تفجير “نطنز”.. حروب المنطقة الرمادية تنتقل إلى داخل إيران

قد تكون صدفة وقوع انفجارات وحرائق خلال فترة قصيرة في غير مكان في العالم، لكن مع تواليها ووقوعها في مواقع عسكرية ونووية في إيران خلال أسبوعين، رفعت من مستوى الشكوك حول ارتباطها ببعضها البعض فضلًا عن عمديتها. فخلال الشهر الماضي وقعت حرائق وانفجارات عديدة في مدن إيرانية مختلفة، منها ما حدث قرب المجمع الصناعي العسكري في خجير، والمنشآت النووية في نطنز، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية حجمًا كبيرًا لما خلفته تلك الانفجارات، لاسيما انفجار نطنز. ما حدث في إيران خلال الفترة الماضية لا ينفصل عن سياق التوترات المستمرة بين أميركا وإيران وتبادل الصراعات سايبريًا. كما أن هذه التطورات لا تحدث من فراغ، خصوصًا مع خروج "حروب الظل" بين إيران وإسرائيل إلى العلن.

على مدار العام الماضي، وسَّعت إسرائيل أيضاً ضرباتها ضد إيران في سوريا، وامتدت إلى العراق، وأصبحت أكثر شفافية بشأن تورطها، بعيداً عن موقف الغموض السابق. كذلك، أضحت عقيدة “الأخطبوط” مقبولة على نطاق واسع في جميع أنحاء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إذ تسعى هذه الأخيرة لمهاجمة الرأس، وليس الأذرع فقط في جميع أنحاء المنطقة. وقد أدى ذلك إلى هجمات مباشرة على أفراد إيرانيين في سوريا والعراق، وليس مجرد ضربات ضد مجموعات بالوكالة.

إن الغموض الذي يكتنف هذه الحوادث الأخيرة في إيران وكيفية وقوعها والجهات الضالعة في ارتكابها -رغم توجيه أصابع الاتهام بالدرجة الأولى إلى أميركا وإسرائيل- وفي ظل أن العديد من البلدان لديها مصلحة واضحة في تأخير المشروع العسكري النووي الإيراني، وإسرائيل واحدة منها، يشير إلى نهج جديد يُتبع في التعامل مع إيران يعتمد على حروب المنطقة الرمادية أو ما يعرف في الأدبيات الإسرائيلية بالمعركة ما بين الحروب. فما يجري في الأسابيع الأخيرة في مواقع مختلفة على الأراضي الإيرانية، يُذكر كثيراً جدًا بسلسلة الأعمال الجوية التي نُسبت لإسرائيل ضد أهداف إيرانية في سوريا خلال الأشهر الأخيرة.

في المعارك الحديثة تجري الاستفادة من جميع الأدوات في إطار الحرب بالوكالة والهجمات السايبرية، واللاعبون في المنطقة الرمادية يستفيدون من كل القوى سواء العسكرية أو شبه العسكرية أو القوات التي تسيطر عليها الحكومة، وحينما تستخدم هذه القوات، تعمل في إطار المفاجأة، وتقوم بالعمليات بأقصى حالات الغموض والتستر والمرونة."1"

هذه الحوادث في إيران وقعت كذلك بالتزامن مع مرور 10 سنوات على هجوم “ستاكس نت” السايبري الذي تعرّض له مفاعل “نطنز” النووي في 2010 والذي استهدف البرامج المعلوماتية في إيران، وتسبّب بعطل في أكثر من 30 ألف حاسوب منها حواسيب مفاعل “نظنز”، ما أدّى إلى عرقلة تقدم البرنامج النووي الإيراني.

مسلسل التفجيرات والحرائق بدأ من منشأة بالقرب من منشأة بارتشين العسكرية، حيث أعلنت وزارة الدفاع في 26 حزيران/ يونيو الماضي عن انفجار عادي في مخازن الغاز في المحيط، لكن بعد ذلك، قال محللون غربيون إن الانفجار وقع في نقطة لتجميع الصواريخ الإيرانية في منطقة خجير على بعد 20 كيلومتر من بارتشين.

