لكم نرفع القبعة

تعظيماً وبكل فخر، نرفع القبعة لكم، وأنتم الآن في زمن الكورونا أريتمونا نماذج من التضحية والشجاعة في ميادين العمل الطبي ـ الاجتماعي – الاسعافي - التطوعي. نماذج يستحق أصحابها أن نطلق عليهم لقب الجنود المجهولين. وسأقصر كلامي هنا على ما عاشه هؤلاء من تجربة رائدة تستحق رفع التحايا.

نعم، نحن لدينا هذا النموذج الذي يستحق أن نرفع له القبعة في وزارة الصحة اللبنانية، وخاصة قسم الوقاية والترصد الوبائي، كما الممرضين والممرضات المختصين والمتدربين على كيفية التعاطي مع الأوبئة المعدية.

نعم نرفع لكم القبعة، وقد تركتم عائلاتكم وارتأيتم ان تُلزموا أنفسكم بالدفاع عن الوطن في مواجهة هذا العدو الذي لا يفرّق بين أحد وآخر.

 نعم، أنتم خط الدفاع الأول، مثلكم مثل الجنود القابضين على الزناد للدفاع عن الوطن. نفتخر بكم أيها الجنود المجهولين الذين لا تعرفكم الناس ولا تعرف ما الذي تقومون به. فالقليلون هم من يعرفون أن الممرضين والممرضات داخل قسم الكورونا اختاروا أن يعزلوا أنفسهم مع المحجورين والمعزولين داخل المستشفى، كي يأمن باقي المجتمع من العدوى. أما قسم الترصد الوبائي في وزارة الصحة اللبنانية الذي لا يعرفه الكثيرون، فلهم الدور الأكبر في الحد من الإنتشار الواسع لهذا الوباء. لدينا أيها اللبنانيون علماء أوبئة لا تعرفون عنهم شيئا لأنهم يعملون بصمت وبدون ضجيج، متخصصون في علم الأوبئة  Epidemiolog ، متدربون على كيفية التحرّي والتقصّي حول الوباء وكيفية محاصرته.

في قسم الترصد الوبائي هناك رئيسة لهذا القسم تستحق أن نرفع لها القبعة لأنها عملت على تدريب فريقها تدريباً لا مثيل له في المنطقة، وهذا ما ثبت من خلال جدارتهم في التعامل مع هذا الاستحقاق الوبائي، من دون أن ننسى ما قام به المدير العام في الوزارة في مساندة مسؤولة الفريق في تطوير فريقها وتدريبه للوصول الى مستوى الخبرة العالمية والجدارة العالية. خبرة وجدارة جعلتا أفراد هذا الفريق يشاركون في تدريبات دولية عديدة مع منظمة الصحة العالمية، والتعامل مباشرة مع الأوبئة التي ضربت بعض الدول، لدرجة أنه أصبح مرجعية تثق بها منظمة الصحة العالمية وتعتمد عليها لمساعدة الدول التي ليس لديها برنامج ترصد وبائي. فشارك بعضهم في الفيليبين عام 2014 لمساعدة الدولة هناك على بناء برنامج ترصد وبائي بعد إعصار “هيان”. وعندما بدأت فاشية الإيبولا في غينيا وسيراليون في غرب أفريقيا عام 2015 كان قسم من هذا الفريق موجودا هناك أيضا لمساعدة الدولتين على وضع برنامج خاص لمنع انتشار فاشية “الإيبولا”.

نعم، بفضل عمل هذا القسم، أصبح لبنان جزءاً من شبكة منظمة الصحة العالمية تطلب مساعدته عند الإعلان عن أي وباء عالمي. وضمن برنامج “غورن” الموجود في جنيف، كان هذا الفريق مخوّلا للمشاركة في العمل الحقلي والمشاركة في التدريب، لأنه مدرب خير تدريب لمواجهة أي حالة طارئة أو فاشية عالمية.

ومن الثقة العالية بهذا الفريق، فقد تم إرساله من قبل منظمة الصحة العالمية –  طبعاً عبر وزارة الصحة اللبنانية – ضمن برنامج “أمرو” الى دول مثل المغرب والأردن من أجل تقييم برامج هذه الدول حول الترصد الوبائي.

نعم، لا أحد من اللبنانيين يعرف أن لدينا في وزارة الصحة اللبنانية فريق ذو ثقة عالمية على صعيد الترصد الوبائي، وأن هذا الفريق معتمد لدى منظمة الصحة العالمية كفريق مدربين أيضا وليس فقط كمتدربين، كما أن أعضائه مشاركون في مؤتمرات عالمية أخرى تنشر فيها أبحاث خاصة مثل المؤتمر السنوي الذي تقيمه “سي دي سي” مركز البحوث الأميركي، وكذلك “سي دي سي” الأوروبية في تدريب ضمن برنامج “ميد بيات” لمدة سنتين كمتخصصين في العمل الحقلي في علم الأوبئة، إضافة الى المشاركة في مؤتمرات أوروبية أخرى.

لكل من لا يعرف ماذا يصنع هؤلاء أو ينتقد عملهم، أقول لهم بأنكم بأمان مع وجود هذه النخبة من العاملين بصمت وبدون كلل. الآن هم يداومون في مستشفى الحريري الحكومي من دون عدّاد ساعات، هم يصلوُن النهار بالليل ولا يشكون من عملهم لأنهم يخدمون وطنهم. هم على الجبهة فعلا كالجنود، والمقاومين  يترصدون ويتحرون ويضعون المصابين وكل من له علاقة بهم ضمن سلسلة يتبعون حلقاتها حلقة حلقة كي يقفوا على معرفة أين هي العدوى وأين انتشرت العدوى، ومن نشرها، ومن ثم لملمة المعطيات ضمن دراسة أبدميولوجية دقيقة.

فألف تحية لكم أيها الجنود المجهولون، ثقتنا بكم كبيرة وأنتم فعلاً خط الدفاع الأول عنّا جميعاً..

(*) أستاذة جامعية (علوم اجتماعية)

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download