ما أحلاك أيار.. أعدتنا من غُربتنا مرتين

يأتينا ربيع التحرير. نفتح دفاترنا وننبش حكاياتنا. هي روايات فردية، إن دلّلت على شيء إنما على عظمة الإنجاز، معنوياً ونفسياً بالدرجة الأولى.

تحلّقت العائلة حول شاشة التلفزيون، تتابع نشرة الأخبار. وكما جرت العادة منذ سنوات، كانت الأخبار الطاغية على النشرة، تتناول الحرب الأهلية في لبنان، والهجمات الإسرائيلية المتكررة على المناطق الجنوبية الحدودية، التي أدّت آخر المطاف إلى اقتطاع منطقة عرفت بالشريط الحدودي، تم فصلها عن بقية الوطن، وجنّد العدو الصهيوني ما عرف بـ”جيش لبنان الجنوبي” لضبط “الأمن” فيها، والضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه الانتفاض على هذا الاحتلال المبطن. بدأ الأبناء بطرح الأسئلة والتعليقات على ما يشاهدون ويسمعون:

–  منذ بدأنا ندرك ما يجري حولنا، والحالة في لبنان، دائماً، كما نرى. حرب أهلية وهجمات اسرائيلية. انه لا يشبه ابداً لبنان الذي طالما حدثتمونا عنه، حرب ودمار وصور توجع القلب، وتؤذي العين.

الحق معهم. لقد ولدوا في الغربة. ولا يعرفون عن الوطن إلا ما يحدثهم به الأهل، من خبريات جميلة، في سهراتهم المسائية، وما تبثه شاشات التلفزة يومياً، من صور لتلك الحرب الأهلية المؤلمة، التي دمرت وقتلت وخطفت، ثم تأتي أخبار الهجمات الاسرائيلية المتكررة، التي هجّرت ودنّست لتشوش الصورة في اذهانهم.

أما الوالدان، فما زالا يحملان ذلك الحنين الذي ما لبث يوقظ في دواخلهما ينابيع الامل لأيام كانا يظنان أنها جفت. الحنين لكل الذكريات، التي سبقت الهجرة. لأيام الطفولة والشباب. لكل الأماكن والحارات. للأزقة. لبيادر القمح وحقول الذرة. في تلك الضيعة الجنوبية، ما زال صدى الضحكات يرن في الآذان. السهرات على ضفاف العين. حلقات الدبكة في الأعراس والمناسبات. الأحاديث البريئة، المسروقة في الليالي القمرية، بعيداً عن عيون الأهل. المواقف الرجولية الداعمة في الملمات، والأوقات العصيبة. الأيدي المتشابكة في مواسم القطاف.

وكلما مرت السنوات على الغربة، يكبر الحنين. يكبر الحنين لتلك الأم الشامخة كشجرة سرو عتيقة، وحيدة تتحدى الأيام، وظروف الحياة الصعبة. وحيدة تعيش مشاعر الأمومة الدافئة. وحيدة تسهر الليالي، وتعد الأيام بانتظار الإبن الغائب، الذي أصبح في غربته عائلة.

يكبر الحنين لبيت قائم على تلة عالية، جدرانه الصماء تتزين بصور أطفال لم ترهم العين. لم يضمهم الصدر. لم تردد رجع خطواتهم الأولى تلك الزوايا. شباكه الخشبي العتيق ما زال يحتضن طيف طفلة، جلست تباهي بجدائلها الشقراء. تنتظر خيوط الشمس لتنسج لها هالة من نور وضياء. تفرح بشجرة الورد المعربشة فوق الإفريز، تلك الشجرة التي دائماً تتفتح براعمها لتبشر بنيسان جديد.

 في الغربة ينمو الشوق، فيصبح بستاناً مزداناً بألوان الطيف. ينمو الشوق، فيصبح الجلوس أسفل شجرة الخوخ في الأمسيات حلم بعيد المنال. ينمو الشوق، فيصبح فنجان الشاي وقت المغيب أكسير حياة.

 السنوات تمر مر السحاب، والعائلة تكبر، ولكنها لن تتجذر في تربة ليست تربتها. حلم العودة لم يتبدد، بل كان يتأجل. ودائماً هناك سبب. لكنه يوم لا بد أن يأتي، بإرادتنا. رغماً عنا. جاء ذلك اليوم فجأة، وبدون إنذار:

–  أصبحت العودة إلى الوطن إجبارية.

–  ولكن الطريق ما زال في بدايته.

