حياد لبنان.. حلم ورديّ جذّاب ومستحيل
TOPSHOT - This aerial view taken on April 4, 2019 shows a car making its way next to a freshly snow-covered landscape field near Sottens, western Switzerland. (Photo by Fabrice COFFRINI / AFP) (Photo credit should read FABRICE COFFRINI/AFP via Getty Images)

برزت مؤخراً قضية حياد لبنان بعد أن طرحها البطريرك المارونيّ بشارة الراعي في لحظةٍ سياسيةٍ حرجة. الطرح حساس لأنه يمسّ هوية لبنان ودوره في محيطه. لكنه، في المقابل، قد يؤدي الى فتح نقاش حول الأسس التي بُني عليها النظام اللبناني، و"نبش" بعض القبور التي لا بد من نبشها يوماً، لإعادة تنظيمها بشكلٍ أفضل.

ليس الحياد مجرّد كلمة. إنّه مبدأ يتطلّب إعادة تفكير بالهوية السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية لأي بلد. الحياد قرار سيادي، يجب أن يقترن بالقوّة والقدرة وإستقلالية القرار. والمحايد صاحب موقف صلب، لا يتأثّر بإملاءات أو تمنياتٍ أو حتى تهديداتٍ من الخارج. ولكي يستطيع ضمان صلابته عليه أن يتحصّن بقوّة عسكريّة وإقتصادية وسياسية تحمي حياده، وعليه أن يتحلّى بمناعة داخليّة تجعل إختراق إحدى الدول، لأيّ حزبٍ أو كتلة برلمانية أو سلطة أو إدارة من المحرّمات، لا بل خيانةً عظمى.

الحياد يقتضي بأنّ تكون مصلحة المواطن اللبناني ورفاهيته وأمنه هي المعيار الأساس لاتخاذ القرار في شأن التواصل وعقد الاتفاقات مع الخارج، بغضّ النظر عن طبيعة المصالح والصراعات بين الدول الكبرى والصغرى. يعني أن يكون التواصل متاحاً مع الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وروسيا والسعودية واليمن وسوريا وإيران وفنزويللا وجنوب أفريقيا والصين وغيرها، من دون موانع أو إعتبارات خارجة عن معيار “مصلحة الشعب”. مبدأ الحياد مبنيّ على أسس العدالة والقيم الإنسانية ونبذ العنصرية، لذا على من يطلب الحياد رفض أي تواصل مع الكيان الصهيوني، قبل تحقيق حلٍّ عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وقبل توقّف هذا الكيان عن إنتهاك أرض لبنان وجوّه ومياهه وثرواته الكامنة.

الحياد يعني أن يتمتّع الحكام بحصانة شعبية متينة، أي أن يقدّم الحاكم تقاريره للشعب وتتمّ محاسبته من الشعب على أساس البرامج وطريقة تطبيقها.

العقد الاجتماعي والسياسي

من غير الواقعيّ تحقيق الحياد في ظل نظام طائفيّ ترتبط فيه كلّ طائفة بدولةٍ أجنبية. دستور الطائف نفسه، حتى لو تمّ تطبيقه، لا يكفي لتأمين تغطية واقعيّة لمبدأ الحياد.

الحياد يتطلّب نظاماً علمانياً شاملاً، يتساوى فيه كل المواطنين أمام القانون، وتكون الدولة مرجعهم الوحيد في كلّ أمور الحياة والعمل والعلم والطبابة والأحوال الشخصية. يتطلب ذلك فصل الدين عن الدولة وتحييد رجال الدين عن شؤون السياسة والاقتصاد والإدارة والقضاء. ويتطلب بالطبع إستقلالاً كاملاً للسلطة القضائية وسيادة القانون على كل المواطنين بدءاً من رأس الهرم.

الرئيس يكون محايداً وغير مرتهن للخارج في حال إنتخابه من الشعب، كلّ الشعب، بعد تحرير الرئاسات الثلاث من القيد الطائفي، وتحرير كل المناصب النيابية والوزارية والقضائية والإدارية من هذا القيد

من الصعب تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والعالمية إذا حافظنا على نظام إنتخاب رئيس الجمهورية في مجلس النواب. الرئيس يكون محايداً وغير مرتهن للخارج في حال إنتخابه من الشعب، كلّ الشعب، بعد تحرير الرئاسات الثلاث من القيد الطائفي، وتحرير كل المناصب النيابية والوزارية والقضائية والإدارية من هذا القيد. يترافق ذلك مع إجراءات تطمينية مثل إنشاء مجلس شيوخ ومجالس وحكومات محلية منتخبة في المناطق تملك صلاحيات إدارية واسعة، في موازاة قيام سلطة مركزية قوية وقادرة وعادلة.

