ترامب والانتخابات المقبلة… اميركا امام مفترق طرق

يطرح استمرار غليان الشارع الأميركي، على خلفية مقتل المواطن الاميركي الاسود جورج فلويد في مينيابوليس في ولاية مينيسوتا، العديد من التساؤلات حول إمكانية إعادة إنتخاب دونالد ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

إن جنوح الرئيس الجمهوري ووقوفه الجامح ضد ما يجري في الشارع الأميركي، يطرح تساؤلات كثيرة حول إعادة انتخابه لولاية ثانية، فقد وضع نفسه ضد شارع عريض من المتظاهرين الشباب، أكانوا من السود أم من البيض في الكثير من المدن الأميركية.

تظاهرات المعترضين على القمع المفرط للشرطة في العديد من المدن الأميركية وخروج ترامب منذ أيام إلى “الباحة الخلفية” للبيت الأبيض، ومن ثم وقوفه أمام كنيسة القديس يوحنا المعمدان وكأنه رجل دين يبشّر بقرب نهاية العالم، أثار حفيظة الكثيرين من ضمنهم فرانكلين غراهام إبن قسيس الرؤساء الأميركيين بيلي غراهام والمطران ماريان إدغار بوديه.

وكانت بوديه قد كتبت تعليقاً لاذعاً لترامب في صحيفة “نيويورك تايمز” في الرابع من حزيران/يونيو، لا سيما بعد تفريق المتظاهرين بطلب من وزير العدل وليام بار، الذي أمر الشرطة بقذفهم بالقنابل المسيلة للدموع وإطلاق الرصاص المطاطي عليهم، حيث قالت إنه يتلطى بلباس حمل بينما هو ذئب مفترس (الاقتباس لي)، وذكرت بأنه عمل غير رئاسي.

بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تمت تهنئته من قبل الدائرة الضيقة التي تحيط به، وهذا يُظهِر أن كل الطاقم في الإدارة إما أنه مفصول عن الواقع أو أنه عبارة عن مجموعة وظيفتها التهليل والتطبيل للرئيس، وهذا ما كتب عنه غراهام أليسون في كتابه الشهير “ماهية القرار” عام 1962 خلال أزمة الصواريخ الكوبية، حيث كان الرئيس الأميركي آنذاك جون كينيدي يحيط نفسه بمجموعة من المساعدين الذين كانوا يفكرون مثل بعضهم البعض، وهذا جوهر الكتاب الذي أشار فيه إلى الفكر المتجانس “Group Think”. وقتذاك، غابت الحلول في الإدارة وانحصر القرار بواحد من اثنين: إما الغزو والحرب مع الإتحاد السوفياتي، وإما قصف كوبا بالصواريخ النووية. حلان كان أحلاهما مرّاً: هنا جاء الحل للرئيس كينيدي من خارج الإدارة عبر المؤرخ جورج كينان الذي إقترح محاصرة كوبا وإقامة المنطقة المحظورة حولها لخمسة عقود من الزمن. وقتها، قدمت الإدارة الأميركية تنازلاً هاماً للإتحاد السوفياتي بسحب صواريخها البالستية من تركيا في سياق اتفاق وُقِّع مع زعيم الإتحاد السوفياتي آنذاك نيكيتا خروتشوف.

لقد أدى تفرّد ترامب بالقرار وجنوحه للتسلّط وأخذه كافة القرارات مستنداً إلى ميوله وأهوائه الذاتية، إلى إفقاد الإدارة التنوع المطلوب في التفكير والعمل بشكل منطقي كقوة عظمى قادرة على إتخاذ قرارات آنية وإستراتيجية. فترامب يرفض استشارة الباحثين كونه يعتبرهم مجموعة نخبوية تنظيرية وكذلك لا يستشير جهاز الـ”اف بي اي”، كونه يشكل جزءاً لا يتجزأ من “الدولة العميقة”.

