لقاح كورونا: الصعوبات والمخاطر والفرص

كما  أشرنا في مقالة سابقة، يحتاج تطوير أي لقاح متين، آمن وفعّال إلى سنوات في الأحوال العادية، لكن ظروف كورونا الإستثنائية دفعت بالعديد من مراكز الأبحاث والمختبرات وشركات تصنيع الأدوية وتسويقها، وبدعم لا مثيل له من الحكومات، لخوض سباق مع الوقت للحصول على هكذا لقاح بأسرع وقت لأنه قد يكون الحلّ الوحيد للخروج من هذه الأزمة التي شلّت وعطّلت الحياة الطبيعية منذ اكثر من ٧ اشهر في شتى أنحاء العالم.

ثمة صعوبات تواجه تطوير اللقاح لفيروس كورونا أبرزها الآتي :

 ١-طبيعة فيروس كوفيد ـ 19:

ثمة خصائص للفيروس محيّرة جعلت العلماء يصطدمون بعوائق أمام محاولات تطوير لقاح له. فمع إنتشار هذا المرض تبيّن أن هناك أربعة أنواع مختلفة من الفيروس إنتشرت بينها نوعان يتسببّان بمشاكل تنفسية خفيفة او أنفلونزا أو حالة رشح غير خطيرة، ولكن النوعين الآخرين يتسبّبان بإلتهابات رئوية خطيرة جداً قد تصل إلى درجة القصور الرئوي الحاد الذي قد يتسبّب بالوفاة. وقد إعتبر العلماء أن فيروس SARS-COVID-2 الذي يتسبّب بالمرض الذي أُطلق عليه اسم COVID-19 هو من ضمن النوعين الأخيرين البالغي الخطورة. كما إعتبروا أن فيروس SARS-COVID-1 الذي ظهر في عام 2002 وفيروس  MERS-Cov الذي ظهر في عام 2012، هما من الفصيلة الخطيرة ذاتها التي انحدر منها الفيروس الجديد. ومن الخصائص الأساسية لهذا الفيروس الجديد أنه يصيب في البداية الغشاء المخاطي الذي يغطي الأنف والحنجرة  والبلعوم.. في هذه المرحلة يمكن القضاء عليه، ذلك أن أغلب المرضى الذين يتعرضون لهذا الفيروس يُعانون في أغلب الأحيان من رشحٍ خفيف أو من أعراضٍ أخرى خفيفة أو من عدم وجود أعراض بشكل كامل (Completly Asymptomatic ).لكن خطورة هذا الفيروس تكمن في إمكان عبوره إلى الرئتين ومنهما إلى كل الأعضاء التي تحتوي على لاقطات تسمح للفيروس بالإلتصاق بالخلايا، وهي بروتينات موجودة بشكل كبير في خلايا الرئتين وتسمّى ACE وهي تلعب دورا كبيرا في عمل الرئتين والقلب والكلى ومراقبة الضغط الشرياني. هذه البروتينات موجودة ايضاً بكميّات متفاوتة في خلايا القلب والكلى والشرايين المنتشرة في كل أنحاء الجسم وكذلك خلايا الجهاز العصبي والجهاز الهضمي، ومن هنا تحصل إمكانية وصول الفيروس الى كل هذه الأعضاء وإحداث ضرر كبير فيها. ولذلك، فإن الصعوبة الأساسية في إيجاد اللقاح  المضاد لهذا الفيروس، مردها إلى تمكين جهاز المناعة من الحصول على “خط دفاع أول قوي وفعال ومتين جداً” في حاجز الأنف والحنجرة والبلعوم، وهذا ما لم تقدر عليه حتى اليوم أكثر مراكز الأبحاث، برغم النجاحات الكبيرة التي تكلّمنا عنها سابقاً.

قد يذهب البعض إلى حد القول لماذا لا ننتج لقاحا يحمي فقط من المضاعفات الخطيرة للفيروس؟ أي لماذا لا نسعى لتطوير لقاح قادر على منع تكاثر وإنتشار الفيروس في الجسم بشكل خطير بعد دخوله إليه من دون القضاء عليه كلياً. هكذا لقاح قد يكون مفيداً لـ  8 مرضى من أصل 10 ممن لا يتطور عندهم المرض بشكل كبير، ويجب في هذه الحالة قطعاً أن يكون اللقاح آمناً جداً. ولكنه في هذه الحالة، لن يمنع إمكانية العدوى لأنه لن يمنع تكاثر الفيروس في الأنف والحنجرة والبلعوم وبالتالي لن يمنع نقل الفيروس إلى أشخاص آخرين قد يختلطون بالمريض.

