ترامب في حمى الملا عمر  

في الذكرى التاسعة عشرة لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، التي نفذها تنظيم "القاعدة"، الذي كان يتخذ من أفغانستان المحكومة من حركة "طالبان" عامذاك، أشرف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الدوحة على شروع الحكومة الأفغانية في مفاوضات مع الحركة، لتقاسم السلطة.

هل هي محض صدفة إختيار التوقيت، أم أن الأمر أملاه عامل الوقت الضاغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقبل على إنتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل بشعبية متدنية بفعل كورونا ونتائجها المدمرة على الإقتصاد، وليس بسبب “كاريزما” المرشح الديموقراطي جو بايدن.

هذا هو ترامب يقود في الأسابيع الأخيرة التي تسبق الإنتخابات سياسة خارجية هجومية في الشرق الأوسط الموسع، وأفغانستان على تخومه إن لم يكن من ضمنه، ويقود عمليات التطبيع المتتالية بين دولة الإمارات العربية المتحدة ومن بعدها البحرين، مع إسرائيل، ويجزم بأن ثمة “دولاً كثيرة” عربية وإسلامية تتصل بالولايات المتحدة من أجل الإلتحاق بقطار التطبيع مع إسرائيل، ويورد قراري صربيا وكوسوفو بنقل سفارتيهما من تل أبيب إلى القدس، في هذا السياق.

وكي لا نضيع جوهر التساؤل الذي بدأنا به، فإن اللافت للإنتباه أن الولايات المتحدة التي أطاحت حكم “طالبان” بعد أسابيع من هجمات 11 أيلول/سبتمبر، لأن الحركة بزعامة الملا عمر، سنتذاك، رفضت تسليم زعيم “القاعدة” أسامة بن لادن، هي نفسها الولايات المتحدة التي تعيد “طالبان” إلى الحكم حالياً.

إنها قمة البراغماتية، تمارسها إدارة ترامب، وهي على وعي كامل بأن حكومة الرئيس الأفغاني أشرف غاني لن تصمد طويلاً أمام “زحف طالبان” الجديد، وما هي إلا بضعة أشهر أو بالكاد سنة، حتى تستعيد الحركة التي صنّفتها واشنطن على لوائح الإرهاب، بسبب دعمها للتنظيمات الجهادية، وفي مقدمها “القاعدة” منفذة أقوى هجمات على الأراضي الأميركية، منذ الهجوم الياباني على بيرل هاربر، مما كان سبباً مباشراً لدخول أميركا الحرب العالمية الثانية.

إذن، عملية الدوحة هي أكبر من مجرد إشراك لحركة “طالبان” بالسلطة، هي فعلياً شروع في إعادة السلطة، كامل السلطة، إلى الحركة، التي لم ينمُ عنها حتى الآن أنها بدّلت إيديولوجيتها الجهادية، أو أنها نحت نحو الإعتدال. التنازل الوحيد من جانب “طالبان”، كان السماح للقوات الأميركية بـ”انسحاب آمن” من أفغانستان.

و”الانسحاب الآمن” هو فعلاً ما يبحث عنه ترامب.

مفاوضات الدوحة، في القراءة السياسية المبسطة، هي مجرد تسليم بالهزيمة، في أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة. حتى ولو غلّفت واشنطن هزيمتها بتبريرات عن السلوك الحسن لـ”طالبان” من مثل القول أن الحركة لم تقتل أي جندي أميركي منذ شباط

لننسَ مقولة الحرص على السلام في أفغانستان، التي يرددها المسؤولون الأميركيون. ما يفعله ترامب اليوم هو الهروب من بلد محكوم بالنزاعات والصراعات والحروب المتناسلة. من يتذكر فترة نَعِمَ بها الأفغان بالسلام؟

الولايات المتحدة، لا تعدو كونها اليوم تفعل ما فعلته امبراطوريات دخلت أفغانستان وخرجت منها مدحورة. هذا ما كان من شأن الإتحاد السوفياتي السابق ومن قبل البريطانيين.

ومفاوضات الدوحة، في القراءة السياسية المبسطة، هي مجرد تسليم بالهزيمة، في أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة. حتى ولو غلّفت واشنطن هزيمتها بتبريرات عن السلوك الحسن لـ”طالبان” من مثل القول أن الحركة لم تقتل أي جندي أميركي منذ شباط/فبراير (2020). يقول ترامب أن مساعديه أخبروه بذلك. وتذهب الاستخبارات الأميركية إلى حد توجيه الإتهام تارة لروسيا وطوراً إلى إيران بمحاولة دفع أموال لعناصر “طالبان” كي يقتلوا جنوداً أميركيين، وكأن الحركة يعوزها الحافز الإيديولوجي او السياسي لقتل جنود أميركيين.

ومثل هذه السرديات الأميركية المعروفة، لا تعدو كونها تخدم غرضاً واحداً هو تبرير القرار الأميركي بالانسحاب، ليس إلا.

اليوم أو غداً، سيقف ترامب أمام أنصاره في التجمعات الانتخابية ليفاخر بأنه أنهى حروب أميركا في الخارج، لا سيما في أفغانستان والعراق، وها هو يعيد الجنود “إلى الديار”، بإستثناء بضع مئات في سوريا يحرسون حقول النفط كي لا تقع في أيدي روسيا أو إيران.

أقصى ما يطمح إليه ترامب الآن، هو تحقيق مكاسب آنية تخدم مصالحه الانتخابية، وتعوّض بعضاً من شعبية فقدها من جراء سياسته في التصدي لما يسميه “الفيروس الصيني”

وفي المدى الإقليمي، يعتقد ترامب أن إعادة “طالبان” إلى الحكم، سيساهم في سياسة “الضغوط القصوى” على إيران، باعتبار أن الحركة في سنوات حكمها أظهرت عداءً واضحاً لطهران وهجّرت ملايين من عرقية الهزارة المنتمين إلى المذهب الشيعي إلى إيران.

وفي المحصلة، فإن أقصى ما يطمح إليه ترامب الآن، هو تحقيق مكاسب آنية تخدم مصالحه الانتخابية، وتعوّض بعضاً من شعبية فقدها من جراء سياسته في التصدي لما يسميه “الفيروس الصيني” في معرض إشارته إلى كورونا، وذلك من باب تغذية الشعور بنظرية المؤامرة ضد الولايات المتحدة، تماماً مثلما يكثر الحديث الآن عن محاولات روسية وصينية دؤوبة للتدخل في الإنتخابات الرئاسية الأميركية.

وجملة القول، أن أميركا كونها القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم، ترى من حقها وحدها وسم الدول والأحزاب والشخصيات الأخرى بالإرهاب وشيطنتها، ويعود لها وحدها أيضاً نزع هذه الصفات متى رأت أن مصلحتها تتطلب ذلك. وهذه قضية “طالبان” نموذجاً.

اليوم “طالبان”، ولا ندري غداً مَن؟

سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course