–  عشرون عاماً مضت، ليست بالقليل.

–  ما زال الأولاد في المدارس. ما زالت الأوضاع في لبنان غير مستقرة. حرب ودمار. بيتنا في الضيعة لم يكتمل بعد.

–  ما باليد حيلة. لا بد من العودة. الأمر ليس بيدنا، والاتكال على رب العالمين.

بقيت في القلب غصة، فجدران ذلك المنزل فوق التلة العالية، لن تردد صدى الضحكات. لن تأنس بحكايات الليالي الباردة في كانون. أشجار اللوز لن تفرح بعربشة الصغار في نيسان. شجرة الخوخ لن تفيّ على من عشق الجلوس تحت أغصانها في أمسيات تموز، وفنجان القهوة لن يجد من يرتشفه في الصباحات الندية

سرعان ما لملمت العائلة عدتها وذكرياتها. أيام فرحها وسنوات كفاحها في الإغتراب. بعاطفة جياشة. بخوف مستتر. بمشاعر محايدة. وكانت العودة. ولكن إلى أين؟ ملاعب الطفولة، وساحات الصبا، ما زالت حلماً يزورنا في الليالي، ويغادرنا مع انبلاج الصباح. شجرة السرو فرحت بعودة الابن الغائب. فرحت بصبيان وبنات من مختلف الاعمار. منهم من طرق أبواب الشباب، ومنهم من لم يتخطَ عتبة الطفولة. تحررت من وحدتها، بعد أن تعلق بأذيالها الصغار، واستمع لطيب أخبارها الكبار. بعد أن تقاسم الأحفاد قطع الحلوى المخبأة في الأكمام، وتذوقوا ذلك الحنان الطافح من ثنايا الجبين، لكن بقيت في القلب غصة، فجدران ذلك المنزل فوق التلة العالية، لن تردد صدى الضحكات. لن تأنس بحكايات الليالي الباردة في كانون. أشجار اللوز لن تفرح بعربشة الصغار في نيسان. شجرة الخوخ لن تفيّ على من عشق الجلوس تحت أغصانها في أمسيات تموز، وفنجان القهوة لن يجد من يرتشفه في الصباحات الندية.

–  آه. ما زال الحلم حلماً.

 هون عليك، نحن الآن في وطننا وبين أهلنا.

–  ولكن لن نستطيع الذهاب لضيعتنا. لملاعب طفولتنا.

–  إنه الاحتلال. ماذا نفعل؟ لن نقامر بمستقبل أولادنا. والبنات صبايا، لن نضعهم في فم الذئب بأيدينا.

–  أعرف، وهذا ما يحزنني، كل ما خططت له في سنوات غربتي لن أستطيع تحقيقه في ظل هذه الظروف.

–  الله كريم. لن يبقَى الوضع على ما هو عليه، لا بد أن تتغير الأحوال يوماً.

استقرت العائلة في بيروت، وتوزع الأبناء على المدارس والجامعات. وسارت السفينة في بحر الحياة الجديدة. يتقاذفها الموج العاصف حيناً. وتهدهدها النسمات حيناً. وتمضي الأيام. الشهور. السنوات. تزوج الكبار، كبر الصغار. والبيت الواحد أثمر بيوتات. براعم جديدة تفتحت فوق الشجرة العتيدة. وتلك السروة الشامخة، المتحدية بكبرياء الأصالة، والمتجذرة في أرض أبت أن تفارقها. هوت. هوت في ذلك البيت، فوق التلة العالية.

كبر الصغار. وكبر فيهم ذلك الحب المتواري للأرض. للبيت. لشجرة الورد بجوار الشباك العتيق. كبر فيهم الحب لشجرة خوخ سمعوا عنها، ولم يروها. كبر فيهم الحب لكل تلك الذكريات، التي غُرست داخلهم على امتداد سنوات الغربة والتغرب. فكانوا – كلاً على طريقته – جزءاً من قافلة طويلة قدمت العرق والدم والروح. رجال نبتوا كأشجار زيتون في أرض قاحلة، جاءوا وفي عيونهم نور النبوة، جاءوا تفوح منهم رائحة الجنة، وتسير في ركابهم ملائكة السماء. طاهرة هي الأجساد التي سقطت لتعبّد طريق العودة. فواحة شذية الدماء التي نزفت لتنبت أزهار الحرية. مقدسة تلك الجباه. عظيمة تلك القبضات. أخيراً نُسجت لكل الأحلام بقية.

