الحرب ضد إيران.. الشرق الأوسط أسير الغموض!

بينما كانت نافذة الجهود الدبلوماسية مفتوحة وثمة وفود إيرانية وأميركية تتنقل بين العواصم، وبينما كان مسار التفاوض في جنيف قائماً وإن ببطء، كانت الاستعدادات العسكرية المتبادلة قد بلغت مرحلة متقدمة. وأسفر تنسيق عسكري وأمني واسع النطاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل عن تنفيذ ضربات جوية وصاروخية متزامنة، ضد أهداف إيرانية، صباح اليوم (السبت)، في مؤشر إلى انتقال مركز الثقل من المسار السياسي إلى الخيار العسكري.

توقيت الحرب لم يكن مرتبطاً فقط بعوامل ميدانية، بل ارتبط أيضاً بتقديرات استخباراتية. فقد روّجت تقارير غربية أن البرنامج النووي الإيراني بلغ مرحلة متقدمة، وأن الفاصل الزمني المتبقي قبل امتلاك إيران قدرة تقنية على تصنيع سلاح نووي بات محدوداً. وبناءً على هذه التقديرات الشبيهة بما حصل عشية غزو العراق عام 2003، جرى توصيف الوضع في واشنطن بوصفه سباقاً مع الزمن، مع تضاؤل هامش المناورة السياسية.

تعثر المسار الدبلوماسي عكس مناخ انعدام الثقة بين الجانبين الأميركي والإيراني؛ فالجولات التفاوضية التي استؤنفت في سويسرا، برعاية عُمانية، أظهرت منذ بدايتها تباينات عميقة، لم تقتصر على مستويات التخصيب وآليات التفتيش، بل شملت أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لإيران. الولايات المتحدة اعتبرت أن أي اتفاق لا يتناول هذه الملفات غير كافٍ، فيما رأت طهران في ذلك تجاوزاً لاعتبارات سيادية أساسية. ومع اتساع فجوة المواقف، تراجعت فرص التوصل إلى تسوية.

وبرغم ذلك، استمر بعض الوسطاء الإقليميين في التعبير عن تفاؤل حذر حتى اللحظات الأخيرة، متحدثين عن صيغ محتملة تتعلق بخفض أو إلغاء مخزون المواد المخصبة. غير أن بدء العمليات العسكرية جعل هذه التصريحات تبدو منفصلة عن الواقع الميداني، إذ كانت القرارات الأساسية قد اتُخذت بالفعل؛ لا بل كان التوقيت محدداً، حسب التقديرات الأميركية والإسرائيلية.

في موازاة ذلك، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقارير أعربت فيها عن قلقها من فقدان القدرة على التحقق الكامل من أنشطة التخصيب الإيرانية، نتيجة القيود المفروضة على عمل المفتشين منذ جولات القتال السابقة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية نشاطاً مستمراً في منشآت سبق استهدافها، بما في ذلك أعمال ترميم وتحصين، وهذه الخطوة، كانت شبيهة بالتقارير التي أصدرتها الوكالة، عشية حرب الـ12 يوماً، ما عزّز الانطباع بأن الحديث المتجدد عن البرنامج النووي يُمهّد لضربة وشيكة.

الضربة التي نُفذت جاءت أيضاً في ظل حشد عسكري واسع في المنطقة، وُصف بأنه الأكبر منذ غزو العراق عام 2003. فقد نُشرت حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية وأنظمة دفاع جوي في نطاق جغرافي يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، في إشارة إلى الاستعداد لسيناريوهات تتجاوز عملية محدودة زمنياً. وفي إسرائيل، أُشير إلى أن التخطيط للعملية استمر أشهراً، مع مراجعة متكررة للأهداف استناداً إلى تجارب سابقة.

تلك التجارب تعود إلى بداية صيف العام 2025، حين نُفذت ضربات كبيرة على منشآت نووية إيرانية. وعلى الرغم من الإعلان آنذاك عن إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية، أظهرت التقييمات اللاحقة أن البرنامج النووي تأخر لكنه لم يُلغَ. وقد أسهم هذا الاستنتاج في توسيع أهداف عملية شباط/فبراير، بحيث لم تقتصر على المنشآت التقنية، بل شملت مراكز قرار وقيادة.

