المقاومة المأزومة بين الطوائفيات وقوى التغيير

لا بد من تلاوة المشاعر أولاً. الإنتصار حالة إنسانية فذة. الخروج من نفق الخسائر، يغيّر في طبيعة الإنسان. الهزائم خلّفت شعباً فاقد الإيمان بأمته. إذاً، منطقياً، قبل الولوج إلى الكلام بعقل بارد، فلنتجرأ على الإعتراف، أن المقاومة غيّرتنا: كنا في وادي الدموع، وبلغنا شرفة المستقبل. مستقبلنا يُولد من صنع أيدينا.

قبل عشرين عاماً، كنا كالأيتام، لا سقف يحمينا. لا هوية ننتمي إليها. كنا بحاجة إلى معنى. كانت البلاد، من المحيط إلى الخليج، تتعثر في خلافات عبثية سياسياً، تريد تسوية مهما كان الثمن. فلسطين عندهم، ماضٍ مضى. إسرائيل واقع مستدام. الواقعية تملي التخلي. الخيانة بديل عن التحرير. يومها، على إمتداد عقود، لم نكن نحظى بحلمٍ ضئيلٍ ما، بأملٍ بخيلٍ ما.

فجأة إنتمينا. إستحوذنا على هوية ناصعة. هوية بكر. هوية مفتوحة على مستقبل وافر الطموح. لقد إنوجدنا. أحسسنا لأول مرة أن الحياة تليق بنا ونليق بها. لقد أنجزنا في لبنان الصغير جداً انتصاراً عظيماً جداً، وغير مسبوق. هزمنا “إسرائيل”. من يُصدّق ذلك؟ معجزة اجترحتها مقاومةٌ ألزمت العدو المحتل على الهرب كالجرذان. إستعاد لبنان أرضه بالدم والإرادة والصبر والصدق والشجاعة والعطاء. لأول مرة صارت لمساحة 10452 كلم مربع، معنى آخر. معنى الحرية التامة. اكتمل نصاب الوطن. وطن حر عن جد. لقد حدث ما لم يحدث من قبل. أصبح الماضي ماضياً عن جد. ممنوع أن يحضر. المستقبل مفتوح لأبعد من لبنان. ستكون المقاومة قدوة عربية. فلسطينية أولاً، وإنسانية كذلك، فهذا الانتصار لن يكون وحيداً. عهد جديد إندلع. الإنتصار في 25 أيار/مايو، هو الأول، وليس الأخير. عدوان تموز/يوليو برهان. لقد انتصرنا مرة ثانية.

كان هذا الانتصار شوكةً في حلق “التضامن العربي الدولي” ضد المقاومة وفلسطين. إهتزت الشعوب العربية. مثلنا، إنتمت إلى فلسطين. رفعت جماهير العرب والمسلمين الرهان على التحرير. آمنت الأمة، بالإنتصارات القادمة. لقد تم تبييت المقاومة في معظم العواصم العربية. صور قائدها غزت الساحات والقلوب. كان لها مكان إقامة في معظم بيوتات العرب. أنظمة الردة العربية خسرت رهاناتها. قررت الإنقضاض على الإنجاز.

امتلأنا أملاً. هذا زمن آخر. أيار/مايو، بدء التاريخ الجديد. ما قبله إنتهى أو تنحَى. ما بعده “وعد صادق”. إنتقلت العدوى الرائعة. الضفة في إنتفاضة. غزة إمتشقت دمها. خافت أنظمة، فانكفأت على خيانة، والعالم الغربي إشتغل على إفراغ الإنتصار ووأده. وفي ما بعد، بدأ زمن الحصاد. المطلوب خنق المقاومة. كان ذلك كذلك لأكثرية في لبنان وفي الجوار العربي. وبدأ مسار الردة في أكثر من محور.

العرب ما عادوا عرباً

نعود إلى قراءة عقلانية ـ بعد تلاوة فعل الإيمان ـ لقراءة التغيرات المعاكسة التي نجحت في تغليب الإنقسام والفتنة والعنف، على الإحتضان والإلتفاف وحراسة المقاومة.

لبنان، كان ساحة لقلب موازين القوى. أزمة لبنان مزمنة وسابقة على صعود المقاومة وانتصارها. الفريق المهزوم شعر أن فرصته مؤاتية. فنصف لبنان هنا ونصفٌ هناك. والنصفان ضدان. واحد مع السعودية وآخر مع طهران. كيف يمكن أن يتعايشا مع إنتصار بأبعاد عربية وإقليمية؟ حدث ذلك منذ عشرين عاماً. انه أمسٌ خطير وفي خطرٍ معاً.

