17 تشرين كان أهم فرصة… لكنكم منعتموها يا سماحة السيد!

هذه المرة إسمح لي يا سماحة السيد. فلتعتبرني ابنتك. لكني سأكتب لك تحديداً هذه المرّة، إذ مهما كان هدف كلماتنا المكتوبة التأثير في صناعة الرأي العام، فإنني ومن موقعي الصغير، ولا أخفي ذلك، سأكتب لتقرأ أنت. وأنت أكبر المؤثرين في المشهد. وأنت قلت: نقبل النقد. حسناً، لا تعتبره نقداً يا سيد... اعتبره نوعاً من التفكير بصوت عالٍ، ومنصة هذا المقال هي مساحة للتفكير المشترك، ما دامت لا امكانية لإيصال الصوت إلا بذلك.

في مقالي السابق، توقّعت أننا سنشهد لغة قائمة على الإيجابيات. كنت أنتظر ذلك تماماً من كلمتك الأخيرة، وأنت مانح الأمل بكلماتك لمن يحبك. توقعت أيضاً التبشير بقيم الزهد والصبر وعدم اليأس. وهذا دأبكم دائماً. كنت على شبه يقين بأن خطاب هذا اليوم 7-7-2020 سيكون عنوانه الكلام الهادئ والايجابي. لا أكتب ما أكتب الآن لكي اتحدث عن نفسي طبعاً، أو عن امكانية استشرافي، ولا أبغي رفعةً أو شهرةً  أصلاً في مخاطبتي لك باسمك، كما يعبر البعض… وأنا تربيت في بيئة مقاومة حتى رُجمتُ منها بشراسة يوم تمايزت بالرأي، فأصبحت كالغريق لا أخاف من البلل، ولا أخاف التشهير، مذ استمديت حصانة ذاتية تجعلني أخاطب وفق ما يمليه عقلي عليّ. وعقلي هذا يملي عليّ اليوم أن أكتب لك حرصا على الناس. لا رغبةً في المزايدة. أكتب لمزيد من راحة الضمير حين أنام على وسادتي، بأني لم أترك فرصة لإيصال كلمتي. أكتب ما أكتب لأقول أن توقعي كان في محله لأنني أعرف أن الحلول قد ضاقت. ولا إمكانية لتهدئة النفوس إلا بخطاب مثيل. أدرك أنه خطاب صادق وذكيّ منك طبعاً، وأنت الموسوم بالصدق قبل الذكاء، لكنه يا سيد، لن يحوّل التهديد إلى فرصة بهذه البساطة… أبداً. تحويل التهديد إلى فرصة يكون بعمل تأسيسي، لا ترميميّ. وهنا الفرق.

منذ العام 2018، كان معلوماً أن لبنان في طريقه إلى الإفلاس. كان الأجدى منذ ذاك الوقت التفكير بعقلانية والبحث بجدية في التحول من النمط الاستهلاكي والاقتصاد الريعي إلى المنتج. ماذا فعلنا؟ ثمة من كان يطرق باب محطتكم، قناة “المنار”، لينبه. ليستجدي دعمكم. ليشرح. ماذا فعلنا؟ هل الذهاب الى “سيدر” هو عنوان عريض للتحول من النمط الاستهلاكي الى النمط المنتج؟ هل الورقة الاصلاحية هي عنوان عريض لجهاد الزراعة والصناعة؟ هل الذهاب الى “صندوق النقد”هو كذلك؟

سماحة السيد.. لا مياه لنزرع. المياه آسنة. لا منازل ولا أراض ليزرع الكثيرون. بل على العكس. كثر هم المشردون. ومن سيتشردون

الكلام عن نمط منتج لا استهلاكي يعني هدم النظام القائم على تزاوج بين السلطتين المصرفية والسياسية، وحين كانت 17 تشرين فرصة، أنتم من ساهمتم في خطاب كان من شأنه المساهمة في إطالة عمر هذا النظام، مع أنكم أنتم من تمتلكون ثقافة هي على النقيض من النمط النيوليبرالي. ثم ما معنى ان نتعب نحن ونزرع فيما أنتم لا تمانعون الذهاب الى “سيدر” و”صندوق النقد”، أي ما معناه ان يدفع الناس من جيوبهم ما يجب أن يدفعه السارقون من الساسة والمصرفيين؟ أهكذا تكون العدالة والحلول؟ أهكذا يكون الانتاج؟

الناس ستبيع منازلها يا سيد. ستبيع أرضها. لا مكان للزراعة. أما عن الصناعة… فهل من كهرباء؟ حسناً ستقولون اعطينا حلولا وما قبلوا. طبعاً، فالحلول المقدمة ليست منطلقة من خطة، وستجابه في اطار الصراع السياسي. وهذا متوقع طبعاً..

منذ 17 تشرين الى اليوم، كنتم تخططون وفقاً لردة الفعل.. كان من الأجدى التخطيط بـ”الفعل”. بالخطة المكتملة. والخطة معروفة، ولا تبدأ من حكومة الواجهة التي رعيتموها يا سماحة السيد، والتي أفضت إلى أن يصبح البعض من الساسة ممن هم من السارقين الحقيقيين في صف المعارضة، وهم اليوم يحاضرون في وقف الانهيار! يا لسخرية القدر..

يا سماحة السيد، صاحبة هذه السطور عضو في ملتقى “سحمر أحلى” في البقاع الغربي، وهو ملتقى تأسس من الناس لأجل الناس.. لا من الأحزاب. وحاولنا تأمين بذور وشتول بلا مقابل مادي للناس.. وكانت الإجابة واضحة: لا مياه لنزرع.

لنعترف. حان وقت الاعتراف. ألم تخطئوا التشخيص؟ ألم تحكموا قبضة المؤامرة؟

لو ذهب واحدنا الى من ظل يصبر 12 سنة مثلا على سوء السلطة، ويشتغل صبح مساء من أجل تأمين لقمة العيش لاولاده.. ثم هو اليوم بلا عمل. واضطر لأن يبيع اثاث منزله، وان يستجدي لقمة العيش استجداء، وبذل، وقلت له اصبر، لا تيأس. ثم استفاق على وجه ابنته التي تقول له ماذا سنأكل اليوم. واين سننام اليوم. هل سينفع خطاب الانتاج يا سيد؟

أعلم أن لا شيء سلبياً بالمطلق، وأن الايجابيات تولد من رحم ما هو سلبي. لكن الحديث الشمولي لا ينفع. يهدئ نفوساً مرتاحة على وضعها نسبيا، لكنه لا ينفع. كان الأولى أن تساهموا في التأسيس لدولة قائمة على نمط منتج، لا أن تخاطبوا الناس وفق كلام يقوله الناس بين بعضهم أصلاً… لكنه لن يحمي الكثيرين، ولن يعيد أشغال الكثيرين، ولن يؤمن مستقبل ابنائنا، ولن يعيد الاموال المودعة، ولن يحاسب السارقين، ولن يؤدي الى ضرائب عادلة..

العدل يا سماحة السيد له مورد واحد، وانتم تقرأون في دعاء كميل في كل خميس: واجعل اعمالي واورادي كلها وردا واحدا.. ألا يقتضي العدل يا سماحة السيد الاعتراف، والبدء بالشروع للتأسيس، ولتحويل التهديد الى فرصة عمليا لا خطابيا… لا للترميم؟

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course