التاريخ السري للإغتيالات: إسرائيل ترصد الإتصالات منذ الأربعينيات(5)

إستعرض الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان في فصول سابقة من كتابه "إنهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية" أبرز عمليات الإغتيال التي نفذتها مجموعات صهيونية متطرفة ضد مسؤولين في إدارة الإنتداب البريطاني لفلسطين. في هذا الفصل، يعرض بيرغمان كيف أصبحت المجموعات الدموية نفسها النواة المؤسسة لقيادة ومؤسسات الكيان الصهيوني.

يبدأ رونين بيرغمان هذا الفصل من الكتاب بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة تقسيم فلسطين الى دولتين، واحدة منهما لليهود وذلك في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 (دخل حيز التنفيذ بعد ستة اشهر من صدوره). تزامن الاعلان مع عاملين اساسيين اديا الى قيام الكيان الصهيوني، اولهما، اكتمال البنية التحتية للحركات الصهيونية كنواة لقيام الاجهزة الامنية والعسكرية والاستخباراتية والادارية للدولة، مقابل عدم وجود اية نواة لقيام دولة فلسطين لجهة التنظيم والادارة، اذ كان الجانب الفلسطيني بعيدا كل البعد عن اية اشكال تنظيمية بالرغم من الحماسة الوطنية، ثانيها، تحالف الحركات الصهيونية مع قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ومشاركتها في المعارك من خلال لواء اليهود في الجيش البريطاني مقابل مراهنة الفلسطينيين على العلاقة مع ألمانيا النازية التي خسرت الحرب. في سياقه السردي، يُظهر بيرغمان الفلسطينيين بصورة المعتدي عبر عملية السرد القائمة على ان كل ما ارتكبته العصابات الصهيونية كان بمثابة ردة فعل على اعمال عدائية فلسطينية، متناسياً ان العدد الاكبر من اليهود في فلسطين هو من المهاجرين الذين اتوا واستوطنوا على اراض يملكها فلسطينيون.

“الحرب الأهلية”

يقول بيرغمان ان الرد الفلسطيني على القرار الدولي جاء بعد يوم واحد من صدوره، اذ شنّ القائد الفلسطيني حسن سلامة مع مجموعة من رفاقه هجوماً على حافلتين تقلان يهوداً قرب مستوطنة “بتاح تكفا” وسط فلسطين، فتسببوا بقتل ثمانية اشخاص وجرح آخرين، لتنطلق بعدها ما يصفها بيرغمان بـ”الحرب الاهلية” بين اليهود والفلسطينيين، فيما يصح توصيفها بأنها كانت حرباً بين اصحاب الارض ومهاجرين قادمين من مختلف اصقاع المعمورة. يقول مؤلف الكتاب ان حسن سلامة وقف بعد هذا الهجوم في الساحة الرئيسية لمدينة يافا الساحلية يخاطب جمهور الفلسطينيين قائلاً “سيكون هناك حمام دم في فلسطين”. يضيف بيرغمان “لقد وفى سلامة بوعده إذ قتل في الاسبوعيين التاليين 48 يهودياً وجرح 155 اخرين”. وكان سلامة حينها يقود قوة مؤلفة من حوالي 500 مقاتل، بحسب بيرغمان، واصبح ينظر اليه كقائد وطني بطل بلغت هجمات مجموعته قلب تل ابيب.

يقول بيرغمان انه في ذلك الوقت، كان ديفيد بن غوريون يعتبر الفلسطينيين اعداء والبريطانيين رعاة لهم حتى فترة تنفيذ القرار الدولي في ايار 1948. ويضيف ان تسليح وحدات “الهاغاناه” كان ضعيفاً حينها وفي مستودعات سرية بعيداً عن اعين سلطات الانتداب البريطاني. لكن بيرغمان يناقض نفسه عندما يقول ان تدريبات عناصر “الهاغاناه” كانت ضعيفة، ذلك انه يقول في مكان آخر ان النواة الاساسية خدمت في صفوف الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، ولكن كان العدد الاكبر من هؤلاء العناصر، من المهاجرين اليهود الذين نجوا من “الهولوكوست”، وبينهم من خدموا في صفوف الجيش الاحمر السوفياتي!

ويشرح بيرغمان ان بن غوريون لاقى قناعة إستخباراتية غربية ولا سيما امريكية مفادها ان الفارق العددي لصالح الفلسطينيين سيؤدي الى انهيار القوات اليهودية. ولكن بن غوريون بالرغم من ذلك كان واثقا من “النصر”.

