك فائدة في مواجهة حزب الله. لم نكسب أي شيء عدا القليل من الشعور الجيد. هذا ذكرني بإحصاء الجثث الذي قام به الأميركيون مع قتلى الفيتكونغ في عمليات “ابحث ودمر في فيتنام”. هذه العمليات كانت جيدة لمعنويات الجيش الإسرائيلي. ولكن إذا غابت صافرة نهاية اللعبة، فلن يتغير شيء. الضابط نفسه الذي رفض ذكر إسمه يقول :”إذا لم تكن تعرف مدة بقائك هناك، وكنت فاقداً للخطة، فسينتصر من لديه المزيد من الوقت والصبر. في السنوات الأخيرة من المكوث في لبنان، نجحنا في خفض نسبة خسائرنا وهم خسروا أكثر. التجربة كانت محتملة، لكن هذا لم يغير شيئاً لأننا لم نسع إلى أي هدف”.

“إذا كان هناك شيء أغضبني في تلك السنوات فهو أن عميرام كان الوحيد الذي تجرأ على الوقوف علناً ضد استمرار التواجد هناك. معظم قادته وزملائه لم يريدوا الدخول إلى هذا الأمر. مأساة جنوب لبنان تبدأ بخوف السياسيين من عدم موافقة الجمهور على الانسحاب لأنه سيعتبر تخلياً عن سكان الجليل. وهي تنتهي بضغط من الجمهور حيث تسببت “حركة الأمهات الأربع” في انسحاب الجيش الإسرائيلي. هذا قرار كان يجب اتخاذه أصلاً دون صلة بالاحتجاج، استناداً إلى منطق عسكري”، يقول الضابط نفسه.

حزب الله يريدنا أن نبقى

أراد باراك في البداية ربط الانسحاب باتفاق سلام مع سوريا الذي تعيد إسرائيل في إطاره هضبة الجولان لسوريا. وعندما تعثرت الاتصالات مع الرئيس حافظ الأسد، صمم رئيس الحكومة على الإيفاء بوعده الانتخابي. كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وقسم الاستخبارات شككوا في قراره وحذروا من أخطار الانسحاب أحادي الجانب. رئيس الأركان شاؤول موفاز عارض بشدة (يجب القول في صالحه بأنه يعترف الآن بأن باراك كان محقاً). باستثناء ليفين، فإن عدداً قليلاً في قيادة الجيش العليا أيدوا الانسحاب. في الاستخبارات العسكرية سمع صوت وحيد هو صوت رئيس قسم الرقابة العقيد شلومو كاشي.

وقف كاشي خلال سبع سنوات على رأس جسم صغير باسم “العكس هو الصحيح”. كان هذا أحد دروس فشل حرب “يوم الغفران”، وتعيين ضباط مهمتهم إسماع صوت مختلف معارض للتفكير المقبول. وُصفت الأمور في “شفق الصباح” وهو كتاب للعميد احتياط عاموس غلبوع، الذي يوثق انسحاب إسرائيل من لبنان. “كاشي كان ضابطاً لامعاً، له تجربة بحث غنية. ورقة رقابته التي تطرق إليها باراك عرضت رؤية ثورية: حزب الله غير معني بخروجنا من لبنان، بل معني ببقائنا حتى يسفك دماءنا ويجعلنا ننزف ويعزز صورته كمحارب كبير أمام الجيش الإسرائيلي”.

تم توثيق كلمات الجندي جلعاد حداد من محادثة هاتفية مع والده في بيته بصفد: “كفى. انتهى لبنان”. بعد ذلك أخبرنا: “لقد بكيت طوال الطريق، أقسم بأنني بكيت. في النهاية، بقينا أقل من 15 شخصاً في الموقع. جنود جيش لبنان الجنوبي اختفوا، هربوا. كل واحد منا شاهد الموت بعينيه”

في النقاش الذي جرى في مركز تراث المخابرات في 2015، شرح كاشي: “قلت إن حزب الله لا يريد انسحابنا من لبنان؛ وأن كل عمل حزب الله يجب أن يحلل من زاوية أن حزب الله لا يريد انسحابنا من لبنان برغم أنه يعلن العكس. قالوا لي إن هذا سيكون أكبر إنجازات حزب الله إذا نجح في إخراج الجيش من لبنان”.

يضيف كاشي: “قلت سيكون هذا أكبر كوارثه، وسيفقد حقه في الوجود، المقاومة. انسحبت إسرائيل من خط الحدود، وهذا خلق مشكلة لحزب الله. قبل بضعة أشهر من الانسحاب، وصلتنا معلومات بأن حزب الله يقول في الغرف المغلقة إنه ضد انسحاب إسرائيل وإنه يخاف كثيراً منه ويريد التشويش عليه. خطّط للانسحاب في 7 تموز/يوليو، وتم تبكير الموعد إلى 24 أيار/مايو، لأن حزب الله خطط لإنهاء ذلك ونحن في ذروة الخسائر”.

كتب غلبوع في كتابه بأن “الفهم البارز أكثر هو حقيقة أن رئيس الحكومة اتخذ قراراته المبدئية بدون إشراك (أمان). الاستخبارات العسكرية غابت تماماً ومثلها الجيش عن مجموعات التخطيط لرئيس الحكومة قبل اتخاذ قرار الحكومة الوحيد في آذار/مارس 2000 حول الانسحاب من لبنان. وثمة مهزلة تاريخية بأن قرار الدخول إلى لبنان في صيف العام 1982 وكل المواقف السياسية المرتبطة بذلك اتّخذها المستوى السياسي (ارييل شارون ومناحيم بيغن) بدون الاهتمام بتقديرات الاستخبارات العسكرية”.

