لبنان في مطلع 2026: قراءة فرنسية في مسار الحكم والتحولات الإقليمية

في بداية السنة الجديدة، كيف يبدو المشهد اللبناني من المنظار الفرنسي في ظل المتغيرات التي استجدّت على مدار العام المنصرم، داخليًا مع «مسار الحكم اللبناني الجديد»، وإقليميًا مع «التحولات العميقة» السورية والإسرائيلية والإيرانية، ودوليًا مع «الاندفاعة غير المسبوقة» الأميركية؟

مع نهاية العام الماضي وبداية السنة الجديدة، كان الملف اللبناني بكل تفاصيله وتداعياته حاضرًا في التحركات الدبلوماسية الفرنسية المتعددة، أكان مباشرةً في إطار نشاطات موفديها (وزير الخارجية السابق جان – إيف لودريان والمستشارة الرئاسية آن – كلير لوجاندر) واللقاءات التي شهدتها باريس (أبرزها الاجتماع اللبناني–الأميركي–الفرنسي–السعودي)، أم على صعيد غير مباشر من خلال الاتصالات التي جرت على هامش الاجتماع السوري–الإسرائيلي والاجتماع السنوي للسفراء الفرنسيين المعتمدين في العالم.

ما هي الأجواء التي تكوّنت حيال مستقبل الأوضاع اللبنانية؟

في البداية، توضّح الأوساط المتابعة لهذه التحركات الدبلوماسية بأنها تعي جيدًا أن كثيرين يتساءلون حول حقيقة نوايا فرنسا حيال لبنان، وحجم دورها ومدى فاعليته في ظل الموقف العدائي الإسرائيلي حيال باريس والاندفاعة الأحادية الأميركية. وهي تسارع إلى التشديد على أن هدف فرنسا ليس المحافظة على مصالح اقتصادية أو تجارية، ذلك أن حجم المبادلات بين فرنسا وبلدان أخرى في المنطقة يفوق أضعافًا وأضعافًا، وإلى حد كبير، ما هو عليه مع لبنان.

وفي هذا الإطار، تتوقف هذه الأوساط عند فارق أساسي يميّز اهتمام فرنسا بلبنان عن غيرها من الفرقاء المعنيين؛ ففي وقت تهتم الولايات المتحدة بالوضع اللبناني عبر المصلحة الإسرائيلية، وتنظر المملكة العربية السعودية إلى بلد الأرز من خلال منظار النفوذ السياسي الإقليمي وعودة حضورها في المشهد السوري، فإن باريس، من جهتها، تهتم بلبنان لذاته، ونظرتها إليه بكيانه لنفسه وبمجمل مكوّناته، معتمدة حياله «سياسة منفتحة ومتوازنة ومستدامة».

استضافة بيروت قمة فرنكوفونية في 2028؟

وترى هذه الأوساط أن الاهتمام الفرنسي بلبنان نابع من استراتيجية متعددة الجوانب. أولها أمنيّ متوسطيّ، والحرص على المحافظة على الاستقرار المستدام للوضع اللبناني لما له من أثر على محيطه وتثبيت متانة الشراكة الفرنسية–المتوسطية. ثانيها مشاركة لبنان فرنسا بعدد من المبادئ والقيم المشتركة. ثالثها تمتين الحضور الثقافي والفرنكوفوني (كشف النقاب عن نية لبنان الدعوة إلى استضافة القمة الفرنكوفونية سنة 2028، وكانت بيروت سبق لها أن شهدت انعقاد قمة فرنكوفونية عام 2002). ورابعها العلاقات العاطفية الخاصة والمميّزة التي تجمع بين الشعبين الفرنسي واللبناني (أشارت هذه الأوساط إلى لفتة، وإن كانت رمزية، وردت على لسان الرئيس إيمانويل ماكرون لدى حديثه في قصر الإليزيه أمام السفراء الفرنسيين المعتمدين في العالم، عند توقفه عند الوضع في منطقة الشرق الأوسط وذكره عددًا من البلدان، فقد خصّ لبنان بإضافة وصف لم يطل أي بلد آخر، حين وصفه بالبلد «العزيز»).

ماذا عن التقويم الفرنسي لمسار الحكم اللبناني خلال عامه الأول؟

وصلت إلى مسامع باريس الانتقادات السياسية والإحباطات الشعبية التي تصاعدت وتيرتها في المدة الأخيرة، أكان حول «التباطؤ والمماطلة» في تنفيذ مندرجات قرار الحكومة المتعلق بحصرية السلاح، أو على صعيد تبنّي مشروع قانون الفجوة المالية وتحقيق الانتظام المالي ومعالجة أموال المودعين.

