حتى لا نبقى مناضلين فايسبوكيين في زمن أشبه بالثمانينيات.. لنُحرر القضاء أولاً
BEIRUT, LEBANON - APRIL 13: Detail of a house damaged during the Libyan civil war is seen in Beirut, Lebanon on April 13, 2016. The 41st anniversary of the Lebanese civil war which lasted 15 years from 1975 to 1990 resulting in 150,000 people killed and thousands of disappeared. (Photo by Ratib Al Safadi/Anadolu Agency/Getty Images)

التهافت على شراء الشموع، أصوات المولدات الكهربائية الصادحة ليلاً، تخزين الطعام كالمعلبات والحبوب، الوقوف بالطوابير أمام الأفران، تصدُّر سعر الصرف أخبارنا اليومية... هذه الصور من صيف 2020، لكنها تأخذنا عبر الزمن الى ثمانينيات القرن الماضي. صورٌ لا نعود معها فقط الى نمط حياة لم يختبره جيل ما بعد الطائف، ولا نستعيد معها القلق من فقدان اساسيات الحياة وحسب، بل نعود معها أيضاً للممارسة السياسية العبثية والعقيمة نفسها لا بل إلى الإختلال عينه.

لنتذكر أن حقبة الثمانينيات كانت الأعنف والاسوأ على لبنان واللبنانيين، في سياق حرب أهلية إنطلقت في منتصف السبعينيات وإنتهت في الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1990. مرحلة الثمانينيات ميّزها إجتياح جيش العدو الاسرائيلي للبنان وصولاً إلى بيروت، في حزيران/يونيو 1982 بهدف مربع الأضلاع: إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان، إخراج الجيش السوري من بيروت. إنهاء الحركة الوطنية اللبنانية، تنصيب نظام حليف. إختبر اللبنانيون في تلك السنوات حروباً داخلية ومجازر جماعية وتهجير مناطق بأكملها وإغتيالات ومعارك شوارع وانتفاضات، شهدنا حروب الجبل والشحار والضاحية وبيروت وإنتهينا بحربي تحرير والغاء وسيطرة الجيش السوري على معظم الاراضي اللبنانية، بتفويض إقليمي ودولي. سقط خلال هذا العقد من الزمن عشرات آلاف الضحايا والجرحى من لبنانيين وفلسطينيين، وهاجر عشرات الآلاف ودمرت مدن وبلدات، وانهار الاقتصاد وتفكك المجتمع وتقطعت أوصال البلد.

لم تكن مرحلة الثمانينيات ممهورة بالانهيار الامني والاقتصادي والاجتماعي والعمراني فحسب، بل كانت حقبة عقم وإنسداد المسارات المحلية السياسية وعجزها عن اجتراح حلول للأزمة اللبنانية، فكان أن إنتهت مؤتمرات جنيف ولوزان الى حائط مسدود ولم تنفع قبلها اجتماعات قصر بعبدا ولا بعدها خلوات بكفيا بوقف العنف ولا حوارات ميدان سباق الخيل اتت بنتيجة، وامتدت الازمة بشكل طاحن حتى السقوط الكلي في خاتمة ذلك العقد. ولم يأت الحل الا عبر تفاهمات دولية والتقاء مصالح دول اقليمية معنية بالشأن اللبناني آنذاك تحت رعاية دولية انتجت توافقاً واتفاقاً في الطائف الأول ومن ثم تفويضاً لسوريا “بإنهاء التمرد على الشرعية اللبنانية”.

لماذا استحضار تلك الحقبة الآن؟

أولاً، ثمة تشابه مع زماننا ومع ازماتنا الحالية، وان اختلف مُحيا التأزم الحاضر وبعض أسبابه.