٢-إختيار مكونات الفيروس التي يجب وضعها في اللقاح(Antigen):

كما ذكرنا سابقاً، توجد في الجدار الخارجي او ما يُسمّى بغلاف الفيروس التاجي (Coronavirus)  نتؤات او تيجان صغيرة (Spike) وهي التي أعطت لهذا الفيروس إسمه أي الفايروس التاجي. وهذه البروتينات مُكوّنة من بروتيين يُدعى (بروتيين (S). وهي المسؤولة عن دخول الفيروس إلى داخل الجسم وإلتصاقه باللاقطات الموجوده على الخلايا التي ذكرناها سابقاً، وهي التي تُحفّز خلايا المناعة في الجسم لإفراز “أجسام مضادة” من خلال ردّة فعل الكريات البيضاء في الجسم وخاصة (B Lymphocytes) القادرة على إفراز تلك “الأجسام المضادة” أو إفراز مواد قادرة على “تدمير الفيروس او تفكيكه أو قتله نهائياً” مثل المواد التي يفرزها النوع الآخر من Lymphocytes والذي يسمى (T -Lymphocytes) وهذا الأمر صحيح وموجود عند كل الفصائل المنحدرة من عائلة  هذه الفيروسات. لذلك، فإن كل اللقاحات التي يسعى الخبراء لتطويرها ستستخدم هذه البروتينات( بروتيين (S) من أجل محاولة تطوير اللقاح المثالي.

٣-صعوبة إختيار آليات المناعة التي يجب تطويرها:

أثبتت الدراسات التي أُجريت على الحيوان أنه بالإمكان تحفيز إفراز “أجسام مضادة” كابحة أو مانعة لتكاثر وتقدّم الفيروس، وتوصل بعض الخبراء إلى إعتقاد أن هذا هو الطريق الصحيح للوصول إلى اللقاح، لكن سرعان ما  تبيّن أن التجارب الحيوانية وبعض التجارب السريرية لم تؤكد صِحّة هذه النظرية مئة بالمئة، وان هناك إفرازات لكميات كبيرة من الاجسام المضادة غير الكابحة او المانعة لتقدّم الفيروس، وهذه الأجسام قد تكون خطيرة لأنها قد تزيد من الإختلاطات الجانبية للفيروس وقد تزيد من مخاطره. وكذلك إتّجه بعض الخُبراء إلى دراسة المواد التي تفرزها  (T -Lymphocytes) والتي من شأنها مُهاجمة وتدمير وتحطيم مُكوّنات الفيروس بطُرق مُتعددة عن طريق إفراز انزيمات ومواد مُختلفة تهاجم الفيروس. لكن كل مشاريع اللقاحات التي يتمّ تطويرها حتى الآن لم تجد وسيلة للوصول الى طريقة لتحفيز هذه الخلايا لإفراز هكذا مواد برغم أن هناك حوالي 139مشروع لقاح قيد التطوير كما ذكرنا سابقاً وبحيث أن العلماء إكتشفوا أن هذه الفرضية  صعبة التطبيق .

٤-صعوبة تحفيز مناعة قوية عند الأشخاص الضعفاء أو المرضى الأكثر عُرضة لحالات خطيرة:

تشير المعطيات العلمية المُتوفرة حتى اليوم إلى أن تحفيز  المناعة عند الاشخاص الأصحّاء الذين لا يعانون من أية مشاكل صحيّة مُعيّنة يُعتبر إنجازا كبيرا بحد ذاته مع اللقاحات التي يتم تطويرها من أجل مكافحة فيروس كورونا. لكن الصعوبة الأكبر سوف تكون في تحفيز المناعة عند الأشخاص الأكثر عُرضةً لمخاطر هذا المرض مثل المرضى المُتقدّمين بالسنّ والمرضى المُصابين بالبدانة أو بالسُكّري أو بأمراض القلب و الكلى والكبد والرئتين أو بأنواع مختلفة من السرطانات، أو الذين يعانون أصلاً من نقص وراثي او مُكتسب في  المناعة أو الذين يتناولون أدوية “كابحة” للمناعة، وهذا ما سيشكل مُعضلة في مجرى تطوير هذا اللقاح لأن هؤلاء المرضى هم الأكثر عُرضةً للإصابة بالإختلاطات الخطيرة لهذا المرض، وهم الذين يجب علينا أن نحميهم قبل كل شيء لأنّ معظم الدراسات والمُعطيات العلمية أثبتت أنهم الأكثر عُرضةً للإصابة بالإختلاطات الجانبية لفيروس كورونا وللتعرّض لإلتهابات رئوية وقلبية او لفشل شامل في كل أعضاء الجسم قد يؤدي للوفاة.