بعدها، وفي حدث آخر وقع ليلة 30 حزيران/ يونيو هز انفجار العاصمة طهران في عيادة “سينا أطهر” الطبية، أسفر عن سقوط 19 شخص قتيلًا وإصابة آخرين. وجاءت الرواية الإيرانية سريعا قبل حتى أن تبدأ التكهنات، لكن هذا لم يمنع التكهنات ربطًا بالحادثة السابقة، مع ذلك لم يكن هناك من فرضيات قوية وصلبة في ظل حقيقة أن المنطقة مفتوحة للعامة والمركز الطبي هناك معروف ومن غير الممكن أن تكون في المنطقة منشآت لأغراض عسكرية أو نووية.

وفي اليوم التالي أي الأوّل من تموز/ يوليو صدر تصريح مقتضب ولافت عن المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، مفاده: “حادثة في إحدى المستودعات قيد الإنشاء خارج مبنى مفاعل “نطنز” النووي دون خسائر بشرية أو خطر أو تأثير على نشاط المنشأة، والجهات ذات الصلة من الخبراء تتحقق من أسباب وقوع الحادثة”. ثم أعلن كمالوندي تالياً عن تسبب هذا الحريق بأضرار جسيمة، بما قد يؤدي إلى إبطاء تطوير أجهزة طرد مركزي متطورة وإنتاجها على المدى المتوسط”، مشيراً إلى أن “طهران ستشيد مبنى أكبر بمعدات أكثر تقدماً بدلاً من المبنى المتضرر في نطنز”."2"

وأوضح كمالوندي أن المعدات التي تضررت “هي معدات قياس وأجهزة دقيقة”، لافتاً إلى أن الحادث “أدى إلى إتلاف بعضها وتضرر جزء آخر منها”. الجدير ذكره، أن الانفجار في مبنى منشأة “نطنز” النووية التي تُعد أكبر مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران، جاء بعد 10 سنوات على تعرّضها لهجوم سايبراني استهدف حواسيبها. هذا الأمر قاد في حينه لتعطل أجهزة الطرد المركزي، قبل أن يتمكن الفنيون في المنشآت من استبدال القطع الألمانية التي تعطلت جراء الهجوم بقطع محلية الصنع. وكانت أصابع الاتهام الإيرانية تشير آنذاك إلى إسرائيل والولايات المتحدة."3"

وحسب بعض الخبراء المتخصصين، فقد أدى هذا الحادث إلى خفض قدرة إيران على تسريع تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى حوالي ثلاثة أشهر على الأقل. وهذا بدوره يصب في خدمة الفرضية التي تقول إن “نطنز” تعرّض لهجمات تهدف بالأساس إلى تخريب منشآته وإبطاء مسار البرنامج النووي الإيراني خاصة بعد الخطوات الخمس التي اتخذتها طهران رداً على عدم وفاء الدول الأوربية الثلاثة المشتركة في الاتفاق النووي بريطانيا وفرنسا وألمانيا بتعهداتها في الاتفاق.

صراعات المنطقة الرمادية

أسست الولايات المتحدة لعدد من المصطلحات للتعبير عن حالات الصراع التي لا تدخل حيز الحروب التقليدية، ومنها “نزاعات المنطقة الرمادية” و”الحرب الهجينة” و”الحرب غير المتماثلة” و”الحرب غير النظامية”. وما يعرف بـ “المنطقة الرمادية” هي حالة بين الحرب والسلام. يسعى الفاعلون (الحكوميون ومن غير الدول) الذين يقومون بأنشطة المنطقة الرمادية إلى إجبار خصومهم دون الحاجة إلى نشاط عسكري مُكثف أو مُستدام. والهدف في صراع المنطقة الرمادية، تعزيز مصالح الأمن الخاصة على حساب المنافس وليس هزيمة عدو أو السيطرة على الأراضي التي كان يمتلكها في السابق. في كثير من الأحيان خلال صراعات المنطقة الرمادية، يكون الهدف الرئيسي للجهات الفاعلة هو التحكم في السرد الذي ينتصرون فيه (مثل حزب الله ضد إسرائيل في حرب تموز/ يوليو 2006)، أو لخلق حقائق جديدة على أرض الواقع بطريقة تقوَّض القانون الدولي (مثل روسيا في أوكرانيا في 2014، أو الأنشطة الجارية للصين في بحر الصين الجنوبي)."4"