إلا أن هذه الأوساط تردّ بأنه يكفي لهؤلاء المنتقدين التوقف ولو للحظة، والتطلع إلى الوراء، إلى ما كان عليه «الوضع المزري والخطير» قبل عام واحد فقط، وما تحقق من إنجازات جوهرية خلال أشهر محدودة: من انتخاب رئيس جديد للجمهورية وملء الفراغ الدستوري، إلى تأليف حكومة مكتملة الصلاحيات مع وجوه جديدة بدأت بعضها بإثبات قدراتها، وصولًا إلى اتخاذ جملة قرارات أساسية حول عدد من المواضيع الحساسة، كحصرية السلاح، والإصلاحات الاقتصادية والمالية، وملء الشواغر، وإصدار التشكيلات القضائية والدبلوماسية والأمنية، وتعيين الهيئات الناظمة، بشكل يؤمّن إعادة إطلاق مسيرة الإدارة وانتظام عمل مؤسساتها وتسيير شؤون الدولة والناس.

وتشير هذه الأوساط إلى أن «المنظومة المتشبثة والمتجذّرة» القائمة منذ أعوام طويلة، والمتضررة من سلسلة القرارات الحكومية، والممتدة إلى أوساط متعددة داخل المجتمع، والمرتبطة بشبكة مصالح فردية وفئوية، تحاول وضع العقبات أمام تقدّم مسار قطار الدولة وانتظام عمل مؤسساتها. وفي هذا الإطار، تشدّد هذه الأوساط على أن عملية النهوض يجب أن تكون متكاملة، بحيث تكون كل عربات القطار مترابطة، من سيادية أمنية، إلى إصلاحية مالية، إلى عدالة اجتماعية، إلى ديناميكية إدارية، وصولًا إلى إعمار ما تهدّم، على أن تُحترم فيها معايير الشفافية والنزاهة والمهنية، بعيدًا عن سلوكيات الفساد والمحسوبية والفئوية.

وهنا توجّه هذه الأوساط أكثر من رسالة في أكثر من اتجاه:

أولًا، إلى المتشبثين بالمواقف المتصلبة والمتشددة حيال تمكين الدولة من تنفيذ قرار حصرية السلاح (الثنائي الشيعي)، دعوة إلى «القراءة الصح» في الوقائع والحقائق، أكان على صعيد مندرجات اتفاق وقف العمليات العدائية، التي لا تقتصر على جنوب نهر الليطاني بل تتعدّاه إلى شماله وتشمل بقية المناطق، أو على صعيد الأخذ في الاعتبار المتغيرات الإقليمية والدولية العميقة وتصرفات من بيدهم القرار، وإمكان قيامهم بضربات «موجعة وقاسية وحاسمة». ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتبر أنه يمتلك كل الأوراق، ولن يتخلى عن أي واحدة منها قبل حصوله في المقابل على مكتسبات، كما أن تطور الأمور عسكريًا على الأرض مرتبط بأجندته السياسية الداخلية الانتخابية وحساباته الشخصية، وليس بإمكان أحد التنبؤ بالخطوات التي يمكن أن يقدم عليها.

ثانيًا، دعوة، في المقابل، إلى الفريق المتحمّس والمطالب بالإسراع وعدم المماطلة إلى المزيد من وعي الواقع، على قاعدة أن من بيده السلاح لن يتخلى عنه من دون مقابل، وبالتالي الحصول على ضمانات وتحقيق مكتسبات. صحيح أن هناك مهمة خارجية لهذا السلاح (بفعل الامتداد الإيراني وتمسّك طهران بهذه الورقة الحيوية أكثر من أي وقت مضى بعد الخسائر التي مُني بها محورها)، إلا أن مستلزماته الداخلية اللبنانية حاضرة أكثر من أي وقت مضى، أكان بفعل التخوف من العدائية المستجدة ما وراء الحدود السورية، أو على صعيد تعزيز الدور الشيعي الفاعل ضمن تركيبة النظام اللبناني.

إقرأ على موقع 180  ثنائي بايدن ـ فرنسيس والحوار مع إيران.. متى وكيف؟

من هنا الدعوة مزدوجة: من جهة، للتخلي عن التشدد واللعب على عامل الوقت، أو إعطاء الذريعة لأي تطورات أمنية وعسكرية دراماتيكية، أو انتظار «تسويات أو صفقات ما» قد تأتي على حساب الفريق اللبناني؛ ومن جهة أخرى، معالجة الهواجس الداخلية عن طريق حوار مباشر وهادئ ومنفتح، بعيدًا عن أجواء الشحن والتشنج والتحدي والمواجهة.

فاعلية التنسيق الفرنسي–الأميركي–السعودي

في كل الأحوال، فرنسا ماضية في «تحركها العملي» من خلال تكثيف اتصالاتها وتفعيلها من أجل تهيئة ظروف انعقاد القمة المخصصة لدعم القوات المسلحة اللبنانية وتعزيز قدراتها (الجيش وقوى الأمن الداخلي) وتأمين شروط نجاحها. ويبدو أن هناك اقتراحين لموعدين، الأول في نهاية شباط/فبراير، والثاني في بداية آذار/مارس المقبل، ولم يُحسم نهائيًا اختيار المكان، وإن كانت باريس قد أعربت عن استعدادها للاستضافة، لكنها تسعى إلى ضمان الرعاية السعودية الفاعلة لها، وإن تطلّب الأمر استضافة الرياض للمؤتمر. ذلك أن هناك تخوفًا من أن يكتفي المشاركون بإعلان نوايا المساعدة، والتباطؤ في تنفيذ الالتزامات، خصوصًا أن هناك حاجة ملحّة لتوفير الدعم المالي واللوجستي لتمكين القوات المسلحة اللبنانية من الإسراع في بسط سلطة الدولة وسيادتها على أرضها، بدءًا من المرحلة الثانية لخطة حصرية السلاح.

