ليبيا: حفتر من “فاغنر” إلى كش ملك التقسيم!

أظهرت مشاهد انسحاب مرتزقة "فاغنر" من بني وليد باتجاه الجنوب الليبي جلياً حجم الانخراط الروسي في دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" الجنرال خليفة حفتر. هل تتحدى موسكو العالم هنا من خلال هذه الصور باتجاه تكريس نفوذها في ليبيا أم هو قرار فتح الابواب نحو المحاصصة في ليبيا والاكتفاء بتواجدها في شرق البلاد بالتنسيق مع حفتر وداعميه؟

لا نعرف الكثير بعد حول شكل التفاهم التركي ـ الروسي في طرابلس والذي أشعل الضوء الاخضر امام وحدات “فاغنر” الروسية للإنسحاب من غرب ليبيا ولا حول اسباب قبول موسكو التشهير بمرتزقتها وادانة نفسها على هذا النحو وتعريض علاقاتها بخليفة حفتر وشركاه للخطر، وبهذا الشكل العلني الفاضح؟

هل هي صفقة مشابهة للكثير من الصفقات التي عقدتها موسكو مع أكثر من لاعب محلي وإقليمي ونفذتها في أكثر من مكان، وكان أبرزها داخل الأراضي السورية لناحية إعادة توزيع النفوذ ونقل المقاتلين وتفريغ مناطق لملء مناطق أخرى؟

لا بد من التوقف أولاً عند الأرقام المعلنة حول تدمير المسيرات التركية حوالي 15 منظومة دفاع جوي روسية من طراز “بانتسير”، خلال معركة سيطرة حكومة الوفاق بقيادة فائز السراج على قاعدة “الوطية” الإستراتيجية. هذا الثمن قد يكون جزءاً من سياسة الرد التركي على الأنباء التي راجت مؤخراً وتحدثت عن  تزويد موسكو لقوات حفتر بالمقاتلات ثم انكشاف حجم تورطها في ارسال مئات المرتزقة من “فاغنر” الى ليبيا لمقاتلة حكومة الوفاق واستهداف النفوذ التركي. بهذا المعنى، يمكن فهم القرار التركي الاخير بارسال سفينة التنقيب عن الطاقة “فاتح” الى مياه البحر الاسود بوصفه رسالة تركيةً بالتوافق والتنسيق مع واشنطن رداً على التصعيد الروسي الاخير ضد انقرة في ليبيا.

وإذا كان “الربيع العربي” يواصل تراجعه لمصلحة الاقتتال الاهلي وتفاقم الازمات السياسية والمعيشية وإندلاع المزيد من الحروب بالوكالة داخل العديد من دول المنطقة، ثمة صورة تتصدر المشهد حالياً. وحدات من الجنود المرتزقة العابرة للحدود بتمويل اقليمي وتسليح وتدريب غربي بهدف اعطاء المشغلين ما يريدون من إنتصارات وبسط هيمنة ونفوذ. ولعل مشاهد مجموعات “فاغنر” الروسية، وهي تتنقل داخل الأراضي الليبية من منطقة إلى أخرى بأسلحتها وآلياتها، تحمل معها اكثر من سؤال حول كيفية دخولها الأراضي الليبية وبإسم من تقاتل الليبيين هناك ومتى وكيف ستغادر هذه الأراضي، وهل سيحصل ذلك من دون أية مساءلة قانونية أو سياسية أو أخلاقية؟

من السهل لروسيا أن تنفي علاقتها بهذه المجموعات، لكن ذلك لن يحول دون إتهامها بالوقوف وراء مؤسسة تدار بقرار وتخطيط وتوجيه من موسكو. بإمكان روسيا أيضاً القول إنها تقلّد واشنطن التي فتحت الطريق امام مؤسسة فاعلة مشابهة هي “بلاك ووتر” التي لعبت دوراً مماثلاً في كل من العراق وباكستان وأفغانستان، وان كل ما تفعله هو في إطار المنافسة الربحية داخل مربعات القطاع الخاص بتوجيه رسمي يلقى ترحيباً وتشجيعاً من قبل الحكومات وأجهزة الاستخبارات والممولين الكبار.