كما أن النزاع المسلح ليس ضرورياً لمختلف الجهات الفاعلة للقيام بأنشطة المنطقة الرمادية، لكن التدهور الاجتماعي والسياسي الذي يجعلها خياراً جذاباً غالباً ما ينتج عنه نزاع مسلح. ومع ذلك، لتصنيف أزمة أو نزاع معين كجزء من المنطقة الرمادية، عادة ما يكون هناك قدر كبير من الاضطراب الاجتماعي والسياسي، إلى جانب التنافس النشط الذي يمكن أن يتطلب الإنكار المعقول من قبل جهات فاعلة متعددة.

تشمل مجموعة الأدوات عمليات المعلومات والمعلومات المضللة، والإكراه السياسي، والإكراه الاقتصادي، والعمليات السيبرانية، والعمليات الفضائية، والدعم بالوكالة، والاستفزاز من قبل القوات التي تسيطر عليها الدولة. لذلك تعتبر أنشطة المنطقة الرمادية ناجحة عند القدرة على تحقيق الأهداف دون الإفراط في الاستثمار وفضح نقاط الضعف في المناطق الحرجة الأخرى. ومن أبرز سمات الحرب السياسية:

  • ساحة المعلومات هي واحدة من أبرز معارك الحروب السياسية، والتفوق فيها يمنح صاحبه قدرة متزايدة على حسم الحرب لصالحه.
  • هناك أكثر من تكتيك لإدارة حرب المعلومات، وتتراوح بين التضخيم والتشويش، والإقناع في بعض الأحيان. ولكن يجب أن نعرف أن تقديم الأدلة المقنعة في الوقت المناسب هو أفضل “ترياق” للتضليل.
  • لكي تتمكن الدول -في مرحلة مبكرة- من الكشف عن الحروب السياسية التي تُدار ضدها، يجب أن تستثمر موارد كبيرة في العمليات الاستخباراتية."5"

ما يجري في إيران يؤشر إلى أنها تشهد تصعيداً واضحاً يهدف بالدرجة الأولى إلى جرّها لخطوات غير محسوبة تتحوّل لذريعة في ما بعد لفرض عقوبات جديدة تعيقها عن استغلال رفع حظر التسليح المزمع في تشرين الأول/ أكتوبر القادم. ففي 12 يونيو الماضي، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تقريره حول حادثة تعرض منشآت نفطية سعودية في بقيق وخريص في أيلول/سبتمبر 2019 إلى هجمات، وكشف خلاله عن أن صواريخ كروز التي هجومت بها المنشآت أصلها إيراني”.

ثم تبنى مجلس حُكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قرارًا في 19 حزيران/ يونيو الماضي ينتقد إيران بشأن برنامجها النووي، ويدعوها رسميًا أن تسمح بتفتيش موقعين يشتبه قيامها فيهم بأنشطة نووية غير معلنة في الماضي، وأحد هذه المواقع يتبع لمفاعل “نطنز” النووي.