أما بالنسبة إلى القمة المخصصة للدعم المالي والمساعدة في عملية النهوض الاقتصادي، فيبدو أن الانتظار هو سيد الموقف. فعودة الثقة مرتبطة بتقدم فعلي في اتخاذ الخطوات الإصلاحية البنيوية، وإقرار مجلس النواب لمشاريع الحكومة، ولا سيما قانون الإنتظام المالي (أو الفجوة المالية).. من هنا تُكثّف باريس اتصالاتها لحضّ مجلس النواب على إقرار المشاريع الإصلاحية للحكومة.

على صعيد آخر، تُظهر فرنسا استعدادها لمتابعة مواكبة لبنان في تثبيت استقراره، حتى بعد انتهاء مهام جنودها المشاركين في إطار القوة الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل)، من خلال هيكلية جديدة لقوة حفظ سلام خارج إطار الأمم المتحدة، تشارك فيها فرنسا وعدد من الدول الأوروبية والإقليمية.

أما بالنسبة إلى موضوع الانتخابات النيابية، فإن باريس تشدّد على ضرورة إجرائها من أجل «اكتمال تكوين السلطة»، بعد انتخابات الرئاسة وتشكيل حكومة العهد الأولى برئاسة نواف سلام وإتمام الانتخابات البلدية، وذلك من أجل إتاحة المجال لإدخال دم سياسي جديد وتحديث الطبقة السياسية.

ولكن ما مدى فاعلية هذه التحركات الفرنسية؟

تشير الأوساط إلى سعي باريس المتواصل لتعزيز التنسيق مع واشنطن حيال الملف اللبناني، وهي تعتمد على قدرتها على إقناع حليفتها ببعض الأفكار والنصائح المتصلة بسبل التعامل مع التعقيدات اللبنانية، مع اتفاقها مع الأهداف وبعض التباين حيال وسائل التعاطي للتنفيذ. وتلمّح هذه الأوساط إلى تحقيق بعض النجاحات، وآخرها دفع واشنطن إلى الضغط على تل أبيب للتعامل بشيء من المرونة مع تنفيذ الجيش اللبناني المرحلة الأولى من خطة بسط سلطته جنوب نهر الليطاني. فجاء التعليق الإسرائيلي، ولأول مرة، معتدلًا، ومعتبرًا أنها «بداية مشجعة»، وإن كانت غير كافية. كما أن الجانب الفرنسي أقنع الجانب الأميركي بتشجيع وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية على الاهتمام بالأوضاع المعيشية في الجنوب اللبناني، بغية إظهار اهتمام الدولة بسكانه.

ويبدو أن باريس تعوّل على التعاون الذي أظهره السفير الأميركي الجديد في لبنان، ميشال عيسى، الذي زار العاصمة الفرنسية قبل أسابيع وأجرى اتصالات فيها، وأظهر تفهمًا لواقع الأوضاع اللبنانية وكيفية التعامل معها بالحوار والتواصل الهادئ، مع الحفاظ على موقف إدارته الحازم. كما أن دوره المستقبلي سيكون «محوريًا» داخل الفريق الأميركي المهتم بالملف اللبناني.

وأخيرًا، يختصر مرجع متابع للملف اللبناني الوضع اللبناني «الدقيق والهش» بعد كل هذه المستجدات الداخلية والخارجية، مستعينًا بمقولة للفنان الفرنسي الساخر الراحل كولوش (Coluche) حول وضع فرنسا في ثمانينيات القرن الماضي:

La France va mieux. Pas mieux que l’année dernière. Mais mieux que l’année prochain

ما معناه: «فرنسا تسير بشكل أفضل. ليس أفضل من العام الماضي، ولكن أفضل من السنة المقبلة».

ويعلّق المرجع بالقول: ما أشبه هذا التشبيه بوضع لبنان اليوم وغده غير المضمون! ففيه إشارة إلى هشاشة الوضع ودقته، وضرورة العمل على تحصينه وتثبيت استقراره وحمايته من الارتدادات والتداعيات التي قد تأتي مستقبلًا من وراء الحدود. من هنا، عامل الوقت حيوي وأساسي، والفرص المتاحة قد لا تتكرر، والأمل موجود وينبغي عدم تضييعه. ذلك أن تسارع الأحداث في المحيط القريب والبعيد قد يفقد اهتمام الأصدقاء والأشقاء، ويحوّل أنظارهم، تاركين اللبنانيين وحدهم يواجهون تحدياتهم وينزعون أشواكهم بأيديهم.

Print Friendly, PDF & Email
باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  وقف "العدوان الثلاثي".. عبدالناصر وشمعون وثالثهما البستاني!