هذه هي الحقيقة. جيوش المرتزقة قطاع خاص ينمو ويزدهر في العالم، في خدمة مراكز القرار وأصحاب النفوذ أو من يحركهم داخل هذه الدول. لا نعرف الكثير عن الشق القانوني والتجاري واللوجستي في بنية هذه المجموعات وتشعباتها، لكن المعروف هو أنها جاهزة للقيام بمهام يمنع على القوات النظامية المعترف بها دولياً ان تنجزها أو تفادي الإعتماد على عناصر روسية نظامية يصعب تبرير مقتلها خارج أراضي روسيا لدى المواطنين الروس أو أنها قد تكلف بمهام “وسخة”، بحيث تكون مهمة راعيها “الإنكار المقبول”. في الحالة الروسية، نحن أمام قوات آتية من جمهوريات روسيا السوفياتية إكتسبت خبرات قتالية في معارك اهلية بالبلقان واسيا وافريقيا.

في الحالة الأميركية، معظم جنود هذه الشركات الأمنية من الضباط والعساكر المتقاعدين او من تمت احالتهم للتقاعد بشكل متعمد ومعهم عناصر من دول العالم الثالث، طلبت اللجوء او الهجرة الى الولايات المتحدة، فوجدت نفسها امام مساومة الاقامة والجنسية والرواتب المرتفعة لتقاتل في العراق وافغانستان وباكستان.

أما الوحدات التي تعد لها عواصم أوروبية في إطار المنافسة، فقد أصبحت جاهزة تقريباً، لكن بفارق التمويل الاوروبي الذاتي، وفي اطار القرار الذي يخدم مصالح الاوروبيين، اكثر مما يخدم مصالح شركاء وممولين إقليميين كما هي الحال مع “بلاك ووتر” الأميركية أو “فاغنر” الروسية.

لعل مشاهد مجموعات “فاغنر” الروسية، وهي تتنقل داخل الأراضي الليبية من منطقة إلى أخرى بأسلحتها وآلياتها، تحمل معها اكثر من سؤال حول كيفية دخولها الأراضي الليبية وبإسم من تقاتل الليبيين هناك ومتى وكيف ستغادر هذه الأراضي، وهل سيحصل ذلك من دون أية مساءلة قانونية أو سياسية أو أخلاقية؟

وكلما كبر هذا النوع من الشركات كلما إزدادت قوتها وتنوعت واتسعت رقعة الخدمات التي تؤديها وحظيت بالقبول والدعم والاعتراف والعروض الاستراتيجية. ولعل نظرة خاطفة على تاريخ شركة “بلاك ووتر” الاميركية ورأسمالها وكيفية مسارعة الحكومة الأميركية إلى شرذمتها عندما قويت وكبرت وتحولت الى عنصر تهديد لسياساتها وقراراتها، تساعد في إفتراض التصور المحتمل والممكن الذي يمكن أن يؤول إليه هذا النوع من المؤسسات التي تتمتع بالحماية والرعاية القانونية الوطنية من جهة ويمكن التنصل منها من جهة أخرى. وكلنا شاهدنا قبل اعوام نزول “بلاك ووتر” الى الشوارع الرئيسية في بغداد وكيف راحت تطلق النار وتسببت في مقتل العشرات من المدنيين تحت ذريعة فتح الطرقات لتجنب التعرض لاي هجوم إرهابي يستهدفها. لاحقاً، حصلت محاكمة شكلية بقرارات وهمية حسمتها التعويضات المقدمة لبعض ذوي الضحايا تمهيداً لإغلاق الملف. لم يسأل احد في العراق كيف دخلت وخرجت بأسلحتها الثقيلة ومن المستبعد ان يُطرح السؤال من قبل الليبيين أيضا طالما أنهم لم يقولوا شيئاً بعد حول تواجد هذه العناصر، سوى تدخلها لصالح طرف على حساب طرف آخر، ناهيك عن الواقع الليبي المتشظي الذي يجعل هذا البلد العربي ـ الإفريقي مشرعاً على تدخلات من كل حدب وصوب.