ثانياً، ولعله ملفتٌ للإنتباه، استخدام الطبقة السياسية الحالية نفس ادوات عمل الثمانينيات ورموزها ومصطلحاتها. فنرى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ينفض الغبار عن جيش التحرير الشعبي التابع لحزبه لكن لمحاربة العدو الجديد القادم لتجويع الناس ومحاصرتهم، على حد قوله. ويخرج رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل متقمصاً دور حامي جماعته مصراً على حتمية معمل سلعاتا لتوليد الطاقة كجزء من “الامن الطاقوي” للمجتمع المسيحي، ويعمل مستشارو رئيس الحكومة حسان دياب على تصويره انه سليم الحص الثاني القادم من التخصص والأكاديميا لاغاثة الدولة المفككة، ويصور البعض رجل الاعمال بهاء الحريري كالمنقذ القادم من نجاحات اعماله في الخارج ليكرر تجربة والده في اعادة الاعمار والتعافي المالي، ويبادر السيد حسن نصرالله للقول “إذا ذهب البلد إلى الفوضى، يمكن أن يأتي وقت لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تدفع فيه رواتب وينهار الجيش والقوى الأمنية وإدارات الدولة ويخرب البلد، لكن أنا أؤكد لكم أن المقاومة ستظل قادرة على دفع الرواتب”!

كل هذه الاستعارات والمقاربات التي تأتينا من قاموس و”عدة شغل” عقد الثمانينيات، ما هي الا دلالات على مدى تصحر العمل السياسي وغياب نية المنظومة الحاكمة في اطلاق مسار حقيقي للتغيير والاصلاح في لبنان. الأخطر من ذلك هو منطق التفتيت والتقوقع الذي عاش اللبنانيون أصعب فصوله في ثمانينيات القرن الماضي، حيث إنتهى ما يسمى الصراع “الإسلامي المسيحي” إلى صراعات درزية سنية وشيعية سنية وشيعية درزية وشيعية شيعية، ناهيك بصراع الموارنة المُدمر بين بعضهم البعض.

لا بد من اطلاق عمل جبهوي لهذه المجموعات والاحزاب الجديدة، والانطلاق الى تقديم بدائل جدية للناس، ترشح ثقة ووضوحاً في قدرتها على انتشال البلد، بدولته واقتصاده ومجتمعه من هذه الحفرة العميقة، ومصارحة اللبنانيين ان اعادة بناء البلد ستتطلب سنوات طويلة من التضحيات

يوازي خطر تلك الاشارات والرموز، وما تحمله من معانٍ ودلالات حول الافق المسدود، العودة الى زمن نهايات الحرب الاهلية وادوات عمل تلك المرحلة في ما يُحضّر من حلول لازمتنا العقيمة في اروقة الحكم وكواليسه عبر ثلاثة محاور:

الاول، اقتراح بيع املاك الدولة واصولها واحتكاراتها لتسديد ديونها عبر صندوق للتعافي، وان كان الاقتراح جديراً بالنقاش لكن المغالاة فيه وتصوير الصندوق هذا كرافعة من فجوتنا المالية العميقة لا يبشران بالخير. فالبعض يقترح تقريش الاراضي المملوكة من الدولة اللبنانية والمقدرة بأكثر من 800 مليون متر مربع، خاصة تلك المحاذية للبحر ذات القيمة العالية، وجعلها عبارة عن اسهم في شركة مساهمة، وذلك في استعارة لمقاربة اعادة اعمار وسط العاصمة بعد الحرب الاهلية. بهذا المعنى، لن نستغرب اذا سمعنا قريباً عن سوليدير جديدة في منطقة الكرنتينا وعن تحويل مكب برج حمود إلى واجهة بحرية جديدة. والمريب في كل ذلك ارجحية ان تنتقل ملكية ما يفترض انها ملك الناس والاجيال القادمة الى عدد صغير من المتمولين المقربين من منظومة السلطة، كما حدث في مطلع التسيعينيات.

الثاني، وهو مرتبط بالمحور السالف، ويتمثل في تغييب المحاسبة عن اكبر سرقات العصر اذا ما قارنا كمية الاموال المتبخرة في لبنان مع حجم اقتصاده وسكانه، وكأننا امام قانون عفو عام جديد، كما حدث عند انتهاء الحرب الاهلية والعفو، وقتذاك، عن امراء الحرب ومجرميها، وان كان غير معلن هذه المرة لكنه فعلي وقائم امام من يُفترض مساءلته ومحاسبته ومحاكمته عن هذه السرقة الموصوفة لمدخرات وودائع الناس، وعن اثرائه غير المشروع على حساب الشعب. فلا نتعجب، في هذا السياق، مما يجري من تدجين للسلطة القضائية وابعادها عن هذه القضية.