“الهاغاناه” وخطة “سيترلينج”

يشرح الكاتب كيف إختارت وحدات النخبة في “الهاغاناه” اهدافاً ذات تأثير قوي على الفلسطينيين. ومن ضمن هذه الخطة، التي اطلق عليها اسم “ستيرلينج”، اختارت “الهاغاناه” 23 قائداً فلسطينياً ليكونوا هدفا لعملياتها. وينقل بيرغمان عن قائد قوات “الهاغاناه” حينها ياكوف دوري قوله في وصف الخطة انها كانت مؤلفة من ثلاث طبقات: “قتل القادة الفلسطينيين؛ او اعتقالهم؛ وضرب المراكز السياسية والاقتصادية والصناعية للفلسطينيين”. وكان على رأس قائمة الاهداف حسن سلامة نفسه الذي كان يعمل تحت قيادة مفتي القدس الحاج امين الحسيني الذي قاد الانتفاضة الفلسطينية في العام 1936.

“الحسيني وسلامة وحّدا جهودهما في العام 1942 مع اجهزة الاستخبارات النازية والـ”اس. اس” لتنفيذ عملية عسكرية ضخمة تحت اسم “عملية اطلس” والتي كانت تقتضي انزال مجموعات من المظليين الالمان والفلسطينيين في تل ابيب لتسميم مصادر المياه في تل ابيب وقتل اكبر عدد ممكن من اليهود، وقد فشلت هذه الخطة فشلاً ذريعاً”

وقد غادر سلامة والحسيني فلسطين إثر اعلان سلطات الانتداب البريطاني انهما بين اكثر الاشخاص المطلوبين. ويزعم بيرغمان ان القائدين الفلسطينيين الحسيني وسلامة وحّدا جهودهما في العام 1942 مع اجهزة الاستخبارات النازية والـ”اس. اس” لتنفيذ عملية عسكرية ضخمة تحت اسم “عملية اطلس” والتي كانت تقتضي انزال مجموعات من المظليين الالمان والفلسطينيين في تل ابيب لتسميم مصادر المياه في تل ابيب وقتل اكبر عدد ممكن من اليهود، وقد فشلت هذه الخطة فشلاً ذريعاً بعد ان كانت القوات البريطانية قد فكت شيفرة “انيجما” الالمانية، فاعتقلت القائد سلامة واربعة من رفاقه اثر هبوطهم في صحراء مدينة اريحا في 6 تشرين الاول/أكتوبر عام 1944.

إغتيال حسن سلامة أولوية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان القسم السياسي للوكالة اليهودية العامل في اوروبا (وهو فعلياً جهاز استخبارات) يضع نصب عينيه ملاحقة الحسيني وتتبع حركاته وقتله وقد نفذ العديد من المحاولات الفاشلة بين العامين 1945 و1948 وكان الهدف المعلن هو الانتقام منه لتحالفه مع النازيين خلال الحرب ولكن الهدف المضمر هو دفاعي بإمتياز، بحسب بيرغمان، فقد كان الحسيني، وعلى الرغم من وجوده خارج فلسطين، ناشطاً في تنظيم الهجمات ضد المستوطنين اليهود في شمال فلسطين وفي محاولات عدة لاغتيال قادة يهود ولكن نظراً لضعف استخباراته وسوء التدريبات لعناصره باءت كل هذه المحاولات بالفشل.

كانت مطاردة سلامة اول عملية لـ”الهاغاناه” يدمج فيها العامل البشري مع العامل الالكتروني وكانت “عملية واعدة”، بحسب بيرغمان، فقد تمكنت وحدة من استخبارات “الهاغاناه” المسماة حينها “شاي” بقيادة ايسير هاريل من التعليق على خطوط الهاتف الرئيسية التي توصل مدينة يافا بباقي انحاء البلاد وذلك تحت احدى المدارس الزراعية، ومن خلال رصد المكالمات بين النشطاء العرب، سمعت الوحدة حسن سلامة يقول في احدى المكالمات انه سيأتي الى يافا، فنصبت له كميناً على الطريق الذي سيسلكه حيث تم رمي جذع شجرة لاعاقة حركة سيارته. لكن العملية فشلت شأنها شأن عمليات عديدة اخرى قبل ان يقتل سلامة في مواجهة حصلت لاحقاً.

القتل بالأنابيب المعدنية

يقول بيرغمان انه من العمليات الناجحة كانت تلك التي نفذتها وحدات النخبة في “الهاغاناه” التي كانت تتبع عملياً لميليشيا “بالماخ” الجيدة التدريب والتسليح. هذه الميليشيا كانت تتميز بكتيبتين هما “باليام” (الكتيبة البحرية) و”مفرزة المستعربين” التي كان عناصرها يتنكرون بالزي العربي. وينقل الكاتب عن ابراهام دار، احد عناصر وحدة “باليام”، قوله ان اولى مهام وحدته كانت السيطرة على ميناء حيفا فور مغادرة القوات البريطانية البلاد والاستيلاء على الاسلحة والذخائر التي يخلّفها البريطانيون وراءهم ومنع الفلسطينيين من القيام بذلك. وينقل الكاتب عن إبراهام دار أيضاً قوله انه واثنان من وحدته تنكروا بزي جنود بريطانيين والتقوا بوسطاء فلسطينيين حيث زعموا انهم يودون بيع كميات من السلاح المسروق، وحددوا لهم موعداً لعملية التبادل قرب طاحونة احدى القرى الفلسطينية، حيث كمنت مجموعة اخرى من وحدته لهم وانقضت على الوفد الفلسطيني لتقتل اعضاءه بانابيب معدنية كي لا تستخدم الاسلحة النارية التي كان كان يمكن لأصواتها أن تفضحهم.