٥-مخاطر تطوير لقاح قد يزيد من خطورة مرض COVID-19 :

بما أن الفيروس التاجي هو فيروس جديد وغير معروف بشكلٍ جيد حتى تاريخ اليوم، وبما أن بعض الخبراء والأطباء لاحظوا أنه يجب عليهم في بعض الحالات الحرجة والخطيرة عند بعض المرضى إستعمال أدوية كابحة لجهاز المناعة لأنهم لاحظوا أن الفيروس يتسبب ببعض الموجات أو العواصف المناعية التي أطلق عليها الأطباء  الموجة او العاصفة السيتوكونية (Cytokine Tornado) وهي التي تتسبّب بحدوث أضرار فادحة في مختلف أعضاء الجسم قد تصل الى الوفاة خاصةً عند الشباب والفئات العمرية الصغيرة لأن ردّة الفعل المناعيّة المُتدحرجة والعنيفة  قد تقود الى حصول أضرار جانبيّة خطيرة في مختلف اعضاء الجسم خاصة في الرئتين والقلب والكلى والكبد وكل شرايين الجسم. لذلك، هناك مخاوف عند العلماء بأن يتسبّب اللقاح بإنتاج “أجسام مضادة ضد الفيروس” لا تكون كابحة له لأنها لا تلتصق في الأماكن التي تمنع تكاثره وتقدّمه في داخل الجسم. بل على العكس قد يكون لها دور كبير في تحفيزه وفي جعله أكثر ضرراً وخبثاً ممّا قد يفاقم المرض بشكلٍ كبير. هذه الظاهرة تكلّم عنها العلماء خلال تطويرهم  للقاح ضد فيروس SARS-COVID-1 وفيروس SARS-COVID-1  وفيروس MERS-Cov . ويخشى الأطباء بأن تحدث هكذا ظاهرة مع  اللقاحات التي يطوّرونها لعلاج فيروس كورونا. وثمة خشية أن التجارب الحيوانية لا تسمح بالتحقق من هذه المخاطر بشكلٍ واضح لأن التحقّق منها يتطّلب أبحاثا مُعقّدة وعميقة جداً وقد تأخذ الكثير من الوقت، ذلك أن الأبحاث السريرية التي تجري على متطوّعين يفترض أن تنتظر العديد من الأسابيع أو الأشهر لكي تظهر آثار المناعة ضد الفيروس عندهم  بعد ان يكونوا قد تلقّوا هذا اللقاح  ويجب الإنتظار لفترات طويلة لمتابعتهم  وكشف رّدة فعل أجسامهم على معاودة التعرض للفيروس التاجي  أو تعريضهم له بشكلٍ تجريبي عبر حقنهم به لكشف ردّة فعل أجسامهم على  هكذا تعريض لكن هذا الشيء قد يأخذ الكثير من الوقت وقد يحتاج للكثير من التجارب الخطيرة. وهذا كله غير ممكن حالياً بسبب عدم وجود علاج فّعال لهذا المرض مما قد يُعرّض حياة هؤلاء المتطوعين للخطر ولذلك فإن هذه التجارب غير مُمكنة وغير منطقية وغير إنسانية في الوقت الحالي خاصة واننا في سباق خطير مع الوقت لتطوير اللقاح.

٦- إنتاج كميات كبيرة من اللقاح وبأسعار مقبولة لتسويقه عالمياً:

لقد تسابقت مختلف مراكز الأبحاث والشركات المُصنّعة للأدوية في معظم الدول المُتقدّمة لوضع “شبكات من تصنيع” او “سلاسل إنتاج” متطوّرة جداً (Production Chaine) قادرة على تصنيع كميّات كبيرة تصل إلى مئات الملايين من هذا اللقاح بشكل سريع عند ثبوت فعاليته. لكن المشكلة ستكون في كيفية توزيع هذا اللقاح في الدول الفقيرة وذات الإمكانيات الإقتصادية المعدومة. وهذا ما يحتاج إلى تعاون دولي كبير من أجل تأمين اللقاح “بسعر مقبول”، خاصة أن الأعداد المطلوب تلقيحها قد تصل إلى مليارات من البشر. وهذا ما يطرح تساؤلات كثيرة حول كيفية حلّ هذه المعضلة إذ أن الدول الغنية قادرة على التصنيع السريع وبكميات كبيرة لهذا اللقاح، لكن الدول الفقيرة أو المتوسطة الإمكانيات الإقتصادية ستكون غير قادرة على ذلك. ومن هنا يجب التفكير منذ اليوم بإمكانيات وطرق حلول هذه المعضلة الدولية وإيجاد حلول سريعة لها لكي لا يقتصر شراء اللقاح والحصول عليه حِكراً على الدول الغنية والمُتقدّمة فقط لأن سعره لن يكون زهيد او قليل، خاصة اذا ما عرفنا درجة المنافسة العالمية المحتدمة في هذا المجال والأموال الطائلة التي دعمت بها كل تلك الدول مراكز الأبحاث والفرق الطبية العاملة في هذا المجال والتي تشارك فيها معظم او اهم  مراكز الأبحاث في العالم،  وتوقّعات البعض ان بعض الشركات او الدول قد تلجأ لإستغلال هذه الأزمة الصحيّة العالمية لجني ارباح خيالية اذا ما لم يتمّ وضع آليات ومقترحات وبروتوكولات تعاون دولي تشارك فيه كل مؤسسات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية خاصة لضمان حصول الدول الفقيرة على هذه اللقاحات.

-سباق دولي لإكتشاف لقاح لكورونا:

https://180post.com/archives/11855

-بيل غيتس ما له وما عليه لقاحاً وشريحة وأهدافاً:

https://180post.com/archives/11917

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course