إذا لم يُرد على السلوك الهجومي لإسرائيل تجاه إيران بما يتناسب معه، وبشكل محسوب، فلن تغيّر تل أبيب توازن القوى الأمني في المنطقة فحسب ، وإنما ستجعل البقاء والأمن القومي الإيراني يواجهان مخاطر جديدة جادة

أميركا التي انسحبت من خطة العمل المشتركة الشاملة المعروفة بـ “الاتفاق النووي” في أيار/مايو 2018، تحاول تمديد حظر التسليح المفروض على إيران بموجب القرار الأممي 2231 الذي صدّق على الاتفاق النووي والذي من المقرر أن يرفع في تشرين الأول/أكتوبر القادم بموجب الاتفاق، وسعت جاهدة من خلال عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول تمديد حظر التسليح على إيران في 30 حزيران/يونيو الماضي إلى حشد أممي للموافقة على تمديد حظر السلاح وذلك من بين سيناريوهات أخرى.

وفي سياق أوسع، يتعيّن الوضع في الحسبان أيضاً الغارات المنسوبة لإسرائيل خلال العامين الماضيين في العراق وسوريا على قوّات موالية ومحسوبة على إيران، والتي لم ترد عليها طهران، والتي حذّر محللون من أن إيران قد تكون المستهدفة تالياً بعد التدرج في الاستهداف من قبل إسرائيل.

ووفقًا للمتخصص في شؤون الشرق الأوسط مصطفى نجفي، تمكنت إسرائيل خلال العامين الماضيين من تثبيت قاعدتين حربيتين، وتتجه إلى تثبيت الثالثة حالياً، والتي تعتبر تهديدا جادا لإيران واعتباراتها الأمنية.

  • الأولى، الهجوم على مواقع القوات المقربة من إيران في سوريا والتي وقعت بشكل مستمر منذ العام 2015 وحتى الآن. وثبّتت هذه القاعدة مع عدم الرد على اعتداءات تل أبيب.
  • ومع تثبيت القاعدة الأولى، وعدم الرد عليها، اهتمت إسرائيل بقاعدة الحرب الثانية المتمثلة في الإغارة على القوات المقرّبة من إيران في العراق وفي جميع أرجاء الشام، على النحو الذي شاهدناه في غارات لإسرائيل في العمق العراق على تلك القوات في تموز/يوليو 2019.
  • القاعدة الثالثة: تقطع إسرائيل خطوات نحو قاعدة جديدة بعد تثبيت القاعدتين السابقتين؛ والتخريب والإغارة على مواقع وأهداف في إيران كانت الخطوة الثالثة للسلوكيات الهجومية لإسرائيل أمام إيران، وهي الخطوة التي إذا لم يُرد عليها بما يتناسب معها وفي الوقت ذاته محسوبة، فلن تغيّر توازن القوى الأمني في المنطقة فحسب ، وإنما ستجعل البقاء والأمن القومي الإيراني يواجهان مخاطر جديدة جادة."6"

فرضيات حادثة “نطنز”

طرحت حادثة “نطنز” تساؤلات عديدة حول الطريقة التي وقع بها الانفجار في ظل الخسائر التي أعلن كمالوندي عنها فضلًا عن الإحجام الرسمي الإيراني عن كشف السبب وراء ذلك مبرراً إحجامه هذا بـ “الدواعي الأمنية”. وهو الأمر الذي قاد من جهة لاستبعاد الفرضيات الطبيعية من دائرة البحث والترجيح، رغم تأكيدات المحللين على التقنيات الإيرانية القديمة المستخدمة في التخصيب فضلًا عن البنية التحتية المتهالكة، والتركيز من جهة أخرى على فرضيات أخرى:

  • أ- غارة جوية

ذهب بعض المحللين العسكريين إلى فرضية تعرض إيران لهجوم جوي سواء عبر طائرات مسيرة أو طائرات حربية ما أدى إلى الحجم الضخم من التدمير الذي لحق بوحدة نطنز لتطوير وتجميع أجهزة الطرد المركزي. واستند هؤلاء المحللون إلى صور من الأقمار الاصطناعية أكثر دقة لحجم الضرر الذي لحق بالمنشأة فضلًا عما نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية بخصوص استهداف نطنز، إذ ذكرت أنه “يمكن الافتراض أن استهداف “نطنز” كان له غرض مزدوج؛ أولاً، إرسال رسالة إلى طهران مفادها أن هناك تكلفة على سلوكها، والتي لا تشمل فقط التقدَّم النووي، ولكن أيضًا تصنيع الصواريخ بعيدة المدى ومساعدة فصائل المقاومة في لبنان وسوريا والعراق. والثاني، على المستوى العملي لعرقلة تقدم إيران المتجدد نحو قنبلة نووية.