اما عن “مفرزة المستعربين”، فيقول بيرغمان ان “الهاغاناه” انشأتها عندما تيقنت انها بحاجة لخلايا من المقاتلين المدربين جيداً للعمل خلف خطوط العدو، وكانت عملياتها تتضمن جمع المعلومات وتنفيذ عمليات تخريب للمنشآت وعمليات اغتيال. وكان معظم عناصر هذه الوحدة من اليهود المهاجرين من دول عربية وتضمنت تدريباتهم تكتيك الحرب الانصارية والتفجيرات بالاضافة الى التعمق في دراسة الاسلام والتقاليد العربية.

مفرزة المستعربين

ويروي بيرغمان كيف اثمر التعاون بين “مفرزة المستعربين” و”باليام” العديد من العمليات الناجحة، ومنها محاولة اغتيال الشيخ نمر الخطيب رئيس المنظمة الاسلامية الفلسطينية الذي كان له تأثيره الكبير في الشارع الفلسطيني، وفي شباط/فبراير من العام 1948، كمنت قوة مشتركة من الوحدتين للخطيب، وتمكنت من اصابته بجروح خطرة ادت الى نقله خارج فلسطين حيث لم يلعب اي دور بعدها. ويروي بيرغمان نقلا عن إبراهام دار كيف تمكنت قوة مشتركة من الوحدتين من تفجير سيارة اسعاف كان الفلسطينيون، بحسب زعمه، قد فخّخوها بالمتفجرات بهدف تفجيرها في الحي اليهودي المكتظ في حيفا.

تمكن المستوطنون ليس فقط من صد الهجمات العربية في العام 1948 بل التوسع في اراض فلسطينية لم يشملها القرار الدولي بالتقسيم

يقول بيرغمان انه قبل اعلان بن غوريون قيام “دولة اسرائيل” في 14 ايار/مايو عام 1948، كان الأخير قد عمل بصورة حثيثة على نسج شبكة علاقات واسعة مع مصادر في الدول العربية، وقبل الاعلان بثلاثة أيام، ابلغه رئيس القسم السياسي للوكالة اليهودية (قسم المخابرات في الوكالة) ان الدول العربية قرّرت شن هجوم واسع على المستوطنات اليهودية تزامناً مع الاعلان. وثبُت لاحقاً ان هذه المعلومة كانت دقيقة، اذ بعد ساعات من اعلان الدولة، وفي منتصف الليل، شنّت سبعة جيوش عربية هجوماً واسع النطاق على المستوطنات حققت خلاله نتائج مهمة في البداية وتسببت بالكثير من الخسائر البشرية، ولكن المستوطنين اليهود تمكنوا من استيعاب الصدمة واعادة تجميع انفسهم وخطوط دفاعهم وإنتقلوا الى الهجوم. وبعد قرابة الشهر من المعارك وبوساطة من الامم المتحدة عبر مبعوثها الخاص الكونت فولك برنادوت، توصل الطرفان الى وقف لاطلاق النار.

إنشاء الوكالات الثلاث

بعد استئناف القتال، كانت الصورة قد انقلبت رأساً على عقب لمصلحة المستوطنين بفضل استخباراتهم القوية وادارتهم المنظمة للقتال. وبذلك، تمكن المستوطنون ليس فقط من صد الهجمات العربية بل التوسع في اراض فلسطينية لم يشملها القرار الدولي بالتقسيم.

ويستطرد بيرغمان هنا بالقول ان بن غوريون لم تغره الانتصارات المحققة، فأخذ يعمل على بناء أجهزة تجسس محترفة تتناسب مع “قيام الدولة الشرعية”، ولم يواجه بن غوريون كثير عناء في إقناع قادته بذلك خلال الاجتماع الذي عقده في 7 حزيران/يونيو (أي بعد ثلاثة أسابيع من إعلان الدولة). فتقرر خلاله انشاء ثلاث وكالات، الاولى، هي قسم الاستخبارات التابع للقيادة العامة لقوات الدفاع الاسرائيلية والتي عرفت اختصارا باسم “امان”؛ الثانية، هي وكالة الامن العام وعرفت اختصارا باسم “شين بيت” وكانت مهماتها محصورة بالامن الداخلي وهي على شاكلة “اف بي آي” الامريكية و”ام اي فايف” البريطانية (تم تغيير اسم هذه الوكالة لاحقا ليصبح وكالة الامن الاسرائيلي او “الشاباك”)؛ الثالثة، هي القسم السياسي التابع للوكالة اليهودية والمتخصص باعمال الاستخبارات الخارجية وجمع المعلومات.

في الحلقة المقبلة (السادسة)، ديفيد بن غوريون يأمر باغتيال رئيس وزراء لبنان رياض الصلح

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course