كاريزما نصرالله بالمغرب العربي.. تبديد اليأس

لا تبدو العلاقة مع حزب الله اللبناني في المغرب العربي مركبة جداً؛ إنّها تنحو إلى قدرٍ من التبسيط طالما فهمنا سرّ وقوع الناس في هذه الرقعة الجغرافيّة في حب القوي ما لم تتّضح لهم هوامش الإفتئات بالقوّة على الضعفاء، وفي أسوأ الحالات طرّا؛ تتمثّل الساكنة في تلك البلاد بنصيحة قالها ميكافيلي العرب أبو بكر بن عمّار للمعتمد بن عبّاد قبل سقوط الأندلس في يد المرابطين المغاربة: "عدوّ قويّ خير للحاكم وأجدى نفعاً من صديقٍ ضعيف".

حتى ولو ظنّ البعض بأنّ علاقة حزب الله اللبناني بالمغرب العربي قد تكون علاقة مشوبةً بنوعٍ من التداخل والتشابك، إلا أنّها أخفّ تعقيداً من العلاقة مع شخص صدام حسين، على سبيل المثال، وهو السياق الذي يفتقد إلى  الكثير من التماسك ولكن لا يمكن فهم هذا الافتتان إلا بواسطته. وذاك ما توانى العراقيون عن فهمه قبل تقدير ولوع الأغلبيّة في المغرب العربي بصدام حسين تحديداً.
والحال أنّ الاحتلال الأميركي سنة 2003، والضربات الأميركيّة قبلها على العراق، ساهموا وبشكلٍ كبيرٍ في إنتاج صورة البطل في شخص صدّام حسين، وأظهارهُ على أنّه القائد العسكري الذي تستهدفهُ رموز الإمبرياليّة العالميّة، ولعل السؤال المتروك للبحث حتى لدى المشارقة: لماذا نجح صدام حسين في إظهار نفسه في صورة العسكري الصارم وهو لم يكن يوماً في حياته جندياً ينتظر الترفيع؟
الواقع أنّه ومنذ مساهمته في انقلاب حزب البعث رفقة اللواء أحمد حسن البكر سنة 1968، ثم بلوغه مرتبة النائب للرئيس البكر، عيّن نفسه قائداً للقوّات المسلحة، ونجحَ في تسويق نفسه كعسكريّ مؤزّر، وانطلت الخدعة تالياً على الأجيال المتعاقبة!
كما أنّ لمصر هذه المحطة أيضاً إبّان حكم الرئيس السابق جمال عبد النّاصر، حيث لا يمكن فصل مصر عن شخصيّته وحضوره التاريخي كبوّابة واسعة لتأثيل أي نقاش حول القضايا المشرقيّة في الستين سنة الماضية.
ينظر المغاربة بعامة، إلى نظام الرئيس الراحل صدّام حسين في شخص رئيسه، ولا يرون أيّ فصلٍ احترازي بين مصر في الستين سنة الماضية وصورة جمال عبد النّاصر، كما ينظرون إلى مقاومة حزب الله في شخص قائدها السيد حسن نصرالله، وبرغم الاختلاف النظري والعملي بين كل حالة وأخرى على حدة، إلّا أنّ مركزةَ الكتل السياسيّة بكافة صورها في أشخاص صانعيّها في المشرق، هو ما يستفرد بحكم المغاربة على قضايا الشرق العربي عامةً.
ولأنّنا في “عيد المقاومة والتحرير” (25 أيّار/ مايو 2000)، الذي يصادف ذكرى انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان التي كان يحتلها منذ 1978، فسيكون الحديث مقتصراً على صورة المقاومة اللبنانيّة في الذهنيّة المغاربيّة، وبخاصة: صورة السيد حسن نصر الله تحديداً، تبعاً لما أسلفناهُ حول عتبة “مركزة” الأحداث المشرقيّة في شخوص صانعيّها لدى المغاربة، وعند  بعض المشارقة أيضاً، وإنْ بشكلٍ أكثر مقاربةً وتذبذباً.

حكى ليّ صديقُ وقتها، بأنّ إمام أحد المساجد الكبرى في الجزائر، خصّص خطبة الجمعة كاملةً عن تحرير الجنوب اللبناني، وأثنى على خطاب السيد حسن نصرالله وبكى أثناء استعراضه معاناة اللبنانيين، دون أن يلتفت إلى نوعِ مذهبهم أو “صنف” ديانتهم