وعزز من هذه الفرضية رصد الرادار الروسي “كونتينر” طائرة مجهولة والتي هاجمت إيران من المجال الجوي الأذربيجاني."7" لكن سرعان ما نفت وزارة الدفاع في أذربيجان هذا الخبر، وقالت إن “نشر مثل هذه المعلومات يهدف إلى تقويض العلاقات الأذربيجانية الإيرانية. كما يبدو أن المعلومات هذه نُشرت بهدف الإضرار بعلاقات حسن الجوار بين البلدين وليست سوى افتراء متعمد”."8"

كما أن المتخصص بالشؤون الدولية سيد مصطفى خوش تشم، استبعد أن يكون الحريق ناجم عن هجوم لطائرة مسيرة حسبما أعلنت بعض المصادر الإعلامية الغربية، عازيًا ذلك، لصعوبة اختراق الطائرة للأجواء الإيرانية، بسبب رصد الرادارات العسكرية للطائرات الأجنبية كما حصل مع طائرة “غلوبال هاوك” الأميركية وطائرة الاستطلاع الإسرائيلية اللتين أسقطتهما قوات الحرس الثوري الإيراني سابقًا."9"

يُضاف إلى سبق، أن سجل النجاحات التي قدمتها الدفاعات الجوية الإيرانية خلال السنوات الماضية والتي كان أخرها إسقاط طائرة “غلوبال هوك” الأميركية العام الماضي، فضلًا عن وقوع المكان المستهدف في وسط إيران لا يدعمان احتمال الغارة الجوية، كذلك. يقع موقع نطنز تحت المراقبة الدائمة من خلال منظومات الدفاع الجوي، إذ أن منظومات الدفاع الجوي الإيرانية ولاسيما S-300 منصوبة في نقاط أخرى في البلاد وبالقرب من الحدود وفي المراكز الأكثر حساسية، ما يجعل من فرضية الغارة الجوية ضعيفة بعض الشيء.

  • ب- هجوم سايبري

منذ بداية العام 2020، بدأت الحرب السايبرية بشكل غير مصرّح به وتحديدًا بعد اغتيال أميركا القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الفريق قاسم سليماني، برفقة نائب قائد هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، وعدد آخر من مرافقيهما في العراق. وسبق ذلك إعلان إيران فشلها في إطلاق قمر اصطناعي في شباط/فبراير 2019، بالتزامن مع هجمات سايبرية عطّلت الإنترنت في العديد من مناطق البلاد.

وفي أوائل شهر أيار/مايو الماضي، استهدف هجوم نُسب لإيران، البنية التحتية للمياه، وهدف إلى تعطيل وإلحاق الضرر بأجهزة الكمبيوتر التي تتحكم في عمليات ضخ المياه وكذلك نظام إضافة مادة الكلور ومواد كيميائية أخرى إلى مياه الشرب في إسرائيل، وذكرت تل أبيب أنها اكتشفت الهجوم قبل أن يوقع أضراراً كبيرة. ونقلاً عن مصادر مطّلعة، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن الهجوم الإيراني لم يسبب أضراراً كبيرة، باستثناء مشكلات في عدد قليل من شبكات الضخ المحلية، فيما قال مسؤول إسرائيلي لم يذكر اسمه لـ “فاينانشيال تايمز” إن الهجوم خلق “سيناريو خطيراً غير متوقع” ببدء موجة من الهجمات المتبادلة على البنية التحتية المدنية، وهو أمر تجنبته الدولتان (إيران وإسرائيل) حتى الآن."10"

