أبو الياس على أكتافنا.. بئسَ السياسةُ وبؤسُها

أتذكَّر ليلة ذاك الخميس من عام 2003. كنّا انتهينا للتوّ من "عجقة" النشرة الإخباريّة المسائيّة. فجلسنا في الـ news room لنستريح قليلاً. فجأةً، سمعنا صياحاً وصخباً. ركضنا إلى أسفل، مُعتقدين أنّ عراكاً قد اندلع في المحطّة (حيث كنتُ أعمل). فإذا بشبابٍ يتقدَّمون بسرعة داخل المبنى، ويهتفون "بالروح بالدم...". على أكتافِ أحد "المغاوير"، كانت تتدلَّى ساقا رجلٍ سبعيني. كان يبتسم (ببلادة)، ويرفع يديْه ملوِّحاً لمَن هُرِع إلى المكان.. للفُرْجَة. 

لم يكن المرفوع على الأكتاف إلاّ “أبو الياس” (كما كان يحبّ أن يُنادى). فهذه عادته التي رسَّخها تقليداً، للحفاوة به أينما حطَّ رحاله. مِكرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدْبِرٍ معاً. وَلَج نائب المتن والوزير السابق ميشال المرّ في مبنى التلفزيون. فهو، بعد دقائق، سيحلُّ ضيفاً على أنجح برنامج “توك شو” في المحطّة (وسائر المحطّات اللبنانيّة). وهذا “الضيف الجليل” (الذي لا يسمع به أحدٌ اليوم) شكَّل، في تسعينيّات القرن الماضي، “ظاهرة”. لا لفرادته وتميُّزه أو لموهبةٍ خاصّة لديه. بل، لمزايا من نوعٍ خاص، كان يتمتّع بها. كان ظاهرة نيابيّة خدماتيّة لم يعرف بلدُنا مثيلاً لها. و”لا تقلْ شئنا..(كما تنشد أمّ كلثوم للشاعر إبراهيم ناجي) فإنّ الحظّ شاء”! نعم. شاء حظّنا وشاءت ظروف الرجل، أن تجعل منه رقماً صعباً في حسابات السياسة اللبنانيّة.

فميشال المرّ (الكبير) أمسك بيده، على الدوام، “علاّقة” مفاتيح سياسيّة وانتخابيّة. إذْ كان الجميع (تقريباً) يمرّ من عند المرّ. لدرجةٍ كان بعض اللبنانيّين (من العارفين والمهتمّين طبعاً) يتندَّرون بالقول، إنّ “نكبة” زعيم بتغرين (بلدة آل المرّ) تتلخّص في كونه غير ماروني. وإلاّ، لكان احتَلَّ “القصر الجمهوري” أبَدَ الدهر! كيف لا، وهو رجل “سوريا الأسد” الأوّل والمِقدام والمُطيع، في بلاد الأرز. فحُظْوته السوريّة هذه، هي التي أضفت عليه “هيبةً ووقاراً” استثنائيّيْن. بات الكلّ يأبى جانبه. أمّا مَن احتاج إلى خدماته، فكان عليه أن يبجِّله بالسواعد الروافع. وهو، لَعَمْري، كان يعشق الدلال والتبجيل. ما حدا ببعض اللبنانيّين للتهكُّم عليه بالإشارة، إلى أنّ “ميشال المرّ لا يحتاج إلى سيارةٍ لتنقّلاته. فهو يسير على أكتاف الناس”. لماذا أتذكّر ميشال المرّ اليوم؟

في الحقيقة، الدعابة المُرّة أعلاه، هي ما ذكّرني به. أي السخرية، من تكريسه “بدعة” الركوب على أكتاف الناس ليصل إلى حيثما يريد. وعاودتني ذكراه، مطلع هذا الأسبوع، عندما انتشر الفيديو لوزير الصحّة اللبناني، بلقطاته المثيرة للغضب والضحك، في آن. إذْ، ظهر وزيرنا محمولاً على أكتاف رَبْعه في بعلبك، يراقص السيف مُكَمَّماً (على أنغام أغنية “صوت الحِدا”). فكسر، بزفَّة الكورونا، الجرَّة، مُعتقِداً أنّه يودِّع شهور النحس. كالرصاص العشوائي، أطلقت المواقعُ التواصليّة (كالعادة) الصور والستايتوسات والهاشتاغات المتهكِّمة على “فارس الكوڤيد العربي”. ولأنّه محسوبٌ على حزب الله، تحوّلت وصْلته الراقصة على الأكتاف، إلى صيْدٍ ثمينٍ لمُصوِّبي السهام، بمناسبة أو غير مناسبة، على أكثر الأحزاب اللبنانيّة إثارةً للجدل.