قبل عشرين عاماً، كان شيءٌ، وما بعده كان شيءٌ مضاد. تغيرت الجغرافية السياسية. الانقسام هذه المرة، لم يعد حول مشروع أو نصف مشروع أو تسوية مشرفة، أو مقاومة لا بد منها، أو انتفاضة لا مفر منها. لقد تقدمت المذهبية الصفوف الأمامية بعناوين متناقضة. صارت الخيانة سياسة يومية علنية

انه أمسٌ يؤسس لواقع جديد:”لقد ولى زمن الهزائم وحل زمن الانتصار”. العرب الأعراب، ليسوا في هذا الوارد أبداً. لهم زمنهم الغربي – الأميركي، يتعكزون على أيامه وعلى إيقاع وإيماءات وإملاءات أميركا والغرب. هكذا ظنّوا: خافوا فتآمروا. رفعت يافطة المرحلة من المحيط إلى الخليج:”ممنوع استثمار الإنتصار. لا بد من وأده وتشويهه”. وفي ما بعد، بدأ زمن الحصار. المطلوب حرف المقاومة عن مهمتها، واغراقها في خنادق مؤهلة لجبهات متعددة، مختلفة ومتناقضة. ولقد تغير الزمن العربي القومي بسرعة، عندما رفعت شعارات الفتنة الطائفية. وبدا عملياً وواقعياً، أن الطائفية والمذهبية، أقوى من الانتصار.

لقد تغيّر العرب. ما عادوا عرباً. صاروا سنة، شيعة. ويسهل في الشعوب المُدارة دينياً، أن تنسحب من المشاركة الوطنية، كما في لبنان، والمشاركة القومية، كما في غير دولة عربية. هكذا تغيّر العرب. صارت المقاومة تهمة لدى فريق، ما فتح الطريق للتسوية مع “إسرائيل” بالثمن الأبخس.

قبل عشرين عاماً، كان شيءٌ، وما بعده كان شيءٌ مضاد. تغيرت الجغرافية السياسية. الانقسام هذه المرة، لم يعد حول مشروع أو نصف مشروع أو تسوية مشرفة، أو مقاومة لا بد منها، أو انتفاضة لا مفر منها. لقد تقدمت المذهبية الصفوف الأمامية بعناوين متناقضة. صارت الخيانة سياسة يومية علنية، ومَن هو ضدها هو مع العدو المتجدد للعرب. عَنيتُ إيران.

ماذا بقي من انتصار الألفين؟

من يتذكر ذلك التاريخ غير الصفوة من المؤمنين بفلسطين أساساً، ومن المدركين لخطورة الأنياب الأميركية المستشرسة دائماً، والتي لا تعترف إلا بذاتها، وإسرائيل جزء من الذات الأميركية؟ لم تكن أميركا ولا مرة محايدة. هي ليست منحازة لإسرائيل، بل إن إسرائيل ولاية أميركية، ترقى إلى أفضلية الولايات الأميركية الأصيلة. إذن، لن تترك أميركا إسرائيل أبداً. المعركة هي مع الولايات المتحدة الأميركية ومن معها، غرباً وشرقاً وعرباً.

الخشية من النموذج اللبناني المقاوم، دفع بالأعداء، في الداخل والخارج، إلى شيطنة المقاومة، حتى بلغ السيل الزبى، فباتت “إرهابية” وواجبٌ استدراجها للتصفية، سياسياً على الأقل، ميدانياً في ما بعد.

تغير العالم. ما بعد عشرين عاماً على الإنتصار. الشعور الغالب أن محور المقاومة في مأزقٍ يُشدُ فيه الخناق حول المقاومة، من مضيق هرمز حتى جبل طارق. ويقتضي ذلك مطاردة المقاومة في القارة الأوروبية، بعدما تم تعميم تأثيم المقاومة، من المحيط إلى الخليج، بإستثناء مناطق مأزومة، لا تزال فيها المقاومة على سلاحها.

بدأ الحصار منذ لحظة الإنتصار، ثم تعاظم جغرافياً وسياسياً وكيانات. الخوف من المقاومة إقتضى تخوينها، لأنها شكّلت العمود الفقري لحركات المقاومة. ثم أن انخراط المقاومة في ما بعد الربيع العربي، في سوريا والعراق واليمن والبحرين، كرّسها فيلقاً شيعياً، نازعاً عنها قوميتها، بإضفاء التشيع السياسي، نعتاً مذموماً ومرفوضاً، بكل أسف. الجغرافيا العربية والإقليمية مسكونة بشياطين الفتنة المذهبية. ولا بد من إيضاح حاسم: صحيح أن العنوان لكل فريق هو عنوان سياسي بامتياز. لكن جسد هذا العنوان هو جسد مذهبي. طبعاً، يتفوق، لدى الشعوب اللاقومية واللاوطنية والعابرة للحدود، العنوان المذهبي على العنوان السياسي. الخريطة الصراعية راهناً، منقسمة طائفياً ومذهبياً واقوامياً، بعناوين سياسية خافتة.

