بين روسيا وسوريا… صراع أوليغارشيات

مثيراً للاهتمام يبدو التزامن بين الظهورين المفاجئين لرامي مخلوف، وانتقاداته العلنية النادرة للأجهزة الأمنية، وبين سلسلة التقارير التي نشرتها بعض المنصات الاعلامية الروسية في الآونة الأخيرة، والتي تضمنت انتقادات لاذعة لرمز النظام السوري الرئيس بشار الأسد، من بوابة الفساد الذي فاقم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها سوريا، والتي يجمع المراقبون على وصفها بأنها "غير مسبوقة".

بعيداً عن كون العلاقات السياسة بين روسيا وسوريا تتسم بطابع استراتيجي يتجاوز صراعات المصالح الاقتصادية بين حيتان الاقتصاد والمال في كلا البلدين، وهو ما يجعل من المنطقي استبعاد ما يُروَّج له من انقلاب في موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه نظيره السوري بشار الأسد، فإنّ صراع المصالح الاقتصادية هذا قد يُنتج في نهاية المطاف تأثيراً معيَّناً، إذا ما اخذنا في الاعتبار أن السياسة هي اقتصاد مكثّف.

مع ذلك، فإنّ المنطق الجدلي في العلاقة بين السياسة والاقتصاد في الحالة السورية يبقى محكوماً بعناصر معقدة ومتشعبة تجعل الاسقاطات التحليلية لصراع المصالح بين الاوليغارشيتين الروسية والسورية من جهة، وبين الجانب الاستراتيجي من التحالف الروسي – السوري من جهة ثانية، تعاني من خلل جوهري ينفي ـ ولو مرحلياً – ما يُبشّر به البعض من تحوّل كبير في سياسة الكرملين تجاه سوريا، والعكس صحيح.

ولكنّ تكشُّفَ صراعات عالم الأعمال بحد ذاته، يمثلُّ عنصراً جديداً يُلقي بظلال قاتمة ليس على مستقبل العلاقات بين روسيا وسوريا فحسب، بل على الجوانب السياسية الداخلية في كلا البلدين، اللذين يتقاسمان في هذا الصدد الكثير من القواسم المشتركة في طبعية الحكم، القائم على علاقة نفعية متبادلة بين السلطة السياسية والأوليغارشية، من ناحية، ومحاولة الاولى التحرر من الثانية في مقابل محاولة الثانية فرض وجهتها على الأولى، من ناحية ثانية.

ضمن هذا النمط المركّب والكثير التعقيد، يمكن النظر إلى كلٍّ من يفغيني بريغوجين في روسيا، ورامي مخلوف في  سوريا، باعتبارهما نموذجاً لتلك التركيبة المعقّدة التي باتت تشكل عنصراً ضاغطاً على كل من الرئيسين فلاديمير بوتين وبشار الأسد، إن في العلاقات الداخلية المؤثرة في منظومة الحكم، والتي تتسم بصراع حاد، ظل خفياً حتى فترة ليست ببعيدة، بين النخبة الاقتصادية والنخبة العسكرية – الامنية، أو في محاولات السلطة السياسية إدارة هذا الصراع بالكثير من الحذر على نحو لا يؤدي إلى سقوط المنظومة الحاكمة برمّتها.

السبب الرئيسي في الاضاءة على الثنائي بريغوجين – مخلوف يكمن في أن الرجلين أخرجا بعضاً ما في الصندوق الأسود إلى العلن، في خطوة ظاهرها طوعي، وأما باطنها فهو بلوغ صراع الأوليغارشيات على الأرض السورية مستوى غير مسبوق من التناقضات التي تعذَّر على السلطة السياسية في سوريا وروسيا احتواؤها بالشكل الذي كان معتمداً في السابق.

والحال أن كلاً من يفغيني بريغوجين ورامي مخلوف اتخذا قرار الهجوم  بشكل متزامن تقريباً، وكلاهما أيضاً اختار “الضرب تحت الحزام”، ولو بأدواتٍ مختلفة، تجمعها بعض القواسم المشتركة، في الشكل والمضمون.