وخلال تدريب لقوات الجيش البحرية، أطلقت المدمرة الإيرانية “دماوند” صاروخاً بالخطأ على القطعة البحرية “كنارك”، ما أدى إلى مقتل 18 شخصًا كانوا على متنها. وبعدها أعلنت إسرائيل عبر وسائل الاعلام أنها المسؤولة عن اختراق سيبراني استهدف ميناء الشهيد رجائي في بندر عباس جنوبي إيران، وهو الميناء الذي يحتضن المدمرة والقطع البحرية. بعدها شُنَّ هجوم سايبراني واسع النطاق على المواقع الإسرائيلية لمناسبة يوم القدس العالمي. هذه الخلفية كلها جعلت المتهم الأول في حادثة “نطنز”، الهجوم السايبري، خاصة أن شهوداً عيان أكّدوا أنهم لم يروا أي طائرة تقترب أو صاروخ يسقط في المنشأة."11"

كما أكد مصدر رفيع المستوى في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن التحقيقات في انفجار مجمع “نطنز” النووي كشفت عن خرق كبير في شبكة التشغيل والاتصالات في المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية. كذلك أوضح أن اختراق المجمع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران تم بزرع فيروس عبر “بوابة خلفية” لنظام تشغيل خاص لشبكات الكومبيوتر، يفتح المجال أمام “الأعداء” لدخول شبكات أنظمة الحاسوب والرقابة في هذه المنشآت."12"

ولم يستبعد الكتاب الإسرائيليون فرضية الهجوم السيبراني في الحريق الذي أصاب مركز سينا أطهر الطبي في طهران، هو ما نقلته وكالة “رويترز” عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين، حيث أكدوا بحسب الوكالة إن الهجوم على نطنز عبارة عن غارة سيبرانية. كما نقلت الوكالة عن عن مصدرين ترجيحهما وقوف إسرائيل وراءه. كذلك، أشارت صحيفة “نيويورك تايمز”، الى أن “إسرائيل مسؤولة عن الهجوم”، وذلك على لسان مسؤول استخباراتي شرق أوسطي متابع للملف، على حد وصفها.

إلا أن فرضية الهجوم السايبراني سرعان ما وجدت من يضربها، إذا ان بعض المختصين دللوا على تهافتها بكون شبكة نطنز للاتصالات غير متصلة بالشبكة العالمية وتستخدم شبكة داخلية مغلقة. وكتب هادي محمدي الباحث في شؤون العلاقات الدولية والصحفي بصحيفة “خراسان” الأصولية يوم 4 تموز/ يوليو: منذ الهجوم السايبري “ستاكس نت” على المنشآت النووية في نطنز، أصبحت جميع أنظمة الاتصالات والحاسوبية لهذه المجموعة بشكل آمن وخارج عن الوصول السايبري الخارجي، على النحو الذي يجعل إمكانية الهجوم السايبري على هذه المنشأة النووية الإيرانية غير ممكن.

وهو ما أكده أيضا مصطفى خوش تشم خلال حواره مع صحيفة “ستاره صبح” الإصلاحية عدد الأحد 5 تموز/ يوليو، إذ استبعد فرضية حدوث هجوم سايبري على مبنى المفاعل، لأن المستودع كان قيد الإنشاء ولم يتم ربط النظام الداخلي بالانترنت حتى اللحظة."13"

  • ج- عملية تخريبية

يدعم هذه النظرية تقرير “نيويورك تايمز” الذي نقل عن عضو في الحرس الثوري الإيراني لم تسمه قوله إن شخصًا ما نقل قنبلة إلى المبنى تسببت في التفجير، مستبعدًا فرضية الاستهداف عبر صاروخ كروز أو طائرة دون طيار. كما أن مسؤلا استخباريا شرق أوسطيا لم تسمه الصحيفة أكد لها أن العملية تمت من خلال زرع عبوة ناسفة شديدة الانفجار داخل المنشأة النووية المستهدفة."14"

