خيبة في الفاتيكان.. ولا مكان لـ”الشطارة اللبنانية”

لا الدبلوماسية الإعتيادية ولا الإستباقية تفيدنا. وبعدما غادرنا رئيس الدبلوماسية الفرنسية جان ايف لودريان وهو "لا يحمل جديداً" على حد تعبير رئيس وزراء لبنان حسان دياب، تكشفت بعض فصول زيارة وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي الى الفاتيكان.

عادة لا يتكل الفاتيكان على قناة واحدة في تعامله مع الدول. هذه الدولة تملك منظومة إستخباراتية عالمية لا مثيل لها. ثمة مؤسسات وجمعيات كنسية ترفدها بالتقارير. يوجد حوالي 183 دولة يتبادل الفاتيكان معها العلاقات الدبلوماسية. مئات السفراء ومئات التقارير ذهاباً وإياباً. الفاتيكان عضو في منظمات عالمية وعضو مراقب في الأمم المتحدة وذلك تعزيزًا للفكر السلمي الذي يؤمن به ويدافع عنه.

هناك حكومة تدير الفاتيكان. فيها رئيس للوزراء ولو أن صفته أمين السر، وهناك وزير للخارجية. العلاقات الدبلوماسية بين لبنان والفاتيكان قائمة من ايام البابا ليون الثالث عشر في اواخر القرن التاسع عشر الى يومنا الحاضر، مروراً بحقبات صعبة كالحروب العالمية الأولى والثانية والحرب الأهلية اللبنانية.

في الفاتيكان، هناك من يهمس بان زيارة وزير خارجية لبنان ناصيف حتي الأخيرة كانت أشبه ما تكون بمذكرة استدعاء. الهدف هو الاطلاع على الوقائع الاجتماعية والمالية والاقتصادية الصعبة جداً في لبنان. ومن النقاط اللافتة للإنتباه في زيارة ناصيف حتي، انه لم يلتق الكاردينال بيترو بارولين امين سر حاضرة الفاتيكان، اي رئيس وزراء الكرسي الرسولي، وترتيبه هو الثاني في سلم المسؤولية بعد البابا فرنسيس. اما ان يجتمع مسؤول العلاقات الخارجية في الفاتيكان المونسنيور بول ريتشارد غالاغر بوزير خارجية لبنان، فهذا امر لا يعبر أبداً عن دفء العلاقة بين لبنان والفاتيكان، كون الكرسي الرسولي يحرص دوماً على ان تكون العلاقة على اعلى المستويات، اما اختيار مونسنيور للقاء وزير خارجية لبنان فهذا يعني انهم يوجهون رسالة سياسية إلى لبنان أو أن لبنان لم يعد يحتل المرتبة التي كان يحتلها في الفاتيكان. يتقاطع ذلك مع قول أحد العارفين أن الدوائر الكنسية باتت محبطة من مواقف العديد من القادة المسيحيين في المشرق وخاصة لبنان. هؤلاء يشكون من الخطر الإرهابي الوجودي “بينما يضعون يدهم بيد أعتى الديكتاتوريات في كل المنطقة، سابقاً وحالياً”.

ولوحظ أنه غاب عن برنامج زيارة وزير خارجية لبنان أي لقاء مع أي من الشخصيات الفاتيكانية الفاعلة مثل أمين السر الكاردينال بارولين. ومن حيث الشكل، لم يتمكن حتي من لقاء البابا ولو لدقائق قليلة وقوفاً والسلام عليه، كما جرت العادة، مع الأخذ في الحسبان ظروف كورونا والإجراءات الإستثنائية التي يشهدها الفاتيكان. صحيح ان الوزراء لا يحدّد لهم في العادة موعد للقاء مع البابا لكن كان هناك حرص على ايجاد مخرج ما للسلام عليه. وعندما إجتمع ناصيف حتي بالمونسنيور غالاغر ومساعده، كان لافتاً للإنتباه أن هذا اللقاء قد عقد في مكتب جانبي وليس في مكتب غالاغر الرسمي، كما ان خبر اللقاء لم ينشر في اية وسيلة اعلامية فاتيكانية رسمية.

يكفي مثالاً على ذلك، انه عندما وجهت دعوة الى المدير العام للامن العام اللبناني اللواء عباس ابراهيم للقيام بزيارة رسمية الى الفاتيكان في العام 2015 لتكريمه وشكره وتكريس التواصل معه على الجهد الذي قام به لتحرير راهبات دير معلولا من قبضة الارهابيين، حظي هذا الرجل بتكريم إستثنائي بأن حضر قداسا بابويا خاصا يترأسه البابا شخصيا كل يوم صباحا في كابيلا سانتا مرتا، وهذا القداس لا تُدعى اليه الا الشخصيات التي يرغب البابا تخصيص إلتفاتة خاصة لها، مثل شكرها على بادرة معينة ومصافحتها في نهاية القداس وإلتقاط صورة معها.