وفيما كانت تركيا تخطط للبدء بحملة إقليمية دولية لإفشال عملية “ايريني” (اي السلام باللغة اليونانية) البحرية الأوروبية قبالة سواحل ليبيا، كشف النقاب عن تحرك 8 دول عربية واوروبية وافريقية لتجهيز 20 مرتزقاً من جنسيات مختلفة قصدوا ليبيا في الآونة الأخيرة بهدف مهاجمة السفن والاهداف التركية الناشطة قبالة السواحل الليبية. الغاء العملية تم بعد اكتشافها من قبل انقرة وابلاغ الامارات عبر وسطاء انها لا تهتم بالمرتزقة بل بمشغليهم الذين سيكونون من بين أهداف المسيرات التركية في ساحة مواجهات مفتوحة.

هل بلغ خليفة حفتر الحائط المسدود؟

اللجوء الى المرتزقة يقود للإستنتاج أن جل ما يملكه قائد “الجيش الوطني” لا يكفيه لفرض نفسه على المشهد الليبي والوصول الى ما يريد. قراره بإسقاط إتفاق الصخيرات الموقع في العام 2015، وتنصيب نفسه حاكماً على البلاد، يشكل مقدمة لاطلاق يد مرتزقة “فاغنر” التي تحولت إلى شريك في تدمير ليبيا تحت ذريعة الدفاع عنها بمواجهة الارهاب والارهابيين و”العمل على بناء دولة عصرية مدنية جديدة”، في سيناريو متكرر لما قيل عن شركة “بلاك ووتر” و”المواسم الديموقراطية” التي ستحل على العراق!

حتى الآن، تصر روسيا على نفي المعلومات التي تحدثت عن قيامها بتزويد خليفة حفتر بالمقاتلات، لكنها لم تنف بعد تأجير او بيع هذه المقاتلات لشركاء ووسطاء بينها وبينه. الاحتمال الآخر هو ان تستخدم هذه الطائرات ضد حكومة الوفاق وأهداف تركية في غرب ليبيا بقيادة طيارين مأجورين من قبل “فاغنر” اذا ما تعذر وجود من يتطوع للقيام بالمهمة في صفوف حفتر وداعميه.

 تذكرت فجأة كريم زميل الطفولة ابن العاشرة وبوزن 60 كيلوغراماً. الابن الوحيد لأسرته والمدلل بالمقارنة مع بقية رفاق الحي. كان يلعب النصف الاول من المباراة في فريق والنصف الثاني في الفريق الاخر. كان عبئاً على الفريقين، لكن تجاوزه او حرمانه من اللعب كان مستحيلاً، فهو صاحب الكرة الذهبية التي يحتاجها الجميع. لا يوجد أي مؤشر حقيقي حول أن اللاعبين المؤثرين في الملف الليبي سيتحركون سياسياً ودبلوماسياً لوقف النزيف في ليبيا. لسان حالهم هو الآتي: لا تستفزوا الجنرال حفتر رديف زميل الطفولة كريم وتغضبوه أكثر من اللازم. لم يعد الرجل يمتلك الكثير من الأوراق. ثمة ورقة استراتيجية هي الاهم بين يديه، بعد فضيحة مرتزقة “فاغنر”، وهي ورقة المناورة بـ”كش ملك” التقسيم في ليبيا.

المؤسف في هذا المشهد الليبي، وآخر فصوله سيطرة “فاغنر” على قاعدة “الجفرة” الليبية، بكل ما فيها من منظومات قتالية براً وجواً، أن دولاً كبرى وإقليمية تتقاتل على أرض عربية، فيما جامعة الدول العربية غائبة عن السمع كلياً.

(*) راجع: “فاغنر”.. تشابك مصالح روسية خاصة وحكومية

https://180post.com/archives/10210

د. سمير صالحة

كاتب وباحث تركي، أستاذ جامعي في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
udemy course download free