في طهران، استهدفت ضربات الساعات الأخيرة مقرات رسمية وسيادية، في خطوة فُسرت على أنها تهدف إلى ضرب رأس النظام وإرباك منظومة القيادة والسيطرة. وترافق ذلك مع هجمات سيبرانية أدت إلى تعطيل واسع في شبكات الاتصالات والإنترنت، ما أدى إلى تراجع حاد في الاتصال الرقمي داخل العاصمة.

إقليمياً، جاءت التطورات في سياق تحولات أوسع شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فقد تراجع نفوذ إيران في بعض الساحات التي كانت تشكل ركائز لسياساتها الإقليمية، وهو ما دفع خصومها إلى اعتبار أن الظروف باتت مواتية لاستهداف المركز مباشرة. وفي هذا الإطار، اعتُبرت العملية محاولة لتعديل موازين القوى بطريقة انقلابية، وليس مجرد إجراء ردعي محدود.

على الصعيد الداخلي الإيراني، تزامنت التطورات العسكرية مع حالة توتر اجتماعي متصاعدة منذ أشهر، اتسمت باحتجاجات واسعة وأعمال قمع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا. وقد استُخدمت هذه المعطيات في الخطاب الغربي والإسرائيلي لتقديم العملية في سياق سياسي وأخلاقي، فيما حذّر آخرون من أن تداخل العامل الداخلي مع التصعيد العسكري قد يؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها.

الخطاب السياسي المرافق للعملية عكس تبايناً في الأهداف المعلنة. ففي الولايات المتحدة، جرى التركيز على مفاهيم الردع والأمن القومي، مع توجيه رسائل مباشرة إلى القيادة الإيرانية والشعب الإيراني على حد سواء. وفي إسرائيل، طُرحت العملية في سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية. وفي المقابل، صدرت دعوات من أطراف معارضة إيرانية في الخارج رأت في التطورات فرصة لتغيير سياسي داخلي، وكان لافتاً للانتباه صدور مواقف عن معارضين إيرانيين، بينهم الحزب الشيوعي (توده) الذي دعا الإيرانيين إلى إنهاء العدوان الإسرائيلي الأميركي.

الرد الإيراني يتمثل في إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف إسرائيلية، إضافة إلى استهداف قواعد أمريكية في عدد من دول الخليج. هذا التطور أعاد إلى الواجهة سيناريو المواجهة متعددة الجبهات، مع تسجيل حالات إنذار واستنفار في عدة دول في المنطقة.

إقرأ على موقع 180  شرطي فرنسي أسلَم وقتل زملاءه.. لماذا؟

اقتصادياً، انعكست التطورات سريعاً على الأسواق العالمية. فقد ارتفعت أسعار النفط، وعاد الذهب ليؤدي دور الملاذ الآمن، في ظل مخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية. وحذّر محللون من أن أي تصعيد إضافي قد تكون له آثار واسعة على التضخم والنمو الاقتصادي.

في الخلفية، لم تكن الحسابات السياسية الداخلية غائبة. ففي إسرائيل، عززت العملية حالة التماسك الداخلي مع اقتراب استحقاقات سياسية. وفي الولايات المتحدة، قُرأت الخطوة على أنها تعبير عن نهج أكثر حزماً في السياسة الخارجية. وفي الحالتين، تداخلت الاعتبارات السياسية مع الأهداف العسكرية.

ومع استمرار العمليات العسكرية واستعداد الأطراف المعنية لاحتمالات تصعيد إضافي، يبقى المسار الذي ستتخذه الأحداث مفتوحاً على أكثر من سيناريو. وما يزال من غير الواضح ما إذا كان استخدام القوة سيقود إلى تغييرات مستدامة في التوازنات القائمة، أو أنه سيزيد من احتمالات توسّع المواجهة إلى نطاق إقليمي أوسع يصعب ضبطه. غير أن ما بات مؤكداً هو أن ما جرى اليوم  يمثّل محطة فاصلة أعادت رسم أولويات الفاعلين الرئيسيين، وعمّقت حالة الغموض التي تحيط بمستقبل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  لعبة الأمم في أوكرانيا.. أردوغان يربح أم يخسر؟