الثالث، وهو اساس بناء المحورين السابقين، محاولات اعادة انتاج توافق طائفي كما حصل في مطلع التسعينيات، بحيث يبقي على حصة الطوائف عبر زعمائها وممثليها ضمن جغرافية سياسية تُرسخ هذه الزعامات ودورها في حماية جماعاتها، على قاعدة عفا الله عما مضى، وتحمل الناس كلفة الانهيار المالي عبر تلاشي قيمة مداخليهم وتعويضاتهم وخسارتهم مصادر دخلهم. هذا يحدث بينما المحاصصات لا تزال مستعرة وتقسيم الغنائم ما زال مستمراً ولو على خرابٍ، بموافقة ومشاركة الناظم الحالي للجمهورية. يصاحب ذلك السيطرة على فضاءات كل طائفة عبر العنف او بطرق اخرى في اكثر من منطقة.

لا نلوم هنا منظومة السلطة واربابها، فهي البارعة والماهرة في امتهان طرق وادوات عمل، تارة عبر العصا وطوراً عبر الجزرة، تخوّلها اعادة انتاج نفسها وبالتالي استحواذها على الدولة واصولها واحتكارها للفرص الاقتصادية وسيطرتها على جغرافية ومصائر جماعاتها. نلوم هنا المجموعات السياسية الجديدة المنبثقة من انتفاضة 17 تشرين/أكتوبر التي ما برحت تدور حول نفسها، تتكلم مع بعضها، ملتصقة برومانسية الاسابيع الاولى من الحراك في خريف العام 2019.

حتى الآن، لم تقدم معظم هذه المجموعات والاحزاب الصاعدة بدائل مقنعة للناس غير اكتسابها لتعاطف شعبي متوقع لما تقدمه من نقد جدي وتعرية للفشل المريع لمنظومة الحكم.

اذن، لا بد من اطلاق عمل جبهوي لهذه المجموعات والاحزاب الجديدة، والانطلاق الى تقديم بدائل جدية للناس، ترشح ثقة ووضوحاً في قدرتها على انتشال البلد، بدولته واقتصاده ومجتمعه من هذه الحفرة العميقة، ومصارحة اللبنانيين ان اعادة بناء البلد ستتطلب سنوات طويلة من التضحيات، ويقتضي التخلي عن المكتسبات الضيقة، غالباً المتخيلة، للجماعات، لكنها ستنتج في النهاية ما يحلم به الناس ويطمحون إليه.

ليكن اول غيث هذا العمل الجبهوي معركة تحرير القضاء من أسره من قبل السلطة السياسية، فلا بديل سلمياً الا البدء بجعل السلطة القضائية نظيفة، حرة ومستقلة لمحاربة من نهب واهدر الاموال، ومن استفاد بشكل غير شرعي من موقعه، وللوقوف بوجه محاولة بيع ما تبقى من الدولة واصولها للمنظومة الفاسدة نفسها وحلفائها ومموليها.

يستوجب الفوز في معركة تحرير القضاء تضافر كل القوى والعمل بشكل يومي ومباشر حتى تتراجع السلطة السياسية عن سيطرتها على قصور العدل. والا لن نستغرب ان نبقى لعقد او اكثر من المراوحة والعقم والترنح حتى التفكك كما حصل في ثمانينيات القرن الماضي، في إنتظار حلول لحظة تقاطع مصالح وتفاهم اقليمي – دولي تستولد طائفاً ثانياً يديره وينفذه رموز السلطة انفسهم او ورثتهم. في هذه الاثناء، سنبقى نتمتع بنضالنا الفايسبوكي.. وربما ببرودة كندا.

ناصر ياسين

أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course