في 14 نيسان/ابريل الماضي، كانت البداية مع بريغوجين، حين انبرت امبراطوريته الاعلامية، وفي القلب منها “وكالة الانباء الفدرالية” (“ريا-فان”)، إلى نشر سلسلة من التقارير المتضمنة انتقادات غير مسبوقة لبشار الأسد من بوابة الفساد الاقتصادي داخل سوريا.

الملفت للانتباه أن كل التقارير المنشورة – التي حُذفت بعد أيام في ما يشي بتدخل سياسي مباشر لاحتواء ما أثارته من تأويلات حول انقلاب في الموقف الروسي من سوريا،  لا بل أنها استُتبعت بتقارير مغايرة أحدثها جاء بعنوان “أعداء سوريا الخائفون من نجاحات الأسد يشنون حملة لتشويه سمعته” (!) – ركزت على فكرة موحدة يمكن قراءتها إما مباشرة وإما بين السطور، وهي التصويب على رجال أعمال سوريين كبار، أمثال عائلتي مخلوف وقاطرجي، بوصفهم مسؤولين عن عرقلة دخول الشركات الروسية إلى سوريا، ومحاولة دق اسفين بين اطراف القيادة السورية نفسها، عبر استحضار أسماء شخصيات مثل ماهر الأسد أو سهيل الحسن أو عماد خميس.

تقارير “ريا-فان” التي اثارت الجدل، تبعها مقالٌ نشره الدبلوماسي الروسي السابق الكسندر اسكينيوك في صحيفة “كومرسانت”، وأعاد “مجلس العلاقات الخارجية الروسية” (مؤسسة بحثية) نشره على موقعه الإلكتروني، باعتبار أن كاتبه يشغل منصب نائب الرئيس فيه، وتطرق فيه إلى سيناريو افتراضي خلاصته ان الضغوط التي تواجهها سوريا حالياً في الاقتصاد، بجانب تعطّل الحل السياسي، سيفضي إلى توافق روسي-ايراني-تركي على تنحية الأسد.

قبل الدخول في خلفيات التقارير التي نشرت مؤخراً، لا بد من الإشارة إلى أن الفخ الذي وقع فيه المحللون خلال الأيام الماضية، يتمثل في أن تعاملهم مع ما ورد فيها باعتباره معبّراً عن موقف القيادة الروسية، أخذاً في الحسبان أن بريغوجين هو أحد المقرّبين من الكرملين، وأن مجلس العلاقات الخارجية، هو إطار شبه رسمي لرسم السياسات الروسية.

الخطأ في المقاربة هنا مزدوج، ويمكن اختزاله بعنصرين ربما غابا عن متلقفي التقارير المذكورة، اولهما أن اكسينيوك من الشخصيات المعروفة بنظرتها النقدية للنظام السوري منذ فترة طويلة، وثانيهما أن التقارب بين بريغوجين والكرملين لا يكفي للقول إن ما نُشر في منصته الاعلامية يعبّر عن وجهة نظر رسمية أو حتى اعتباره رسائل مبطنة من الكرملين، وهو ما يمكن تلمسه في طبيعة العلاقة بين رجل الاعمال الروسي والسلطة السياسية.

ومن المعروف أن بريغوجين رجل أعمال بدأ مسيرته في لينينغراد (سانت بطرسبورغ) في ثمانينيات العقد الماضي، وتحوّل إلى أحد أبرز أقطاب الاعمال الروس، ومن أصحاب النفوذ، حتى باتت علاقته مع الكرملين تتسم بطابع نفعي تبادلي يقدّم هو من خلاله سلة من أدوات التأثير الدولي، ويفوز، في المقابل، بمناقصات حكومية ضخمة للغاية، بما في ذلك مصالح اقتصادية خارجية في مناطق النفوذ الروسي (سوريا، شرق أوكرانيا، ليبيا، افريقيا الوسطى)، وابرزها على الاطلاق شركة “فاغنر” التي توسع نشاطها من الشق الأمني المتمثل في حماية المنشآت إلى الاستثمار المباشر فيها (كما هي الحال في سوريا – راجع تقرير “180” المعنون: فاغنر من حماية المنشآت النفطية إلى استثمارها).