ما يُطمئن اليوم، أن المقاومة، برغم إنخراطها في حروب المنطقة، فإنها لا تزال القوة الأقوى التي تخشاها إسرائيل. لقد حافظت المقاومة على جهوزيتها في مواجهة العدو. إلا أن المجهول يكتنف المشهد

إن المنطقة أمام منعطفٍ خطيرٍ جداً. الحل الخياني يتقدم ببسالة ووقاحة بسهولة. إسرائيل لم تعد عدواً. أكرر. اسرائيل صارت ضلعاً من أضلاع الحراك السياسي ضد المقاومة، بقيادات عربية واضحة ومكشوفة. لا عيب بعد الآن. كل المحرمات سقطت. الوضوح سمة المرحلة:”إننا ذاهبون إلى إسرائيل، وإن الطريق إلى البلدان العربية مفتوحة. فأهلا وسهلا بالحليف الجديد الذي انضم إلى نضال دول الخراب العربي، في حربها ضد الإرهاب”.

حتمية المراجعة

أمام المقاومة عناوين كثيرة تواجهها:

في لبنان، يعرج الكيان بين ضفتين لا تلتقيان إلا على زغل. لبنان ينتصف دائماً. نصف هنا ونصف هناك. ونصف مع ونصف ضد. كيف يتعايشان؟ على زغل وحقدٍ كانا، وعلى زغلٍ وطعنٍ ظلا. لم يُقنع أحدٌ أحداً. كيف يستقيم صراط في اتجاهين متعاكسين: مع المقاومة وضدها، في حكومة واحدة، في برلمان واحد، في إدارات واحدة، في سياسة خارجية واحدة؟ عرج لبنان مراراً. تعكز على تسويات فاشلة. بعضها فقط غير كارثي. ظل الانشطار سيداً. التحرير عيدٌ عند فريقٍ، مأتمٌ وهزءٌ عند فريق. لبنان منقسم حول المقاومة مذهبياً، لم يشذ عن القاعدة. ظلّ كذلك حتى لحظة الإنتفاضة الشعبية في 17 تشرين/أكتوبر. وهي إنتفاضة نقية. ليس فيها لوثة طائفية أو مذهبية. يومها، تغير الجميع تقريباً. لكن المؤسف أن الفريقين إتحدا ضد الإنتفاضة. وهي لم تكن مؤامرة. المتآمرون يجلسون مع المقاومة على طاولة واحدة. الشارع كان مُنزهاً.

بات لبنان اليوم ساجداً أمام هول النكبة الإقتصادية المريعة. الأبواب مشرعة أمام إفلاس الدولة. ولقد أفلست. البراهين تكوي اللبنانيين البؤساء، من هم مع المقاومة ومن هم ضدها.

أليس من الضروري إجراء مراجعة حقيقية لمسار المقاومة في لبنان؟

 لقد فشلت تجربة التعايش السلمي، سياسياً، وادارياً، واقتصادياً و… و…

لقد انخرطت المقاومة، كغيرها من الأطراف بكامل جهوزيتها إلى جانب القوى الحاكمة في ما تبقى من الدولة. فضّلت “سلطة المتناقضات” الفاشلة، على وعد السلطة القوية بشعبها. ثبت أن الطوائفية والمذهبية، فاشلة فشلاً مميتاً. هذه الطوائفيات قتلت لبنان، فلّسته. فلماذا تعاملت المقاومة مع قوى التغيير كخصمٍ وكعدوٍ؟

أسئلة برسم المقاومة

المقاومة التي كانت نموذجاً كاسحاً بعد التحرير، لم تعد كذلك. المقاومة معنية بالإجابة. انها تُعامل اليوم، على أنها كيان مذهبي. وها هي الجغرافيا العربية تشهد على ذلك. الصراع الدموي هو سني شيعي، وقد أخفى هذا الصراع جوهر القضية الفلسطينية. إستبدله بالتراث العنفي الإسلامي الذي عرفه التاريخ، منذ “السقيفة” حتى اليوم.

التحديات أمام المقاومة كثيرة. أبرزها اليوم، التحدي اللبناني. الانشوطة تلتف حول أعناق اللبنانيين، وهناك محاولة لخنق المقاومة، من الداخل، عبر إغراقها في المستنقع اللبناني. التحدي الثاني، هو ما سوف تؤول اليه سوريا. لم تنته الحرب، وإن خفتت المعارك. الحرب الإقتصادية أشد هولاً من المعارك العسكرية. حصار العراق كبّد العراقيين مليون طفل جوعاً ومرضاً. التحدي الثالث، العراق. لم يستقر الوضع هناك. وهذا ينعكس على زخم المقاومة، في لبنان… الخ.

ما يُطمئن اليوم، أن المقاومة، برغم إنخراطها في حروب المنطقة، فإنها لا تزال القوة الأقوى التي تخشاها إسرائيل. لقد حافظت المقاومة على جهوزيتها في مواجهة العدو. إلا أن المجهول يكتنف المشهد.

غداً ليس كالأمس.

غداً، ليته، لا يأتي، لأنه غامض ومجهول ومخيف.

ولكننا نعتصم بحبل المقاومة، آخر ما تبقى في هذه الأمة من أمل.

رهاننا هو هذا، وسواه سراب.

نصري الصايغ

مثقف وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course