أمّا السلاح الذي استخدمه المهاجمون في هجومهم، فكان تزامُن زفَّة بعلبك مع إعلان وزارة الصحّة، في اليوم نفسه، أعلى حصيلة تُسجَّل (منذ أسابيع) لمصابين بفيروس كوڤيد-19. فبدا الابتهاج على أنغام المرض تهريجاً، بل استفزازاً. وكأنّ المنتقدين يقولون للوزير ومن ورائه الحكومة ومن ورائهما العهد الأقوى (على الإطلاق): تهلِّلون على الأكتاف لنصرٍ افتراضي، بينما الناس يندبون على الأرض هزيمتهم الواقعيّة أمام عدّادات الكورونا. باختصار، كان المشهد صادماً للّبنانيّين، الذين باتوا موئلاً للصدمات. لكنّ مشهداً مماثلاً كان قد صدمهم، قبل أسبوعيْن، وإنْ لدواعٍ مختلفة. أيُّ مشهد؟

سؤالٌ يطرح نفسه في هذا الزمن العصيب. أهي “غلَّةٌ” مُنتَظَرة من المحافظة مثلاً؟ أم هو تأثيرُ Ronaldinho و Messi  على محافظنا الشاب؟ كلا. إنّها ظاهرة “أبو الياس” إيّاها

على الراحات، أيضاً، استقبلت بلدة دوما البترونيّة محافظ بيروت الجديد، وسط أجواء احتفاليّة. فحملت الأكتاف إبنها المحافظ (مع زوجته)، ليصل إلى الكنيسة حيث قُرعت الأجراس وأقيمت الصلاة على نيّته. كان منظراً مقيتاً، ظهَّر تنصيب شخصٍ في منصبٍ رسميّ وكأنّه فتْحٌ لبلاد الأندلس! فعَلامَ هذا الفرح والحبور؟ سؤالٌ يطرح نفسه في هذا الزمن العصيب. أهي “غلَّةٌ” مُنتَظَرة من المحافظة مثلاً؟ أم هو تأثيرُ Ronaldinho و Messi  على محافظنا الشاب؟ كلا. إنّها ظاهرة “أبو الياس” إيّاها. ورأيناها تتكرّر في جبال الشوف، مطلع الشتاء الفائت.

ففي الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، واستْ بلدة مزبود إبنها المصدوم المهندس سمير الخطيب، بأنْ حمله أهلوه على أكتاف الخيبة إلى دارته الفخمة. كان رجل الأعمال البارز متجهِّماً في السماء، بخلاف غيره من المُحتفى بهم. فرأيناه يتلفَّت حوله، من دون فرحٍ يُذكَر. أي، مثل مَن يريد الشيء ولا يريده. لكنّه معذور، فهو لا يزال تحت الوهلة. إذْ إنّه أعلن للتوّ، مغادراً دار الإفتاء في بيروت، اعتذاره (تحت الضغط؟) عن ترؤس الحكومة. فلقد ذُرَّ اسمه رماداً في العيون، بعد مرور تسميته في محرقة سعد الحريري (لأسماء المرشّحين لدخول السراي الكبير). هي حالاتٌ ثلاث إذن، تراعي، ولحُسن طالِعنا، العدل في التوزيع الطائفي. وعادت ووضعتنا مجدَّداً، أمام تفاقمٍ لظاهرة “أبو الياس” في بلدٍ يغلي بأزماته المتفاقمة. وإذا كان تزامُن التفاقميْن يستحقُّ، لوحده، الكتابة والتحليل، إلاّ أنّنا نتناول، هنا حصْراً، “ظاهرة أبو الياس الإجتماعيّة”.

أكثر من تساؤلٍ يُطرَح حيال هذه الظاهرة: لماذا نرفع على الراحات والأكتاف؟ وما هو أصلُ هذا السلوك الشعبي؟ أهو عادةٌ لبنانيّة؟ أم عربيّة؟ أم ماذا؟