الجميع يلملم خزيه وعاره، ويفر مهزوماً، مرذولاً، أمام تلك الأقدام الثابتة في الأرض. رايات التحرير والنصر ترتفع خفاقة فوق كل المواقع. فوق كل التلال. فوق كل البيوت. حقاً إنها لحظات تنحني لها أعظم الهامات

يقف كالطود الشامخ أمام شاشة التلفاز، يتابع باهتمام بالغ الأخبار. هل ما يراه ويسمعه حقيقي؟ ليس حلماً من أحلام اليقظة. قرى الشريط الحدودي المحتل تطهرها أقدام المجاهدين. قرية بعد قرية تعود إلى حضن الوطن. أين جنود العدو؟ أين دباباته؟ أين معداته الخفيفة والثقيلة؟ أين من نصّبهم لحماية أمنه المزعوم؟

الجميع يلملم خزيه وعاره، ويفر مهزوماً، مرذولاً، أمام تلك الأقدام الثابتة في الأرض. رايات التحرير والنصر ترتفع خفاقة فوق كل المواقع. فوق كل التلال. فوق كل البيوت. حقاً إنها لحظات تنحني لها أعظم الهامات:

–  أحمد الله وأشكره، أنني عشت لأرى هذه الانتصارات. تعب السنين . دماء المجاهدين. أثمرت تحريراً. لقد انتظرنا طويلاً من ينقذ شرفنا، ويرد لنا اعتبارنا. سنوات ونحن ننتظر المطر. ننتظر الربيع. ننتظر الفجر، أخيراً جاء من يحررنا من عارنا، ويعيد لنا شبابنا المفقود. أين الأولاد؟ اليوم، الآن. أجل الآن، سوف نتجه جنوباً. كم أتوق لتحقيق الحلم.

وضع نفسه وفرحه وحلمه القديم المتجدد في سيارة، وكانت الوجهة أرض الانتصارات. أرض الأحلام التي باتت حقائق راسخة. قوافل من السيارات. أعلام ترفرف. ورود تنثر. أغاني النصر. زغاريد الفرح. ويحتضن ذلك البيت فوق التلة العالية العائدين بعد طول غياب. أصواتهم. صورهم. ضحكات أطفالهم تحتل المساحات الفارغة. تملأ الجدران العارية. تعشش في فجوات الزمان الضائع. أخيراً أصبح لذلك البيت صدىً وذكريات. أخيراً أصبح لكل تلك الصور أصول لها حكايات، فجأة سأل الجميع بصوت واحد. أين هي؟ أين هي؟

–  من؟

 شجرة الخوخ.

–  حيث يجلس والدكم. انظروا اليه كيف يتأملها. يتلمس أغصانها. يَشْتمُّ شذاها.

–  لا بد أنه يرغب الآن بكوب شاي.

أب. أم. أولاد وأحفاد. جلسوا على شرفة منزلهم يشربون الشاي. يستذكرون بحب وحنين حكايات شجرة السرو. يسترجعون ذكريات الغربة. يعيشون الحقيقة، بعد أن اعتادوا الحلم. يتأملون بإعجاب ذلك الجبين العالي، والشعر الأبيض الوضّاء، ويتساءلون ترى بماذا يفكر؟. أما هو فلقد سرح بناظريه في الأفق المترامي، عله يستشف حجب الغيب. ترى هل هنا تنتهي الحكاية؟ بدأت الشمس تلملم آخر خصلها المتوهجة بأهازيج النصر، عن كل تلك القرى الجنوبية. والليل راح يرخي سدوله فوق التلال المزدانة بألوان الفرح، وفوق بيوت ما زالت ترقص طرباً على ضجيج روادها. نسمات باردة هبت. آتية من أرض ليست ببعيدة. أرض ما زالت تنتظر اليد التي ستنزع عنها كل القيود الصدئة، وتعيد لوجهها المتشح بحزنه، ألقه، وابتسامته وهويته المفقودة . تلك النسمات بعثت القشعريرة في الأجساد المتحلقة حول محورها:

–  ما أحلى العودة تحت رايات العز. ما أحلى الوطن وقد ارتدى ثوب حريته. ما أحلاك أيار، وقد أعدتنا من غربتنا مرتين(*).

(*) المرة الأولى كانت حين عادت العائلة من المهجر إلى الوطن في 25ايار/مايو 1985م، والثانية حين عادت إلى قريتها في 25 أيار/مايو 2000م.

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course