نصرالله قائدٌ سياسي أم شخصيّة دينيّة؟
ظهر السيد حسن نصرالله في المخيال المغاربي سنة 2000، عندما دحرت مقاومتهُ الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، ولم يكن يعرف الكثير من المغاربة الكثير عن حقيقة رزوح الجنوب اللبناني تحت الإحتلال الإسرائيلي، بسبب تسويق الإعلام اللبناني لصورة لبنان الفني (وتحديداً “لبنان الملاهي”) والثقافي في تسعينيات القرن الماضي أكثر من لبنان السياسي، ولم يبدُ لبنان السياسي إلا بعد امتلاء التلفزيونات بخبر تحرير الجنوب، لحظتها تجلّى شخص السيد نصرالله في خطاب التحرير الشهير من مدينة بنت جبيل، بشكلٍ لا تخطئه عين، فبرزت فصاحته وإتقانه للخطابة، ذكّر الناس اليائسين في المغرب العربي من قضايا التحرّر الوطني برموزٍ خلا واقع الحال في الأزمنة المتأخرة من وجودها.
والذي أصبح غريباً الآن جدا بمنطق اللحظة وتداعياتها، هو تجاوز المغاربة بوصفهم سنّة/ مالكيّة/ متصوّفة لمذهب القائد الجديد، فلم يكن مطروحاً البتة مدى تباعد أو تداخل المذهبين (السنّة /المالكيّة والتشيّع /الجعفري)، أو لمس مراقبون في مكان قصيّ، أي طموحٍ لدى الناس في أن يحدث “التقريب” بين المذهبين. كان المناخ وقتها علمانياً بشكلٍ ما، لا يعبأ بالانتماءات الدينيّة والمذهبيّة طالما أنّ الصورة الكبيرة التي تقع ضمنها هي القوميةً العربيّة.
حكى ليّ صديقُ وقتها، بأنّ إمام أحد المساجد الكبرى في الجزائر، خصّص خطبة الجمعة كاملةً عن تحرير الجنوب اللبناني، وأثنى على خطاب السيد حسن نصرالله وبكى أثناء استعراضه معاناة اللبنانيين، دون أن يلتفت إلى نوعِ مذهبهم أو “صنف” ديانتهم.. ممّا يعني أنّ الطائفيّة كانت نتاجاً إعلامياً بحتاً عند المغاربة، ولم يكن أمراً أصيلاً ناتجاً عن تفرّد ديني أومذهبي، فرضتهُ تداعيات الواقع وحمائيّة الطائفة للمواطن اللبناني، بحيث لا يمكن ممارسة الحريّة إلا في داخل ستار الطائفة وضمن شروطها، دون ذكر الاستثناء الذي لن يغيّر القاعدة.
وبرغم أنّ المتصوّفة قريبون جداً من الجعفريّة أكثر من قربهم إلى الحنابلة في الكثير من المسائل الفقهيّة والعقائديّة، إلّا أنّ هذا القرب لم يكن حدثاً يستحقّ أن يؤطّر النقاش في بحث العلاقة بين المغاربة وحزب الله. كلّ ما هنالك أنّ شخصاً ينحدر من عائلة متواضعة هزم إسرائيل مرتين، هذا كلّ ما يدور في ذهن المغاربة في تحديد العلاقة مع حزب الله اللبناني.

تجلّى شخص السيد نصرالله في خطاب التحرير الشهير من مدينة بنت جبيل، بشكلٍ لا تخطئه عين، فبرزت فصاحته وإتقانه للخطابة، ذكّر الناس اليائسين في المغرب العربي من قضايا التحرّر الوطني برموزٍ خلا واقع الحال في الأزمنة المتأخرة من وجودها