ربّما من الصعب أن نفهم كيف يفكِّر الناس، أو بماذا يشعرون، أو لماذا يتصرَّفون بهذه الطريقة أو تلك! هكذا يختصر علم الأنتروپولوجيا صعوبة الإلمام بخلفيّات سلوكيّات البشر، في أيّ مجتمعٍ من المجتمعات. لكنّهم يرون، أنّ الأمر يحتاج إلى فهْم ديناميّة الجماعة التي ينتمي إليها الأفراد. لأنّ السلوك الإنساني، غالباً ما يكون جماعيّاً. لذا لا بدّ من دراسة الناس، من خلال السياق الذي يتفاعلون داخله. وكذلك، دراسة النُظم الاجتماعيّة التي تسود في المجتمعات-الجماعات المعنيّة، والدعائم الاجتماعيّة التي تصل إلى الأفراد، وتشكِّل وعيهم الجماعي (العادات والتقاليد والقيم والمعايير الأخلاقيّة..). أمّا بالنسبة لظاهرة “أبو الياس”، فلا يقدِّم الأنتروپولوجيّون تفسيراً دقيقاً أو قاطعاً للأسباب والدوافع التي تقف وراء هكذا تقليد (أو عادة). هم يشيرون فقط، إلى رمزيّة الدلالات، في هذا الإطار. فهو سلوكٌ يُرسِل عبره المحمول والحامل، على حدٍّ سواء وفي اللحظة ذاتها، رسائل مختلفة. وتندرج ضمن رمزيّة هذا السلوك، أيضاً، وظائف مختلفة:

  • فالحمْلُ على الراحات والأكتاف وفوق الرؤوس، يعني رغبة (أو نيّة) الحامل برفْعِ مَن يُحْمَل إلى مستوى أعلى من الناس، بعامّة، وممّن يحمله، بخاصّة.
  • لكلّ نوع “حمْل” دلالته. فهو يرمي إلى إظهار حالة الفرح والبهجة والاحتفال (مثل رفع العروسيْن).
  • وقد يكون للتكريم ولتوكيد رِفعة الشأن (مثل حمْل النعش، الشهيد، المنتصِر، البطل، النجم…).
  • ويهدف في حالات كثيرة إلى المجاهرة العلنيّة، بالولاء والتبعيّة والطاعة (مثل حمْل زعيم، مسؤول سياسي، نائب، مرشّح للانتخابات…).

وهذه الحالة الأخيرة، هي ما نتحدّث عنه بالتحديد اليوم: ظاهرة “أبو الياس”. أي، تلك الحالة التي تنطوي على مقدارٍ كبير من “عنفِ” التزلُّف والخنوع، يكفي لكي يندى له جبين البشريّة خجلاً.

الأكتاف الشغّالة في ظاهرة “أبو الياس” سرعان ما تتعطَّل، متى ذوى “مجد” المحمول وأفَل نجمه. ألمْ يحصل هذا الذَوي والأفول مع صاحب الظاهرة؟ أين الأكتاف التي رفعته، طوال سنوات، وداست على كرامتها وكراماتنا لتمشي به فوق الرؤوس

ما الذي يُضطرّ الإنسان إلى ارتكاب خطيئةٍ كهذه؟ هل تحوَّلَ بعض اللبنانيّين من وضعيّة الـ”مواطن” إلى وضعيّة الـ”زبون”؟ ولماذا إقحامُ الزبائنيّة الطائفيّة في كلّ تفصيلٍ لحياتنا؟

لو أنّ وزير صحّتنا رقّصته أكفُّ الأهالي في جونية لا في بعلبك، لكان لرقصته إيقاعٌ آخر! ولو إنّ محافظ عاصمتنا حملته الأكتاف في الطريق الجديدة لا في البترون، لتقبَّل الله، ربّما، صلاته أكثر! ولو إنّ أهالي كسروان هم مَن كانوا يطوفون بـ”أبو الياس” في التسعينيّات وليس (بعض) أهالي المتن، لفهمنا (ربّما أيضاً) تنقّلاته الهوائيّة بمنحىً آخر! فكأنّنا، هنا، نسمع الحامل يقول للمحمول أمام الحشود: “تذكّر يا سيّد عندما نطلب منك خدمة، أنّنا حملناك وبجَّلناك”. ففي ظاهرة “أبو الياس”، تكريسٌ عظيم لمبدأ التخادم المتبادَل والانتفاع المتقابِل، بين الذات والآخر. رسالة أخرى تُبعَث من هذه الظاهرة، كذلك. فعندما يُحمَل الوزير الشيعي في منطقته، والمحافظ الأرثوذكسي في منطقته، والمرشَّح الحكومي السنّي في منطقته، فإنّ كلاماً آخر يُسمِعه الحامل للمحمول وللّبنانيّين قاطبةً: “أيَا طوائف لبنان انتبهي. هذا المحمول على راحاتنا، هو منَّا ونحن منه. هو من حصَّتنا في الجبنة الطائفيّة. وما يطاله يطالنا”. وبعد؟