وبرغم نفوذه الهائل، إلا أن علاقات بريغوجين بالسلطة الحاكمة في روسيا، ولا سيما الفرع العسكري-الامني، غالباً ما طرحت أكثر من علامة استفهام، بلغت ذروتها حين تناولت تقارير اعلامية في العام 2017، بعضاً من ملابسات حادثة مقتل عشرات المقاتلين التابعين لـ”فاغنر” في هجوم أميركي في دير الزور في شرق سوريا، اذ تردد حينها أن الشركة الامنية طلبت مؤازرة عسكرية من القيادة العسكرية الروسية في سوريا، وهو ما قوبل بالرفض لكون عملياتها “غير نظامية”، وهو ما استُشِّف منه حينها نوعٌ من محاولة تلقين بريغوجين درساً قاسياً بعد تجاوزه الحدود المرسومة له.

ومع أن المعلومات التي تداولتها المنصات الاعلامية الروسية بشأن ما جرى في دير الزور لا يمكن تأكيدها – أو نفيها – بالنظر إلى حساسية مثل هذه القضايا في روسيا، إلا أن مجرّد اثارتها على هذا النحو يمكن ادراجه في إطار مقولة “لا دخان من دون نار”.

أما اليوم، فثمة معلومات موثوقة تشير إلى أن بعض مصالح بريغوجين في سوريا قد تضررت في الفترة الأخيرة، وبعض ذلك مرتبط بتسليط النظام الضوء في الآونة الأخيرة على النشاط المريب لكبار رجال الاعمال السوريين، ومن بينهم رامي مخلوف، ممن يعتبرون بوابة الوساطة الرئيسية – وربما الوحيدة – لدخول الشركات الروسية إلى الميدان الاقتصادي السوري.

هذا ما يفسر على سبيل المثال، أن كافة التقارير التي وردت في “ريا-فان” توحي بأنّ الهدف منها هو اصابة أكثر من عصفور بحجر واحد، وذلك وفق عدد من الفرضيات التي ما زال من الصعب تأكيد أيّ منها.

الفرضية الأولى، أن يكون الهجوم الاعلامي محاولة من بريغوجين للانتقام من النظام السوري، بعد تراجع اعماله بسبب بعض الاجراءات الحكومية، أو بسبب التضييق الرسمي على شخصية مثل رامي مخلوف، شريك بريغوجين وخصمه في آنٍ واحد.

الفرضية الثانية، أن يكون الهدف من التصويب على رجال الأعمال السوريين “الفاسدين” الذين عرقلوا نشاط الشركات الروسية في سوريا – وهذا ما تبدى بشكل واضح في كافة التقارير المنشورة –  تسمية رامي مخلوف – وهو أحد هؤلاء “الفاسدين” الذين نالوا نصيبهم من الهجوم الاعلامي، وهو يُعد رجلَ بعضٍ أجنحة النخبة الاقتصادية الروسية (مع العلم أن آخرين باتوا ينافسونه على هذا الموقع)، طالما أن مخلوف قد ينتهي به المطاف إلى أن يتحوّل إلى ورقة محروقة؛ أو أن التناقض بين الأوليغارشي السوري ونظرائه الروس ممن كانوا حلفاءه بالأمس قد بلغ مستوى الذروة.

الفرضية الثالثة، أن يكون هجوم بريغوجين منسقاً مع جهات تنتمي إلى النخبة الاقتصادية في الكرملين، للضغط على الحكومة السورية لتسهيل مصالح معينة، كصفقات اقتصادية معطّلة، أو حتى تسديد فاتورة بعض من الدين الروسي لسوريا، ولكنه سرعان ما قوبل بهجوم مضاد من النخبة العسكرية –الامنية في الكرملين، بالنظر إلى التداعيات السلبية للحملة الاعلامية على العلاقة الاستراتيجية بين روسيا وسوريا، وهو ما قد يفسر حذف التقارير لاحقاً – بما يشمل استطلاع رأي أشار إلى تدهور شعبية الأسد نشره مركز دراسات مقرّب من بريغوجين – واستبدالها بسلسلة تقارير تضيء على نجاحات الأسد، إن على المستوى الاقتصادي أو على مستوى الحرب على تجارة المخدرات والإرهاب.