المستغرب الا تُخصص لوزير خارجية لبنان مثل هذه الإلتفاتة ـ التكريم، برغم عراقة تجربته في العمل الدبلوماسي وتواصله سابقاً مع بعض الدوائر الفاتيكانية قبل أن يكون وزيراً للخارجية.

لا يمكن للفاتيكان ان يطلب من لبنان الإنحياز إلى الغرب، فمن اواخر القرن التاسع عشر الى يومنا هذا، كان موقف البابوات واضحا من “ان لبنان هو جزء لا يتجزأ من الشرق. وأن مسيحيي لبنان، وتحديدا الموارنة، هم جزء اساسي من مسيحيي هذا الشرق ويتجذرون فيه”

اما من حيث المضمون، فلا يمكن للفاتيكان ان يطلب من لبنان الإنحياز إلى الغرب، فمن اواخر القرن التاسع عشر الى يومنا هذا، كان موقف البابوات واضحا من “ان لبنان هو جزء لا يتجزأ من الشرق. وأن مسيحيي لبنان، وتحديدا الموارنة، هم جزء اساسي من مسيحيي هذا الشرق ويتجذرون فيه. كما أن مركز الكنيسة المارونية ومرجعيتها وبطريركها في الشرق، وعندما أسس البابوات المدرسة المارونية في روما كان هدفها استفادتهم في الغرب من خبرة الاباء والتراث الماروني المشرقي وتعليم الموارنة اللغات الاجنبية ليستطيع الموارنة ان ينقلوا الى الغرب فكرهم ومخزونهم وتراثهم المشرقي وان يستفيدوا من الغرب، وهذا الامر يعود الى القرون الوسطى بحيث يكون لبنان مجالا ولقاءً للتواصل بين الشرق والغرب، وان لا يكون ابدا جزءا من الغرب او مرتبطا به، وهذا هو موقف الفاتيكان التاريخي، وكل الخلاف ابان الحرب الاهلية في لبنان بين بعض الكهنة ومنهم الاباتي بولس نعمان وبعض المنظرين يعود لدعوتهم الى العودة الى لبنان الصغير او لبنان الماروني (مارونستان)، وكان الفاتيكان على تناقض معهم، وقد إستدعى البابا يوحنا بولس الثاني الاباتي بولس نعمان وطلب منه إلتزام الصمت وكان يومها رئيساً عاماً للرهبانية المارونية”.

وعندما اطلق البابا يوحنا بولس الثاني “لبنان الرسالة”، حرص على إضافة عبارة “في محيطه والعالم”، بالاضافة الى انه في “الارشاد الرسولي” الذي اعده وحضر خصيصا الى لبنان لتوقيعه تحت عنوان “رجاء جديد من اجل لبنان” (السبت 10 ايار/مايو 1997)، وقال انه يسلمه امانة الى شباب لبنان كي يكونوا الساهرين على تطبيقه، يتضمن فقرة اساسية تدعو المسيحيين “للاندماج في العالم العربي”، لأنهم كانوا الاساس في نهضة الشرق والعالم العربي.

وعندما حضر البابا بنديكتوس السادس عشر الى لبنان ووقع الارشاد الرسولي لمسيحيي الشرق في لبنان، وليس في العراق او مصر التي طلبت ذلك، كان موقفه ان مسيحيي لبنان هم اساس المسيحية المشرقية، ويوحنا بولس الثاني كان موقفه ان قوة المسيحيين في لبنان وثباتهم على مبادئهم هي الضمانة لمسيحيي الشرق.

وبالتالي، ما تم تسريبه من معلومات في موازاة زيارة حتي وبعدها من ان الفاتيكان طلب ان يكون لبنان جزءاً من الغرب، “هو تسريب لا اساس له في الفاتيكان كون السياسة الفاتيكانية ثابتة ولا تتبدل حسب الرغبات والاهواء لدول او افرقاء او اشخاص”، على حد تعبير المتابعين للموقف الفاتيكاني. اما كلام ناصيف حتي مع الكاردينال ليوناردو ساندري عميد مجمع الكنائس الشرقية، “فقد تناول في اطار محدد موقع المسيحيين الفكري والثقافي وتأثيرهم من خلال المدارس والجامعات، وما يمكن أن تقوم به الدولة اللبنانية على هذا الصعيد”.

داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download