الدولة المحايدة تحترم حقوق الفرد، تحترم ماله، ملكيته، وفرَصه المتساوية مع الأفراد الآخرين. تحترم كرامته، معتقداته، وقراراته الشخصية تحت سقف القانون. تحترم قرار المواطِنة في الزواج من أجنبي ومنح الجنسية لأولادها.

البعد الحيوي والاقتصادي

الحياد له بعده الاقتصادي أيضاً، بدءاً بالزراعة ثم الصناعة والسياحة والثقافة والخدمات والمصارف. حين أُلحِق البقاع وسهل عكار بجبل لبنان عام ١٩٢٠ لتكوين دولة لبنان الكبير، كان الهدف الأساسيّ أن يكون للدولة المستحدثة خزان زراعيّ إستراتيجيّ. حينها لم يكن سكان هذه الأرض قد إستفاقوا بعد من صدمة المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى. الاكتفاء الغذائي كان شرطاً أساسياً لضمان إستمرار هذا الكيان، (برغم الهوية الاقتصادية التي صيغت له والتي أثبتت فشلها بعد مائة عام). يؤكد الخبراء الزراعيون اليوم، أن لبنان قادر على تحقيق الاكتفاء الغذائي من خيرات أرضه، أو على الأقل تحقيق التوازن بين إستيراد منتوجات زراعية وتصدير أُخرى، إذا طُبقت سياسات زراعية مسؤولة. والزراعة بحاجة للموارد المائية، وهي موجودة بكثرة في لبنان، لكنها تحتاج لإدارة مسؤولة لموارد نهر الليطاني، على غرار رؤية إبراهيم عبد العال، بالإضافة الى قرار سياديّ في ما يتعلّق بالموارد المائية الحدودية (الوزاني والعاصي وغيرهما)، فضلاً عن رؤية علمية في موضوع السدود، بعيداً عن المصالح الشخصية والفئوية الضيقة السائدة راهناً.

في موضوع الصناعة، يحتاج البلد المحايد إلى سياسة واضحة تدعم الصناعة المحلية وتسهل إستيراد المواد الأولية مع لجم إستيراد الأصناف المنافسة. فضلاً عن تطوير المدن الصناعية وإنشاء المناطق الاقتصادية خارج إطار المحاصصة الطائفية.

الحياد يفترض أن نتعاطى بمسؤولية تجاه شعبنا والشعوب التي تجاورنا في ما يخصّ البيئة، فبحرنا الملوّث يصيب حوض المتوسّط بالأذى، وهواؤنا الملوّث كذلك، مما يتطلّب إدارةً مسؤولة للنفايات وللإنتاج النظيف للطاقة (الرياح والطاقة الشمسية)، إضافةً الى التخفيف من التلوث عبر تأمين وسائل نقل عامة سريعة وحديثة وصديقة للبيئة. الحياد يتطلّب أيضاً تعزيز السياحة المستدامة الثقافية منها والدينية والبيئية، التي قد تستقطب سواحاً من كل أنحاء العالم، لا على الأشكالٍ الضيّقة من السياحة التي تعوّدنا عليها، مما أجبرنا على إستجداء بعض الدول لترسل رعاياها في مواسم محدّدة. دعم السياحة يفرض أيضاً سياسات ثقافية جديّة لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.

الحياد يتطلّب تحصين اليد العاملة اللبنانية عبر تعزيز التعليم المهنيّ، وتشجيع الحِرَف وممارسة المهن التقنية واليدوية، مع تأمين مظلة نقابية وقانونية لحماية المهنيين وتأمين الضمان الاجتماعي والصحيّ لهم. ويتطلّب كذلك تحديث قانون العمل المتعلق باللبنانيين وغير اللبنانيين وإلغاء نظام الكفالة، والتعامل بإنسانية وعدالة مع اليد العاملة الفلسطينية والسورية.