قد يكون ما يجري مع رامي مخلوف محاولة من القيادة السورية لاستنساخ “الكاتالوغ” الروسي لإدارة الصراع مع الاوليغارشيين

ثمة مؤشرات قد تجعل الفرضيات الثلاث السابقة مُجتمعةً صحيحة في بعض جوانبها، بصرف النظر عن التفاصيل، أخذاً في الحسبان أن رجل اعمال على شاكلة بريغوجين ينتمي إلى فئة من الأوليغارشيين الروس المعروفين بدرجة عالية من البراغماتية قياساً إلى نظرائهم من اوليغارشيي التسعينيات، وهذه البراغماتية سمحت لأوليغارشيي اليوم بأن يظلوا في منأى عن الإجراءات العقابية التي انتهجها الكرملين منذ بداية حقبة بوتين في التسعينيات، ضمن موجة تطهير واسعة النطاق طالت أولئك الذين عاثوا في روسيا فساداً في عشرية بوريس يلتسين السوداء.

انطلاقاً من التوصيف السابق، لا يجد شخص مثل بريغوجين مشكلة في أن يدير علاقته مع مفاصل السلطة السياسية ضمن قواعد اللعبة المتوافق عليها من قبل الجميع، والتي يدرك فيها أن تجاوز الخطوط الحمراء سيجعله نسخة ثانية من ميخائيل خودوركوفسكي أو غيره من الاوليغارشيين الروس الذين لحقت بهم “لعنة” استعادة الدولة الروسية قوتها في عهد بوتين.

وفي المقابل، فإنّ السلطة السياسية في روسيا لن تجد مشكلة في أن تبقي على علاقة سليمة مع هؤلاء الاوليغارشيين طالما أن المصلحة متبادلة، ولم تتأثر بأية محاولة لتجاوز الخطوط السياسية الحمراء.

قد تكون التجربة الروسية ملهمة للرئيس السوري، وهو ما يقود إلى قراءة مغايرة لحالة رامي مخلوف، الذي حاول مراراً وتكراراً تجاوز الخطوط الحمراء، سياسياً واقتصادياً، وأثار ريبة القيادة السورية، لا سيما في جناحيها العسكري والامني، بعدما راح يسخّر ثروته الضخمة في انشطة سياسية (محاولة تأسيس حزب رديف للحزب السوري القومي الاجتماعي على سبيل المثال)، أو انسانية ذات طابع سياسي (جمعية البستان)، بما يمنحه نفوذاً متزايداً سمح له باستثمار تزاوج السلطة والمال، لتكريس نفسه لاعباً لا شريك له في المنظومة الاقتصادية السورية، تماماً كما فعل اوليغارشيو روسيا في التسعينيات.

بهذا المعنى، قد يكون ما يجري مع رامي مخلوف محاولة من القيادة السورية لاستنساخ “الكاتالوغ” الروسي لإدارة الصراع مع الاوليغارشيين، تمهيداً لتحييد اوليغارشيين “مارقين” (كما حدث في السابق في روسيا مع خودوركوفسكي)، في مقابل تنظيم العلاقة مع أوليغارشيين “براغماتيين” (كما هي الحال اليوم في روسيا مع بريغوجين)، ما يشي بأن ثمة معركة داخلية حادة بدأت تدور رحاها في سوريا خلال المرحلة الفاصلة بين الحرب والسلم، وإن كانت هذه المعركة محفوفة بمخاطر جمّة، أخذاً في الحسبان الوضع الاقتصادي الحساس في سوريا، والمناخ القاتم في الاقتصاد العالمي.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
online free course