هي العصبيّة بحسب المفهوم الخلدوني (ابن خلدون). أي، التناصر بين أفراد جماعة (منغلقة) من الناس، تربطهم رابطة الدم أو النسب أو التحالف أو الولاء. فهذه الصلات، تجعلها جماعةً متعصِّبة لذاتها. وهذا التعصّب، يولِّد لديها القوّة. وعندما تحوز جماعةٌ قوّةً أكبر من غيرها، فإنّها تتغلّب على بقيّة الجماعات طوعاً أو كرهاً. وتستطيع امتلاك السلطة وكلّ أنواع السلطات. لذا، نفرح “على راس السطح” بأصغر منصبٍ أو إنجازٍ أو نجاحٍ لفردٍ من جماعتنا تلك (تعليق اليافطات المهنِّئة بالشهادات الأكاديميّة مثلاً). وعندئذٍ، نحمل على الأكتاف ونفدي “المحمول” بالدم والأرواح. لأنّ ذلك يعني (بلغة الجماعة المنغلقة)، أنّنا اقتربنا خطوة من… السلطة. تُعتَبَر سيادة ثقافة التزلُّم والتبعيّة، بلا ريب، مسألة خطيرة، بالمطلق. غير أنّ خطورتها تتفاقم، وبوتيرةٍ دراماتيكيّة، متى سادت في بلدٍ كلبنان. يشاهد شعبه آخر مَشاهد فيلم “زمن السقوط المدوّي”، للسلطة والنظام وكلّ شيء. ومهمٌّ التوقّف قليلاً، عند هذه النقطة.

يعلّمنا التاريخ، أنّه كلّما أصاب ظلم ويأس شديدان مجتمعاً من المجتمعات، تبرز فكرة “الزعامة” (أو “البطولة”) إلى حيّز الوجود. فثقافة التبعيّة “للزعيم” (على اختلاف أنواعه ومستوياته)، تعود إلى جذْرٍ نفسي يتأسّس على شعورٍ بالنقص والضعف والقصور، تجاهه. لذلك يستسهل الناس، عادةً، (والشعوب؟) تبنّي وترداد عباراتِ أو حركات أو مواقف الزعيم، والتصفيق والتهليل له. فيتعاطون حياله، ليس كمجرّد إنسانٍ عادي، بل كشخصٍ خارق ومُنقِذ، من تحدّياتٍ داخليّة أو عدوانٍ خارجي (على مستوى الجماعة الصغيرة أو الجماهير الكبيرة). وبرأي الفيلسوف الفرنسي Étienne de La Boétie، فإنّ الشعوب هي مَن تغذّي أو بالأحرى تستسلم لـ”عبادة الزعيم”. ويقول في كتابه الشهير “العبوديّة المختارة”: “إنّ الشعوب هي التي تترك القيود تكبِّلها. أو قلْ إنّها تكبِّل وتقهر نفسها بنفسها. ولأنّها تملك قرار خلاصها، فعليها الاختيار بين الرقّ والعتق. ويكون ذلك بخطوةٍ صغيرة: أن تكفَّ عن خدمته (الزعيم)”. أي ببساطة، كأنّ كاتبنا يلمّح إلى ضرورة تغيير الوضع القائم، عبر قلْب المعادلة. قلْب ما غنَّته أمّ كلثوم “لا تقلْ شئنا.. فإنّ الحظّ شاء”! ليصبح: قلْ شئنا.. ولا تقلْ الحظُّ شاء!

كلمة أخيرة. يُقال: “تتلاشى الأكتاف من حولك تدريجيّاً، كلّما ازدادت حاجتك للاستناد”!. بمعنى، أنّ الأكتاف الشغّالة في ظاهرة “أبو الياس” سرعان ما تتعطَّل، متى ذوى “مجد” المحمول وأفَل نجمه. ألمْ يحصل هذا الذَوي والأفول مع صاحب الظاهرة؟ أين الأكتاف التي رفعته، طوال سنوات، وداست على كرامتها وكراماتنا لتمشي به فوق الرؤوس؟ لكن، إنتهى زمن دوْس الكرامات، بعدما تعمَّم الزنى في حنايا الجمهوريّة اللبنانيّة. وكي نبقى في أجواء الرقص على أنغام الكورونا (التي بدأنا بها هذه السطور)، نستعيد أبياتاً من قصيدة “عزفٌ منفرد على الطبلة” لنزار قباني. إذْ يصدح شاعرنا الكبير: “لا يوجد شعرٌ أردأ من شعر الدولة.. لا يوجد كذبٌ أذكى من كذب الدولة.. لا أحدٌ يرقص بالكلمات سوى الدولة.. لا أحدٌ يزني بالكلمات سوى الدولة.. والسلطة تعرض فتنتها وحُلاها في سوق الجُملة.. لا يوجد عُريٌ أقبح من عُري الدولة”. إقتضى هجاء النظام اللبناني، في كلِّ حين.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free