الحياد يتطلّب تصحيح النظام المصرفي والحدّ من هيمنة أقطاب هذا القطاع على السياسة والاقتصاد، وإلغاء السرية المصرفية التي تمّ تفريغها من مضمونها.

السرّية تُطبَّق فقط حين يحتاج رجال السلطة وكبار الموظفين والمتموّلون لإخفاء حساباتهم المرتبطة بالنهب والفساد، في المقابل، تكشف المصارف لبعض الدول معلومات عن حسابات معظم المودعين.

المصالحة مع التاريخ تتطلّب حتماً المرور بمسار العدالة الانتقالية التي تكفل إعادة بناء الثقة بين أفراد الشعب اللبناني من خلال المحاسبة المعنوية والأخلاقية عن كل ما إقتُرِف خلال الحرب الأهلية، بما في ذلك إقفال ملف المخطوفين والمفقودين

المصالحة مع التاريخ

على المستوى الاجتماعي والثقافي، يتطلّب حياد لبنان مصالحةً جديّةً مع التاريخ الحديث والقديم، وإحترام الطروحات المختلفة لوجه لبنان التي تجادل عليها المؤرخون منذ القرن التاسع عشر وما قبله. يتطلّب جرأةً في الاعتراف بأفكارٍ ورؤى طُرِحت في الماضي، بعضها كان متطرفاً وبعضها كان رافضاً لأساس وجود هذا الكيان. ويتطلّب بالتالي تبنّي رؤية معاصرة لوجه لبنان وهويته ودوره، تتجاوز صراعات الماضي دون أن تتجاهلها. المصالحة مع التاريخ تتطلب مراجعةً ومكاشفةً صريحةً لما حصل في لبنان منذ تأسيس الكيان عام ١٩٢٠، والصيغة اللبنانية عام ١٩٤٣، وثورةٍ عام ١٩٥٨ بمواجهة سياسة الأحلاف (المنافية لمبدأ الحياد). وهي تتطلب إعترافاً بالأسباب الاجتماعية والاقتصادية للحرب التي اندلعت عام ١٩٧٥.

هذه المصالحة مع التاريخ عليها أن تُتَرجم من خلال صياغة تاريخ علميّ موحّد وذي مصداقيّة يدرّس في مدارس لبنان، مع برنامج عصريّ للتربية المدنية يأخذ بالاعتبار ذكاء الأجيال الجديدة وقدرتها على التحليل. وقضية التعليم لا تقتصر على كتاب التاريخ والتربية، إنما تتعدى ذلك الى بناء سياسة تربوية لهذا البلد وتعزيز التعليم الرسميّ وكسر إحتكار التعليم الخاص الذي يدار من المؤسسات الملّيّة والطائفية. يضاف الى ذلك إعادة الاعتبار للجامعة اللبنانية وضمان استقلالية قرارها الأكاديمي.

المصالحة مع التاريخ تتطلّب حتماً المرور بمسار العدالة الانتقالية التي تكفل إعادة بناء الثقة بين أفراد الشعب اللبناني من خلال المحاسبة المعنوية والأخلاقية عن كل ما إقتُرِف خلال الحرب الأهلية، بما في ذلك إقفال ملف المخطوفين والمفقودين الذي ما يزال ينتظر منذ انتهاء الأعمال العسكرية للحرب وصدور قانون العفو العام السيء الذكر.

كل ما ذُكِر أعلاه قد يبدو نوعاً من التعجيز أو التعقيد في مواجهة طرح حياد لبنان، لكنّ الوضع اللبناني معقّد بالأساس، والحلول يجب أن تكون شاملة، أو لا تكون.

الحياد مبدأ جميل. إنه حلم ورديّ جذاب ومستحيل. لكن، قد يكون قابلاً للتنفيذ بعد أن يأكل الانهيار الأخضر واليابس، ويشعر الفرد اللبنانيّ بضرورة “نفض” أساس العقد الاجتماعي ـ السياسيّ الذي قام عليه لبنان منذ أكثر من مائة عام.

(*) راجع ملحم الرياشي عن الحياد وما إليه:

https://180post.com/archives/9655

كريم دكروب

مسرحي وأستاذ جامعي

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download