إن جنوح ترامب وتغوله وتفرده في التسلط في قراراته، يجعله وحيداً في مواجهة أكثرية تبدي تخوفها من إحتمال انتخابه لولاية ثانية. كتبت “نيويورك تايمز” في السابع من حزيران/يونيو أن مجموعة من الحزب الجمهوري، من ضمنها الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن ومجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ على رأسهم ميت رومني من ولاية يوتاه والسيناتور ميركوسكي من ولاية ألاسكا وعدد من جنرالات الجيش الذين خدموا في الإدارة مثل كولن باول ورئيس جهاز البيت الأبيض جون كيلي ووزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، أكدوا أنهم إما سيصوتون لجو بايدن الديمقراطي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل بسبب تخوفهم من تخبط ترامب وتفرده بالقرارات الأخطر لاحقاً في أية ولاية ثانية، وإما أن بعضهم لم يحسم قراره حتى الآن.

ولم يتردد ماتيس في نشر آرائه حول عدم استماع ترامب لنصائح مستشاريه خاصة عندما حذّره من مغبة ترك الأكراد في سوريا لمصيرهم، ما أدى إلى إقالته من منصبه كوزير للدفاع وتعيين مارك إسپر مكانه، وهذا الأخير عبَّر عن عدم رضاه عن قرار الرئيس ترامب باستقدام بضعة مئات من الشرطة العسكرية من فورت براغ من ولاية كارولينا الشمالية إلى العاصمة واشنطن لقمع المتظاهرين. وأكّد بعض معارضيه.

هكذا تحدٍ للرئيس ترامب يجب أن يرفع الكثير من الشكوك والتساؤلات خاصة في ضوء ما حصل في العام 2016 مع هيلاري كلينتون وما سيحصل في هذه الجولة مع جو بايدن. هذا يشبه ما حدث مع دونالد ترامب في برنامجه الأكثر شعبية “The Apprentice” حيث تابعه بشغف الكثير من الأميركيين في نسخته الأولى في التسعينيات ولكنه لقي فشلاً ذريعاً في نسخته الثانية، وبالتالي سحبه دونالد ترامب عندما أيقن من فشله.

اميركا في وسط معركة إنتخابية طاحنة وترامب ليس بوارد الإنسحاب، وبالتالي سيصنع المستحيل لإعادة انتخابه للمرة الثانية

المشكلة الآن أننا في وسط معركة إنتخابية طاحنة وترامب ليس بوارد الإنسحاب، وبالتالي سيصنع المستحيل لإعادة انتخابه للمرة الثانية.

إن أحداث الأسبوعين الماضيين والحركات غير المسبوقة للشارع في المدن الأميركية منذ حركة الحقوق المدنية في 1968 بقيادة مارتن لوثر كينغ، تتقاطع مع استطلاعات تشير إلى انقلاب تام للرأي العام الأميركي. هذه المؤشرات تطرح الكثير من علامات التساؤل حول السنوات الأربع التي ستلي الإنتخابات الرئاسية في الخريف المقبل.

ومن الآن وحتى موعد تشرين الثاني/نوفمبر، هل يمكن اللجوء إلى لعبة التأثير على الرأي العام مرة جديدة، لكن بعمليات أكثر تعقيداً من ذي قبل وبالتالي يفوز ترامب في الانتخابات؟

من الممكن أن يحصل هذا الأمر في الولايات المتحدة بسبب حرية الرأي والتعبير التي يضمنها الدستور كما نصّ عليه البند الأول، حيث تُعتبر حرية المُعتقد والتعبير والرأي حقّاً أساسياً من حقوق المواطنين الأميركيين.

وفي  سيناريو آخر، من الممكن أن يخسر الحزب الجمهوري الكونغرس بشقَّيه مجلس النواب والشيوخ وتعود البلاد إلى التجاذب بين رئيس منتخب ومجلس نواب على الضفة الأخرى وإمكانية إقالته من جديد ضمن ظروف مستجدة! فأي وضع تكون فيه أميركا؟ إن ما يحصل في الشارع سيخلق الكثير من التحولات في السياسة الداخلية الأميركية فكيف إذاً سيكون التأثير على الخارج!

في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة أمام مفترق طرق. إذا ربح ترامب الرئاسة، سيعيش العالم اربع سنوات خطرة جداً بسبب الجنوح الشديد لدى رئيس أقوى قوة في العالم نحو التسلط والانفلات من عقاله. الخيار الثاني أن تعود أميركا إلى رشدها وتأتي برئيس يعيد تلك القوة إلى ما اعتادت عليه خلال أكثر من مائتي عام من التداول الديمقراطي للسلطة.

أميركا بحاجة للعقل.. والتعقل.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free