“كفى إنتهى لبنان”!

اهارون برنياع يجلس في منزله بـ”حولون” ويتحدث عن ابنه نوعم الذي كان عضواً في وحدة لإزالة الألغام، وقتل في انفجار عبوة قرب موقع البوفور (قلعة الشقيف) عشية يوم الكارثة في 1999. وهو يعلق على صدره شعار “الخروج بسلام من لبنان”، الذي أعطته إياه أمه. الأم الثكلى اورنا شمعوني تندفع إلى مؤتمر صحافي لرئيس الأركان شاوول موفاز في الصباح الذي أعقب الانسحاب، وتقوم بتهنئة الجنود والقادة؛ أما “مقاتلو لواء جفعاتي”، وفي نهاية زيارة خاطفة للموقع القريب من الجدار الحدودي، فقد شرحوا لنا بأنه “لا أحد يريد أن يكون الجندي الأخير الذي سيقتل في لبنان”.

القائد تمير يدعي، هو حالياً قائد الجبهة الداخلية. في حينه (2000)، كان قائد كتيبة شاب في محور العيشية – الريحان، الذي كان يستخدم في وقت فراغه كرة من البلاستيك للضغط عليها في محاولة لمعالجة كف يده التي أصيبت في اشتباك سابق في الخليل. ومقابله قائد الفرقة ايفي ايتام، الذي ظهر وكأنه خرج من فيلم عن حرب فيتنام، شخص بدأ بمحادثة في الخلفية مع مراسل في الساعة الثانية فجراً وهو يفتح رسائل بسكين الكوماندو الحادة.

الصور كثيرة: موشيه كابلنسكي، وقائد اللواء تشيكو تمير، يدخلان للحديث مع المظليين في موقع الطيبة قبل الانسحاب (خطاب كابلنسكي الذي تكرر من موقع إلى موقع، موثق بدقة في كتاب رون ليشم “إذا كانت هناك جنة”)؛ بني غانتس وقائد “جيش لبنان الجنوبي”، الجنرال انطوان لحد، يتحدثان مع جنود “جيش لبنان الجنوبي” في موقع صغير متقدم في القطاع الغربي، ويشير غانتس عند خروجه إلى أن جنديين “كانا مسطولين تماماً”. بالطبع الخروج نفسه: جنود الكتيبة 13 للواء “جولاني” ينزلون من ناقلة جند مصفحة بعد عودتهم إلى البلاد من بوابة عيجل قرب المطلة.

في دفتر مذكرات من تلك الفترة، تم توثيق كلمات الجندي جلعاد حداد من محادثة هاتفية مع والده في بيته بصفد: “كفى. انتهى لبنان”. بعد ذلك أخبرنا: “لقد بكيت طوال الطريق، أقسم بأنني بكيت. في النهاية، بقينا أقل من 15 شخصاً في الموقع. جنود جيش لبنان الجنوبي اختفوا، هربوا. كل واحد منا شاهد الموت بعينيه”.

تحلق فوق الجميع صورة ايرز غيرشتاين، طويل القامة، الواثق من نفسه وسليط اللسان. في تموز/يوليو 1998، على سطح موقع الريحان، قال للمراسلين إن المظاهرات من أجل الانسحاب أحادي الجانب “تخلق تهديداً على حياتي وحياة جنودي”. وعندما توسل إليه ممثل المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي أن يضبط لسانه، رفض غيرشتاين.

في نهاية شباط/فبراير 1999، وبعد أسبوع بالضبط على موت الضباط من دورية المظليين، قتل غيرشتاين https://bit.ly/2KXHiqQ.

في ذلك المساء، قال باراك، في مقابلة مع القناة الثانية، بأنه إذا فاز في الانتخابات سيسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان خلال سنة من تشكيل حكومته. الإعلان الذي حصل على تأييد الجمهور يبدو أنه غيّر وجهة الحملة الانتخابية. فاز باراك حقاً بعد شهرين وانتصر على بنيامين نتنياهو ووفى بوعده.

الجندي الأخير خرج من لبنان في صباح 24 أيار/مايو 2000. بالمناسبة، رسمياً كان ذاك هو رئيس الأركان بني غانتس الذي وثقه المصورون وهو يغلق البوابة من خلفه. في اليوم التالي، نشر في “هآرتس” كاريكاتير لعامس بدرمان، يظهر فيه ضابط وهو يغلق البوابة. ولكن لزيادة الضمان يضع المفتاح تحت صخرة في الجانب الإسرائيلي من الحدود.

 القصة لم تنته بالانسحاب، ولم تنته على الإطلاق بهذه الصورة. بعد أربعة أشهر اندلعت الانتفاضة الثانية في المناطق (الضفة). نسبها اليمين إلى الثقة التي راكمها الفلسطينيون إزاء إظهار الضعف من قبل الجيش الإسرائيلي. شارون شيطوفي، أحد جنود “جولاني” الذين تم تصويرهم وهم يبتسمون على حاملة الجنود المصفحة التي يرفرف عليها علم إسرائيل أثناء الانسحاب من لبنان، قتل في تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها في حادثة إطلاق نار في قرية في جنوب قطاع غزة. وبعد ست سنوات جاءت حرب لبنان الثانية.. خطابات تاريخية أخرى، غزو حماسي آخر، وبعده انسحاب مع ذيل بين الأرجل وكأننا لم نتعلم ولم ننس”. (المصدر “هآرتس”، ترجمة 180)

Avatar

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course