كذلك رجّح موقع “ستراتفور” الاستخباري تعرّض المنشآت الإيرانية وخاصة نطنز لعمليات تخريب مستهدفة، تقف وراءها مجموعة محلية إمَّا تعمل بصورة مستقلة أو بدعم خارجي."15" ويدعم هذه الرؤية إعلان مجموعة تطلق على نفسها “فهود الوطن” تبنيها الحادث، وذكرت في بيان وزعته على عدد من الصحافيين أنها من المعارضین العاملین في الأجهزة الأمنية الإيرانية. وأدعوا أيضًا أنهم استهدفوا منشأة تجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز في موقع كاشان النووي، نظرًا لأنها منشأة فوق الأرض، ولا يمكن إنكار تدميرها، فضلًا عن أهميتها."16"

كما أن السوابق الماضية تعزز من فرضية أن الأحداث الأخيرة كانت عمليات تخريبية بتخطيط من حكومات أجنبية وخاصة الحكومة الإسرائيلية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تبني “فهود الوطن” مسؤولية الحادث سابقة لم تحدث في السابق.

بالتوازي، نُشرت مقالة كاتبها مجهول على وكالة “نور نيوز” التي يقال إنها مقرّبة من الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني تشير إلى أن هذه الفرضية موضع اهتمام من النظام في إيران، وهم يرون أن لا مصلحة في الإعلان رسميًا عن هذا الموضوع. ومع أن الشواهد الموجودة حول وضع حادثة “نطنز” ضمن عمليات التخريب السايبرانية تعد ضعيفة، إلا أنها قد تكون مكملة لعمليات ميدانية.

كما أن حجم التخريب يؤيد إمكانية التخريب من خلال عناصر داخلية، وهو ما ينطبق أيضا على الانفجار بالقرب من مركز الصناعات الصاروخية في خجير، حيث أن مشاهدة أعمدة دخان وحجم التخريب الذي حصل في المكان يُؤشر لانفجار شديد هناك.

المتغير المهم هنا هو الإعلان عن “فهود الوطن”، التي قدّمت معلومات دقيقة مباشرة عن الحادثة. لكن على الرغم من أن هذه الجماعة قد تكون جماعة لحظية جاءت تغطية لعمليات خارجية، ولن يكون لها عمل آخر، فمن الممكن أن تكون جماعة من العناصر الأمنية والعسكرية الحالية والسابقة التي تعمل لخدمة المؤسسات الأمنية الإسرائيلية والأميركية.

 

ماذا بعد؟

إن سلسلة الأحداث الأخيرة التي شهدتها إيران وخاصة في موقعين أحدهما خاص بالبرنامج الصاروخي والآخر الملف النووي تكشف عن احتمالية كبيرة تعرّضهم لهجمات تهدف بالدرجة الأولى إلى زيادة احساس الضغط في إيران، وتسريع خطوات رد حادة من جانب النظام الإيراني برغم رغبته الأساسية في الامتناع عن القيام بخطوات كبيرة حتى موعد انقضاء مدّة حظر التسليح المفروض على إيران في تشرين الأول/ أكتوبر، وخلال الأشهر الأربعة المتبقية حتى موعد الانتخابات الرئاسية في أميركا في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وهو السيناريو التي تسعى أميركا وحلفائها في سبيل تنفيذ إيران له، لمنحها الذريعة لتمديد حظر التسليح الأممي المفروض على إيران، وزيادة مستويات حملة الضغط القصوى المفروضة على إيران بغرض إجبارها على التفاوض مع واشنطن على اتفاق جديد يشمل الملف الصاروخي والنووي والطموحات الإقليمية لإيران.

ومن المرجّح أن تكون حادثة “نطنز” على وجه الخصوص في نطاق صراعات المنطقة الرمادية والتي وقعت من خلال عمليات مركّبة سايبرية هدفت في المرحلة الأولى لتعطيل أجهزة المراقبة وإعماء الأجهزة الأمنية المكلفة بحراسة الموقع، ثم قيام عناصر بتفخيخ وزرع قنابل بغرض تعطيل البرنامج النووي الإيراني وهو ما نجح بشكل واضح وظهر ذلك خلال التصريحات الرسمية الإيرانية. كما أن هذه العمليات تحمل فائدة إضافية تتمثل في محاولة خلق تصور للفوضى في إيران في الوقت الذي تكافح فيه الحكومة الإيرانية الأزمة الاقتصادية واحتواء فيروس كورونا المستجد.