سوريا.. واستدارة الموقف من نصرالله

فلنعترف أولاً، بأنّ أنصار “الثورة” السوريّة، لم يكونوا كثيرين في المغرب العربي، حتى في “بدايتها” الأولى قبل أن يجري تسليحها، وأغلب من أيّدها كان تحت تأثير المادة الإعلاميّة التي تمّ ضخّها، ذلك أنّ سؤال “الحريّة” الذي استند إليه رواة الأحداث السوريّة في الإعلام، لم يُفهم على نحوٍ سياسي تغييري لنظامٍ يعتقد جلّ المغاربة بأنّ لهُ مواقف من إسرائيل والاحتلال الأميركي في العراق، وكان ذلك كافياً بالنسبة لهم لتأييده، طالما بقيت الصورة الممانعة التي رسخت في أذهانهم، وكان يمكن أن يحدث تغيّراً في تلك النظرة فيما لو كان المجلس السوري الذي تشكّل في إسطنبول غير معينٍ في بلدٍ غير عربي، ولهُ مواقف واضحة من القضيّة الفلسطينيّة والجولان المحتلّ ومن حزب الله اللبناني.
كان عسيراً فهم تدخل حزب الله في سوريا من خارج الاعتبار القانوني، ففي القانون الدولي يعتبر تدخل أيّ دولةٍ أو فصيل مسلح بطلبٍ من الحكومة الشرعيّة في بلدٍ آخر تدخلاً مقبولاً. وآية تلك الشرعيّة لدى المجتمع الدولي عدم سحب الدول الاعتراف بها، وعقد جلسة أمميّة للتصويت على خروجها من المجتمع الدولي، وهو ما لم يحدث في سوريا، سواءً أيّدنا أو عارضنا النظام السوري. المسألة خارج التداول السياسي، هي قانونيّة صرفة.
جلّ الفهم المغاربي أنّ هنالك حربٌ حدثت في سوريا، وهنالك قوّة مساعدة مع طرفٍ ضد آخر.. وما إنْ تمّ تناول ذلك الحدث حتى شرع الإعلام في إفهام المغاربة أنّ العلويين هم من يحكمون  سوريا، والشيعة الإماميّة هم من يسيطرون على لبنان.. وبأنّ هؤلاء يسمّون في الأدبيّات الدينيّة: روافض. وأنّهم.. وأنّهم… إلخ.
ما يمكن قوله بصراحةٍ تامة دون تدخل شخصي، إنّ حزب الله والنظام في سوريا يحظيان بدعمٍ مغاربي لافت للإنتباه، ويتمتّعان بشعبيّة واضحة. صحيح أنّها أقل ممّا كان الوضع عليه قبل حدوث الأزمة السوريّة، بيد أنّ الانقسام الذي حدث حولها، سرعان ما التأم بمجرد تحوّل “الثورة” في سوريا إلى حربٍ أهليّة دامية، لم تعد تخفى على أحد، حتى على أنصارها الكبار في الإعلام والثقافة والسياسة.
الإرهاب.. والمقاومة
أفضى اعتبار حزب الله “منظمة إرهابيّة” من قِبل مجلس وزراء الداخلية العرب في دورته الـ 33 (2016)، بتحفظٍ ورفض لبناني وعراقي وجزائري وتونسي، إلى زيادة شعبية حزب الله أكثر، وممّا أذكى الموقف المعادي هو أنّ هذا الاعتبار الحكومي صادر عن جهة لا تمتّع باحترامٍ شعبي مسبق!
ولم تضفِ موافقة الوفد المغربي المتكوّن من الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية الشرقي الضريس، وإدريس الجوهري (المدير العام للشؤون الداخليّة)، وحميد شبار (الوالي ومدير التعاون الدولي)، ومحـمد فرج الدكالي (سفير المغرب بتونس)،  على اعتبار حزب الله “منظمة إرهابيّة” تسعى “لزعزعة الاستقرار في المنطقة” العربيّة، أيّ صدى في تغيير الموقف الشعبي المغربي في جلّه، بحيث تصنع الرواية الرسميّة موقفاً شعبياً متمترساً خلف إرادة النظام في المملكة المغربيّة، وكان الموقف حاسماً جداً بعد الضجة الرافضة لاعتبار حزب الله  داعماً لعناصر من البوليساريو (أيّار/ مايو 2018)، إذ قال عبد القادر العلمي، منسق مجموعة العمل من أجل فلسطين، لموقع هسبريس الشهير بأنّه “فوجئ بالقرار المغربي القاضي بقطع العلاقات مع إيران”، مشيراً إلى تقصيه عن الأمر، واطلاعه على البلاغ الواضح لحزب الله، الذي يقول ببراءة الحزب من موضوع تجنيد عناصر جبهة البوليساريو، لأنّه “لا يمكن أنّ يكون مع تجزِيء أي قُطْرٍ من الأقطار العربية”.
وفي ذات السياق، حسب ذات المصدر المشار إليه أعلاه، “نَزَّهَ أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، “حزب الله من موقف دعم جبهة البوليساريو”، معتبراً إياه مُدّعى عليه. وأضاف “ليّ أصدقاء من حزب الله ومن الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وعَهْدي بهم أنّهم مدافعون عن الوحدة الترابيّة للمغرب”.
لا تكاد الذاكرة في المغرب تنسى عندما تعرّض جنوب لبنان إلى القصف في عدوان تموز/يوليو 2006، كيف كانت المظاهرات في كل مناطق المملكة المغربيّة هي الأضخم عربياً، ومشهد الناس وهم يندفعون جسدياً وعاطفياً في الطرقات أمام وسائل الإعلام معبّرين عن تضامنهم  بالصراخ والإغماء.. فضلاً عن خبر وفاة تونسي بسكتةٍ قلبيّة بعد مشاهدته صور الضحايا في مجزرة قانا الثانية.
الكاريزما ـ الغيمة
سواءً اتفقنا أو اختلفنا مع سرديّة المقاومة في عيدها الحالي، إلا أنّ الموقف منها مغاربياً تعرّض لنوعٍ من الاهتزاز إبّان الأزمة السوريّة، سرعان ما تلاشى هذا الاهتزاز بفعل المألات التي انتهت إليها هذه المقتلة الكبرى. وبمعزلٍ عن التفاصيل التي سيقت على أكثر من وجهٍ؛ بدا أنّه من الصعوبة بمكانٍ الاعتماد على الفصل بين الشقّين السياسي والعسكري في تحديد شكل العلاقة المغاربيّة بتنظيم حزب الله..  لا سيما أنّ “الكاريزما” التي يتمتّع بها شخص الأمين العام خاصتهُ، كانت الغيمة التي غطت الغابة، وكانت كافيةً جداً في الحفاظ على ذلك الزخم المؤيّد، دون أن يهمّ الناس ما يحدث الآن في الساحة اللبنانيّة من شأنٍ داخلي صرف، اندرج اللبنانيون أنفسهم في الخلاف المعتاد على تحديده من كافة الأطراف.. فليس ثمة إجماعٌ في لبنان سوى الاتفاق الشامل على الاختلاف المستمر!

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download