كما يمكن الافتراض أن هناك استراتيجية أميركية مشتركة آخذة في التطور تهدف إلى اخراج أبرز جنرالات الحرس الثوري من الساحة، فضلًا عن إبطاء المنشآت النووية الإيرانية.

 وكأن صخب الهدوء الذي يحيط بهذا النوع من المعركة ينبئ بمسار طويل لن يكون الانتهاء منه بسهولة حسم المعارك خلف السواتر وفي قلب الأنفاق.

المراجع

[1] مركز المستقبل، “الحروب السياسية”.. تغيرات إستراتيجية إرغام الدول وقت السلم، https://bit.ly/3iWXY1x تاريخ الاطلاع 8 يوليو 2020 ساعت 22:00

[2] روزنامه دنیای اقتصاد، برآورد خسارت وارده به سایت نطنز، شماره 4928، تاريخ مطالعه 7 ژوییه 2020، ساعت 19:00

[3]عماد آبشناس، رغم تأكيدها خطورة حادث نطنز.. لماذا تركت إيران باب التخمينات مشرعا؟، https://bit.ly/2Ofs1TT تاريخ الاطلاع 7 يوليو 2020 ساعت 21:00

[4] CNSA، Countering Iran in the Gray Zone، page 5

[5] مركز المستقبل، مرجع سبق ذكره.

[6] روزنامه ابتکار، شماره 4580، قواعد جنگی اسرائیل در برابر ایران و پاسخ احتمالی تهران، https://bit.ly/3iJlQFw

[7] https://bit.ly/3f811RZ تاريخ الإطلاع 6 يوليو 2020 ساعت 23:00

[8] https://bit.ly/2Z5dYqk تاريخ الإطلاع 6 يوليو ساعت 22:10

[9] روزنامه ستاره صبح، شماره 1364، سناریــوهای احتــمالی حـادثه نطنـز https://bit.ly/3f4Iy8N تاريخ الإطلاع 4 يوليو ساعت 18:00

[10] ARIE EGOZI، ” Cyber Strike By Foreign Force Caused Iran Explosion: Israeli Expert” https://bit.ly/3e9BWVk تاريخ الإطلاع 6 يوليو 2020 ساعت 22:00.

[11] د. عماد آبشناس، “رغم تأكيدها خطورة حادث نطنز.. لماذا تركت إيران باب التخمينات مشرعا؟” الجزيرة.نت https://bit.ly/3e7Vgm3 تاريخ المطالعة 7 يوليو 2020 ساعت 21:47.

[12] فرزاد قاسمي، صحيفة الجريدة الكويتية “ستاكس نت” وراء ضرب المنشآت الإيرانية، https://bit.ly/3iBtWQy تاريخ المطالعة 7 يوليو 2020 ساعت 21:00

[13] سناریــوهای احتــمالی حـادثه نطنـز، سبق ذكره.

[14] Iran Admits Serious Damage to Natanz Nuclear Site, Setting Back Program https://nyti.ms/2AHgOs7 in 7 July 8, 2020

[15] تحلیلگر: حوادث اخیر در تاسیسات ایران امکان دارد خرابکاری باشند https://bit.ly/3eaADps تاريخ المطالعة 7 يوليو ساعت 17:00.

[16] ایران از وقوع حادثه‌ای در تاسیسات غنی‌سازی اورانیوم نطنز خبر داد https://www.bbc.com/persian/iran-53262289 تاريخ 8 يوليو 2020 ساعت 20:00

يُنشر بالتزامن مع موقع “جاده إيران”
https://jadehiran.com/archives/16981

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course